فصل: مسألة (هل تدخل الامة عند خطاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم؟)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المستصفى من علم الأصول ***


القطب الثالث في كيفية استثمار الاحكام من مثمرات الاصول

ويشتمل هذا القطب على صدر ومقدمة وثلاثة فنون‏:‏

صدر القطب الثالث‏:‏

اعلم أن هذا القطب هو عمدة علم الاصول‏:‏ لان ميدان سعي المجتهدين في اقتباس الاحكام من أصولها واجتنائها من أغصانها إذ نفس الاحكام ليست ترتبط باختيار المجتهدين ورفعها ووضعها، والاصول الاربعة من الكتاب والسنة والإجماع والعقل، لا مدخل لاختيار العباد في تأسيسها وتأصيلها، وإنما مجال اضطراب المجتهد واكتسابه استعمال الفكر في استنباط الاحكام واقتباسها من مداركها، والمدارك هي الأدلة السمعية، ومرجعها إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ منه يسمع الكتاب أيضا، وبه يعرف الإجماع والصادر منه من مدارك الاحكام ثلاثة، إما لفظ، وإما فعل، وإما سكوت وتقرير، ونرى أن نؤخر الكلام في الفعل والسكوت، لان الكلام فيهما أوجز‏.‏ واللفظ إما أن يدل على الحكم بصيغته ومنظومه، أو بفحواه ومفهومه، أو بمعناه ومعقوله، وهو الاقتباس الذي يسمى قياسا، فهذه ثلاثة فنون‏:‏ المنظوم والمفهوم، والمعقول‏.‏

الفن الأول‏:‏ في المنظوم وكيفية الاستدلال بالصيغة من حيث اللغة والوضع

ويشتمل هذا الفن على مقدمة وأربعة أقسام‏:‏ القسم الأول‏:‏ في المجمل والمبين، القسم الثاني‏:‏ في الظاهر والمؤول، القسم الثالث‏:‏ في الامر والنهي، القسم الرابع‏:‏ في العام والخاص، فهذا صدر هذا القطب‏.‏

أما المقدمة

فتشتمل على سبعة فصول‏:‏ الفصل الأول‏:‏ في مبدأ اللغات أنه اصطلاح أم توقيف‏.‏ الفصل الثاني‏:‏ في أن اللغة هل تثبت قياسا‏.‏ الفصل الثالث‏:‏ في الاسماء العرفية‏.‏ الفصل الرابع‏:‏ في الاسماء الشرعية‏.‏ الفصل الخامس‏:‏ في اللفظ المفيد وغير المفيد‏.‏ الفصل السادس‏:‏ في طريق فهم المراد من الخطاب على الجملة‏.‏ الفصل السابع‏:‏ في المجاز والحقيقة‏.‏

الفصل الأول‏:‏ في مبدأ اللغات

وقد ذهب قوم إلى أنها اصطلاحية، إذ كيف تكون توقيفا ولا يفهم التوقيف إذا لم يكن لفظ صاحب التوقيف معروفا للمخاطب باصطلاح سابق، وقال قوم‏:‏ إنها توقيفية، إذ الاصطلاح لا يتم إلا بخطاب ومناداة ودعوة إلى الوضع، ولا يكون ذلك إلا بلفظ معروف قبل الاجتماع للاصطلاح، وقال قوم‏:‏ القدر الذي يحصل به التنبيه والبعث على الاصطلاح يكون بالتوقيف، وما بعده يكون بالاصطلاح، والمختار‏:‏ أن النظر في هذا إما أن يقع في الجواز أو في الوقوع‏.‏ أما الجواز العقلي‏:‏ فشامل للمذاهب الثلاثة، والكل في حيز الامكان‏.‏ أما التوقيف‏:‏ فبأن يخلق الاصوات والحروف، بحيث يسمعها واحد أو جمع، ويخلق لهم العلم بأنها قصدت للدلالة على المسميات، والقدرة الازلية لا تقصر عن ذلك‏.‏ وأما الاصطلاح‏:‏ فبأن يجمع الله دواعي جمع من العقلاء للاشتغال بما هو مهمهم وحاجتهم، من تعريف الامور الغائبة التي لا يمكن الانسان أن يصل إليها فيبتدئ واحد ويتبعه الآخر حتى يتم الاصطلاح، بل العاقل الواحد ربما ينقدح له وجه الحاجة، وإمكان التعريف بتأليف الحروف، فيتولى الوضع ثم يعرف الآخرين بالاشارة والتكرير معها للفظ مرة بعد أخرى، كما يفعل الوالدان بالولد الصغير، وكما يعرف الاخرس ما في ضميره بالاشارة، وإذا أمكن كل واحد من القسمين أمكن التركيب منهما جميعا، أما الواقع من هذه الاقسام فلا مطمع في معرفته يقينا إلا ببرهان عقلي، أو بتواتر خبر أو سمع قاطع، ولا مجال لبرها العقل في هذا، ولم ينقل تواتر ولا فيه سمع قاطع، فلا يبقى إلا رجم الظن في أمر لا يرتبط به تعبد عملي، ولا ترهق إلى اعتقاده حاجة، فالخوض فيه إذا فصول لا أصل له، فإن قيل‏:‏ قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وعلم آدم الاسماء كلها‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 13‏)‏ وهذا يدل على أنه كان بوحي وتوقيف، فيدل على الوقوع وإن لم يدل على استحالة خلافه‏؟‏ قلنا‏:‏ وليس ذلك دليلا قاطعا على الوقوع أيضا، إذ يتطرق إليه أربعة احتمالات‏:‏ أحدها‏:‏ أنه ربما ألهمه الله تعالى الحاجة إلى الوضع، فوضع بتدبيره وفكره، ونسب ذلك إلى تعليم الله تعالى، لانه الهادي والملهم، ومحرك الداعية، كما تنسب جميع أفعالنا إلى الله تعالى‏.‏ الثاني‏:‏ أن الاسماء ربما كانت موضوعة باصطلاح من خلق الله تعالى قبل آدم من الجن، أو فريق من الملائكة، فعلمه الله تعالى ما تواضع عليه غيره‏.‏ الثالث‏:‏ أن الاسماء صيغة عموم، فلعله أراد به أسماء السماء والارض، وما في الجنة والنار، دون الاسامي التي حدثت مسمياتها بعد آدم عليه السلام من الحرف والصناعات والآلات وتخصيص قوله تعالى كلها كتخصيص قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأوتيت من كل شئ‏}‏ ‏(‏النمل‏:‏ 32‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تدمر كل شئ بأمر ربها فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم‏}‏ ‏(‏الاحقاف‏:‏ 52‏)‏ وهو على كل شى قدير إذ يخرج عنه ذاته وصفاته‏.‏ الرابع‏:‏ أنه ربما علمه ثم نسيه أو لم يعلم غيره ثم اصطلح بعده أولاده على هذه اللغات المعهودة الآن والغالب أن أكثرها حادثة بعده‏.‏

الفصل الثاني في أن الاسماء اللغوية هل تثبت قاسا

وقد اختلفوا فيه‏:‏ فقال بعضهم‏:‏ سموا الخمر من العنب خمرا لانها تخمر العقل، فيسمى النبيذ خمرا لتحقق ذلك المعنى فيه، قياسا عليه، حتى يدخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ حرمت الخمر لعينها وسمي الزاني زانيا لانه مولج فرجه في فرج محرم، فيقاس عليه اللائط في إثبات اسم الزاني، حتى يدخل في عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏(‏24‏)‏ الزانية والزاني‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 2‏)‏ وسمي السارق سارقا، لانه أخذ مال الغير في خفية، وهذه العلة موجودة في النباش، فيثبت له اسم السارق قياسا، حتى يدخل تحت عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 83‏)‏ وهذا غير مرضي عندنا، لان العرب إن عرفتنا بتوقيفها أنا وضعنا الاسم للمسكر‏:‏ المعتصر من العنب خاصة، فوضعه لغيره، تقول عليهم واختراع، فلا يكون لغتهم، بل يكون وضعا من جهتنا، وإن عرفتنا أنها وضعته لكل ما يخامر العقل أو يخمره فكيفما كان قاسم الخمر ثابت للنبيذ بتوقيفهم لا بقياسنا، كما أنهم عرفونا أن كل مصدر فله فاعل، فإذا سمينا فاعل الضرب ضاربا كان ذلك عن توقيف لا عن قياس، وإن سكتوا عن الامرين احتمل أن يكون الخمر اسم ما يعتصر من العنب خاصة واحتمل غيره، فلم نتهكم عليهم ونقول‏:‏ لغتهم هذا، وقد رأيناهم يضعون الاسم لمعاني ويخصصونها بالمحل، كما يسمون الفرس أدهم لسواده كميتا لحمرته، والثوب المتلون بذلك اللون، بل الآدمي المتلون بالسواد لا يسمونه بذلك الاسم، لانهم ما وضعوا الادهم والكميت للاسود والاحمر، بل لفرس أسود وأحمر، وكما سموا الزجاج الذي تقر فيه المائعات قارورة أخذا من القرار، ولا يسمون الكوز والحوض قارورة وإن قر الماء فيه، فإذا‏:‏ كل ما ليس على قياس التصريف الذي عرف منهم بالتوقيف فلا سبيل إلى إثباته ووضعه بالقياس، وقد أطنبنا في شرح هذه المسألة في كتاب أساس القياس فثبت بهذا أن اللغة وضع كلها وتوقيف ليس فيها قياس أصلا‏.‏

الفصل الثالث في الاسماء العرفية

اعلم أن الاسماء اللغوية تنقسم إلى وضعية وعرفية، والاسم يسمى عرفيا باعتبارين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن يوضع الاسم لمعنى عام، ثم يخصص عرف الاستعمال من أهل اللغة، ذلك الاسم ببعض مسمياته، كاختصاص اسم الدابة بذوات الاربع، مع أن الوضع لكل ما يدب، واختصاص اسم المتكلم بالعالم بعلم الكلام، مع أن كل قائل ومتلفظ متكلم، وكاختصاص اسم الفقيه والمتعلم وببعض العلماء وبعض المتعلمين، مع أن الوضع عام، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏وعلم آدم الاسماء كلها‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 13‏)‏، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏خلق الانسان ئ علمه البيان‏}‏ ‏(‏الرحمن‏:‏ 3 - 4‏)‏ وقال عزوجل‏:‏ ‏{‏فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 87‏)‏‏.‏ الاعتبار الثاني‏:‏ أن يصير الاسم شائعا في غير ما وضع له أولا، بل فيما هو مجاز فيه، كالغائط المطمئن من الارض، والعذرة البناء الذي يستتر به، وتقضى الحاجة من ورائه، فصار أصل الوضع منسيا، والمجاز معروفا سابقا إلى الفهم بعرف الاستعمال، وذلك بالوضع الأول، فالاسامي اللغوية، إما وضعية، وإما عرفية، أما ما انفرد المحترفون وأرباب الصناعات بوضعه لادواتهم، فلا يجوز أن يسمى عرفيا، لان مبادئ اللغات والوضع الأصلي كلها كانت كذلك، فيلزم أن يكون جميع الاسامي اللغوية عرفية‏.‏

الفصل الرابع في الاسماء الشرعية

قالت المعتزلة والخوارج وطائفة من الفقهاء‏:‏ الاسماء لغوية، ودينية، وشرعية، أما اللغوية فظاهرة، وأما الدينية فما نقلته الشريعة إلى أصل الدين، كلفظ الايمان والكفر والفسق، وأما الشرعية فكالصلاة والصوم والحج والزكاة، واستدل القاضي على إفساد مذهبهم بمسلكين‏:‏ الأول‏:‏ أن هذه الالفاظ يشتمل عليها القرآن، والقرآن نزل بلغة العرب، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إنا أنزلناه قرآنا عربيا‏}‏ ‏(‏يوسف‏:‏ 2‏)‏، ‏{‏بلسان عربي مبين‏}‏ ‏{‏وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه‏}‏ ‏(‏إبراهيم‏:‏ 4‏)‏ ولو قال‏:‏ أطعموا العلماء‏:‏ وأراد الفقراء لم يكن هذا بلسانهم، وإن كان اللفظ المنقول عربيا، فكذلك إذا نقل اللفظ عن موضوعه إلى غير موضوعه، أو جعل عبارة عن بعض موضوعه، أو متناولا لموضوعه وغير موضوعه، فكل ذلك ليس من لسان العرب‏.‏ الثاني‏:‏ أن الشارع لو فعل ذلك للزمه تعريف الامة بالتوقيف نقل تلك الاسامي، فإنه إذا خاطبهم بلغتهم لم يفهموا إلا موضوعها، ولو ورد فيه توقيف لكان متواترا، فإن الحجة لا تقوم بالآحاد، احتجوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان الله ليضيع إيمانكم‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 341‏)‏ وأراد به الصلاة نحو بيت المقدس، وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ نهيت عن قتل المصلين وأراد به المؤمنين، وهو خلاف اللغة، قلنا‏:‏ أراد بالايمان التصديق بالصلاة والقبلة، وأراد بالمصلين المصدقين بالصلاة، وسمي التصديق بالصلاة صلاة على سبيل التجوز، وعادة العرب تسمية الشئ بما يتعلق به نوعا من التعلق والتجوز منفس اللغة، احتجوا بقوله‏:‏ الايمان بضع وسبعون بابا، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق وتسمية الاماطة إيمانا خلاف الوضع، قلنا‏:‏ هذا من أخبار الآحاد، فلا يثبت به مثل هذه القاعدة، وإن ثبتت فهي دلالة الايمان، فيتجوز بتسميته أيمانا، احتجوا بأن الشرع وضع عبادات لم تكن معهودة، فافتقرت إلى أسام، وكان استعارتها من اللغة أقرب من نقلها من لغة أخرى أو إبداع أسام لها، قلنا‏:‏ لا نسلم أنه حدث في الشريعة عبادة لم يكن لها اسم في اللغة، فإن قيل‏:‏ فالصلاة في اللغة ليست عبارة عن الركوع والسجود، ولا الحج عبارة عن الطواف والسعي، قلنا‏:‏ عنه جوابان‏:‏ الأول‏:‏ أنه ليست الصلاة في الشرع أيضا عبارة عنه بل الصلاة عبارة عن الدعاء كما في اللغة، والحج عبارة عن القصد، والصوم عبارة عن الامساك، والزكاة عبارة عن النمو، لكن الشرع شرط في أجزاء هذه الامور أمورا أخر تنضم إليها، فشرط في الاعتداد بالدعاء الواجب انضمام الركوع والسجود إليه، وفي قصد البيت أن ينضم إليه الوقوف والطواف والاسم غير متناول له، لكنه شرط الاعتداد، بما ينطلق عليه الاسم، فالشرع تصرف بوضع الشرط لا بتغيير الوضع‏.‏ الثاني‏:‏ أنه يمكن أن يقال‏:‏ سميت جميع الافعال صلاة لكونها متبعا بها فعل الامام، فإن التالي للسابق في الخيل يسمى مصليا لكونه متبعا، هذا كلام القاضي رحمه الله، والمختار عندنا أنه لا سبيل إلى إنكار تصرف الشرع في هذه الاسامي، ولا سبيل إلى دعوى كونها منقولة عن اللغة بالكلية، كما ظنه قوم، ولكن عرف اللغة تصرف في الاسامي من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ التخصيص ببعض المسميات، كما في الدابة، فتصرف الشرع في الحج والصوم والايمان من هذا الجنس إذ للشرع عرف في الاستعمال كما للعرب‏.‏ والثاني‏:‏ في إطلاقهم الاسم على ما يتعلق به الشئ ويتصل به، كتسميتهم الخمر محرمة، والمحرم شربها، والام محرمة والمحرم وطؤها، فتصرفه في الصلاة كذلك، لان الركوع والسجود شرطه الشرع في تمام الصلاة، فشمله الاسم بعرف استعمال الشرع إذ إنكار كون الركوع والسجود ركن الصلاة، ومن نفسها بعيد، فتسليم هذا القدر من التصرف بتعارف الاستعمال للشرع أهون من إخراج السجود والركوع من نفس الصلاة، وهو كالمهم المحتاج إليه، إذ ما يصوره الشرع من العبادات ينبغي أن يكون لها أسام معروفة، ولا يوجد ذلك في اللغة إلا بنوع تصرف فيه، وأما ما استدل به من أن القرآن عربي، فهذا لا يخرج هذه الاسامي عن أن تكون عربية، ولا يسلب اسم العربي عن القرآن، فإنه لو اشتمل على مثل هذه الكلمات بالعجمية لكان لا يخرجه عن كونه عربيا أيضا، كما ذكرناه، في القطب الأول من الكتاب‏.‏ وأما قوله‏:‏ إنه كان يجب عليه التوقيف على تصرفه، فهذا أيضا، إنما يجب إذا لم يفهم مقصوده من هذه الالفاظ بالتكرير والقرائن مرة بعد أخرى، فإذا فهم هذا فقد حصل الغرض فهذا أقرب عندنا بما ذكره القاضي رحمه الله‏.‏

الفصل الخامس في الكلام المفيد

اعلم أن الامور منقسمة إلى ما يدل على غيره وإلى ما لا يدل، فأما ما يدل فينقسم إلى ما يدل بذاته، وهو الأدلة العقلية وقد ذكرنا مجامع أقسامها في مدارك العقول من مقدمة الكتاب، وإلى ما يدل بالوضع، وهو ينقسم إلى صوت وغير صوت، كالاشارة والرمز، والصوت ينقسم في دلالته إلى مفيد وغير مفيد، والمفيد كقولك‏:‏ زيد قائم، وزيد خرج راكبا، وغير المفيد كقولك‏:‏ زيد لا وعمرو في، فإن هذا لا يحصل منه معنى، وإن كان آحاد كلماته موضوعة للدلالة، وقد اختلف في تسمية هذا كلاما، فمنهم من قال‏:‏ هو كمقلوب رجل وزيد لجر وديز، فإن هذا لا يسمى كلاما، ومنهم من سماه كلاما، لان آحاده وضعت للافادة‏.‏ واعلم أن المفيد من الكلام ثلاثة أقسام‏:‏ اسم، وفعل، وحرف، كما في علم النحو، وهذا لا يكون مفيدا حتى يشتمل على اسمين أسند أحدهما إلى الآخر، نحو‏:‏ زيد أخوك، والله ربك، أو اسم أسند إلى فعل، نحو قولك‏:‏ ضرب زيد وقام عمرو، وأما الاسم والحرف كقولك‏:‏ زيد من وعمرو في فلا يفيد حتى تقول من مضر وفي الدار، وكذلك قولك‏:‏ ضرب قام لا يفيد إذ لم يتخلله اسم، وكذلك قولك‏:‏ من في قد على‏.‏ واعلم أن المركب من الاسم والفعل والحرف تركيبا مفيدا ينقسم إلى مستقل بالافادة من كل وجه، وإلى ما لا يستقل بالافادة إلا بقرينة، وإلى ما يستقل بالافادة من وجه دون وجه، مثال الأول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ذلك‏}‏ ‏(‏الاسراء‏:‏ 23‏)‏، ‏{‏ولا تقتلوا أنفسكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏)‏ وذلك يسمى نصا لظهوره، والنص في السير هو الظهور فيه، ومنه منصة العروس للكرسي الذي تظهر عليه، والنص ضربان ضرب هو نص بلفظه ومنظومه، كما ذكرناه، وضرب هو نص بفحواه ومفهومه، نحو قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تقل لهما أف‏}‏ ‏(‏الاسراء‏:‏ 32‏}‏ ‏(‏ولا تظلمون فتيلا‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 77‏}‏ ‏(‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏}‏ ‏(‏الزلزلة‏:‏ 7‏}‏ ‏(‏ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 57‏)‏‏.‏ فقد اتفق أهل اللغة على أن فهم ما فوق التأفيف من الضرب والشتم وما وراء الفتيل والذرة من المقدار الكثير أسبق إلى الفهم منه من نفس الذرة والفتيل والتأفيف، ومن قال‏:‏ إن هذا معلوم بالقياس، فإن أراد به أن المسكوت عنه عرف بالمنطوق فهو حق، وإن أراد به أن يحتاج فيه إلى تأمل أو يتطرق إليه احتمال فهو غلط، وأما الذي لا يستقل إلا بقرينة فكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو يعفوا الذي بيده‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 237‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ثلاثة قروء‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 822‏)‏ وكل لفظ مشترك ومبهم، وكقوله‏:‏ رأيت أسدا وحمارا وثورا، إذا أراد شجاعا وبليدا، فإنه لا يستقل بالدلالة على مقصوده إلا بقرينة، وأما الذي يستقل من وجه دون وجه، فكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 141‏)‏ وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 92‏)‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 92‏)‏ فإن الايتاء ويوم الحصاد معلوم، ومقدار ما يؤتى غير معلوم، والقتال وأهل الكتاب معلوم، وقدر الجزية مجهول، فخرج من هذا أن اللفظ المفيد بالاضافة إلى مدلوله، إما أن لا يتطرق إليه احتمال فيسمى نصا، أو يتعارض فيه الاحتمالات من غير ترجيح، فيسمى مجملا ومبهما، أو يترجح أحد احتمالاته على الآخر فيسمى بالاضافة إلى الاحتمال الارجح ظاهرا، وبالاضافة إلى الاحتمال البعيد مؤولا، فاللفظ المفيد إذا ما نص أو ظاهر أو مجمل‏.‏

الفصل السادس في طريق فهم المراد من الخطاب

اعلم أن الكلام إما أن يسمعه نبي أو ملك من الله تعالى، أو يسمعه نبي أو ولي من ملك، أو تسمعه الامة من النبي، فإن سمعه ملك أو نبي من الله تعالى فلا يكون حرفا ولا صوتا ولا لغة موضوعة حتى يعرف معناه بسبب تقدم المعرفة بالمواضعة، لكن يعرف المراد منه بأن يخلق الله تعالى في السامع علما ضروريا بثلاثة أمور‏:‏ بالمتكلم وبأن ما سمعه من كلامه، وبمراده من كلامه، فهذه ثلاثة أمور ، لا بد وأن تكون معلومة، والقدرة الازلية ليست قاصرة عن اضطرار الملك والنبي إلى العلم بذلك، ولا متكلم إلا وهو محتاج إلى نصب علامة لتعريف ما في ضميره، إلا الله تعالى، فإنه قادر على اختراع علم ضروري به من غير نصب علامة، وكما أن كلامه ليس من جنس كلام البشر، فسمعه الذي يخلقه لعبده ليس من جنس سمع الاصوات، ولذلك يعسر علينا تفهم كيفية سماع موسى كلام الله تعالى الذي ليس بحرف ولا صوت، كما يعسر على الاكمة تفهم كيفية إدراك البصير للالوان والاشكال، أما سماع النبي من الملك فيحتمل أن يكون بحرف وصوت دال على معنى كلام الله، فيكون المسموع الاصوات الحادثة، التي هي فعل الملك دون نفس الكلام، ولا يكون هذا إسماعا لكلام الله بغير واسطة، وإن كان يطلق عليه اسم سماع كلام الله تعالى، كما يقال‏:‏ فلان سمع شعر المتنبي وكلامه، وإن سمعه من غيره وسمع صوت غيره، وكما قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 6‏)‏ وكذلك سماع الامة من الرسول صلى الله عليه وسلم كسماع الرسول من الملك، ويكون طريق فهم المراد تقدم المعرفة بوضع اللغة التي بها المخاطبة، ثم إن كان نصا لا يحتمل كفى معرفة اللغة وإن تطرق إليه الاحتمال فلا يعرف المراد منه حقيقة إلا بانضمام قرينة إلى اللفظ، والقرينة إما لفظ مكشوف، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 141‏)‏ والحق هو العشر، وإما إحالة على دليل العقل، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما قدروا الله حق قدره والارض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون‏}‏ ‏(‏الزمر‏:‏ 76‏)‏ وقوله عليه السلام‏:‏ قلب المؤمن بين أصبعين من أصابع الرحمن‏.‏ وإما قرائن أحوال من إشارات ورموز وحركات وسوابق ولواحق لا تدخل تحت الحصر والتخمين يختص بدركها المشاهد لها، فينقلها المشاهدون من الصحابة إلى التابعين بألفاظ صريحة، أو مع قرائن من ذلك الجنس أو من جنس آخر، حتى توجب علما ضروريا بفهم المراد، أو توجب ظنا، وكل ما ليس عبارة موضوعة في اللغة فتتعين فيه القرائن، وعند منكري صيغة العموم والامر يتعين تعريف الامر والاستغراق بالقرائن، فإن قوله تعالى‏:‏ ‏(‏فاقتلوا المشركين‏)‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏ وإن أكده بقوله‏:‏ كلهم وجميعهم فيحتمل الخصوص عندهم تقوله تعالى‏:‏ ‏(‏ولله‏}‏ ‏(‏الاحقاف‏:‏ 52‏}‏ ‏(‏‏(‏27‏)‏ وأوتيت من كل شئ‏)‏ ‏(‏النمل‏:‏ 32‏)‏ فإنه أريد به البعض، وسيأتي تفصيله إن شاء الله تعالى‏.‏

الفصل السابع‏:‏ في الحقيقة والمجاز

اعلم أن اسم الحقيقة مشترك، إذ قد يراد به ذات الشئ وحده ويراد به حقيقة الكلام، ولكن إذا استعمل في الالفاظ أريد به ما استعمل في موضوعه‏.‏ والمجاز ما استعمله العرب في غير موضوعه وهو ثلاثة أنواع، الأول‏:‏ ما استعير للشئ بسببه المشابهة في خاصية مشهورة، كقولهم للشجاع‏:‏ أسد وللبليد‏:‏ حمار، فلو سمي الابخر أسدا لم يجز، لان البخر ليس مشهورا في حق الاسد‏.‏ الثاني‏:‏ الزيادة كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس كمثله شئ‏}‏ ‏(‏الشورى‏:‏ 11‏)‏ فإن الكاف وضعت للافادة، فإذا استعملت على وجه لا يفيد كان على خلاف الوضع‏.‏ الثالث‏:‏ النقصان الذي لا يبطل التفهيم، كقوله عزوجل‏:‏ ‏{‏واسأل القرية‏}‏ ‏(‏يوسف‏:‏ 28‏)‏ والمعنى‏:‏ واسأل أهل القرية، وهذا النقصان اعتادته العرب فهو توسع وتجوز، وقد يعرف المجاز بإحدى علامات أربع‏:‏ الأولى‏:‏ أن الحقيقة جارية على العموم في نظائره، إذ قولنا‏:‏ عالم لما عني به ذو علم صدق على كل ذي علم، وقوله‏:‏ ‏{‏واسئل القرية‏}‏ يصح في بعض الجمادات لارادة صاحب القرية، ولا يقال‏:‏ سل البساط والكوز، وإن كان قد يقال‏:‏ سل الطلل والربع، لقربه من المجاز المستعمل‏.‏ الثانية‏:‏ أن يعرف بامتناع الاشتقاق عليه، إذ الامر إذا استعمل في حقيقته اشتق منه اسم الآمر وإذا استعمل في الشأن مجازا لم يشتق منه آمر، والشأن هو المراد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أمر فرعون برشيد‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 79‏)‏ وبقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إذا جاء أمرنا‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 04‏)‏‏.‏ الثالثة‏:‏ أن تختلف صيغة الجمع على الاسم، فيعلم أنه مجاز في أحدهما، إذ الامر الحقيقي يجمع على أوامر، وإذا أريد به الشأن يجمع على أمور‏.‏ الرابعة‏:‏ أن الحقيقي إذا كان له تعلق بالغير، فإذا استعمل فيما لا تعلق له به لم يكن له متعلق كالقدرة إذا أريد بها الصفة، كان لها مقدور، وإن أريد بها المقدور كالنبات الحسن العجيب، إذ يقال‏:‏ انظر إلى قدرة الله تعالى‏:‏ أي إلى عجائب مقدوراته لم يكن له متعلق، إذ النبات لا مقدور له‏.‏ واعلم أن كل مجاز فله حقيقة، وليس من ضرورة كل حقيقة أن يكون لها مجاز، بل ضربان من الاسماء لا يدخلهما المجاز، الأول‏:‏ أسماء الاعلام، نحو‏:‏ زيد وعمرو، لانها أسام وضعت للفرق بين الذوات لا للفرق في الصفات، نعم الموضوع للصفات قد يجعل علما فيكون مجازا، كالاسود بن الحرث إذ لا يراد به الدلالة على الصفة مع أنه وضع له فهو مجاز، أما إذا قال‏:‏ قرأت المزني وسيبويه وهو يريد كتابيهما فليس ذلك، إلا كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واسأل القرية‏}‏ ‏(‏يوسف‏:‏ 28‏)‏ فهو على طريق حذف اسم الكتاب، معناه‏:‏ قرأت كتاب المزني، فيكون في الكلام مجاز بالمعنى الثالث المذكور للمجاز‏.‏ الثاني‏:‏ الاسماء التي لا أعم منها ولا أبعد، كالمعلوم والمجهول، والمدلول والمذكور، إذ لا شئ إلا وهو حقيقة فيه فكيف يكون مجازا عن شئ‏.‏ هذا تمام المقدمة، ولنشتغل بالمقاصد، وهي كيفية اقتباس الاحكام من الصيغ والالفاظ المنطوق بها وهي أربعة أقسام‏.‏

القسم الأول من الفن الأول من مقاصد القطب الثالث في المجمل والمبين

اعلم أن اللفظ إما أن يتعين معناه بحيث لا يحتمل غيره فيسمى مبينا ونصا، وإما أن يتردد بين معنيين فصاعدا من غير ترجيح، فيسمى مجملا، وإما أن يظهر في أحدهما ولا يظهر في الثاني فيسمى ظاهرا، والمجمل هو اللفظ الصالح لاحد معنيين الذي لا يتعين معناه لا بوضع اللغة ولا بعرف الاستعمال وينكشف ذلك بمسائل‏.‏

مسألة ‏(‏كيفية معرفة المجمل‏)‏

قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم أمهاتكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 32‏)‏ و‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم الميتة‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 3‏)‏ ليس بمجمل، وقال قوم من القدرية‏:‏ هو مجمل لان الاعيان لا تتصف بالتحريم، وإنما يحرم فعل ما يتعلق بالعين وليس يدري ما ذلك الفعل، فيحرم من الميتة مسها أو أكلها أو النظر إليها أو بيعها والانتفاع بها فهو مجمل، والام يحرم منها النظر أو المضاجعة أو الوطئ، فلا يدري أيه، ولا بد من تقدير فعل وتلك الافعال كثيرة وليس بعضها أولى من بعض، وهذا فاسد إذ عرف الاستعمال كالوضع، ولذلك قسمنا الاسماء إلى عرفية ووضعية، وقدمنا بيانها، ومن أنس بتعارف أهل اللغة واطلع على عرفهم علم أنهم لا يستريبون في أن من قال‏:‏ حرمت عليك الطعام والشراب أنه يريد الاكل دون النظر والمس، وإذا قال‏:‏ حرمت عليك هذا الثوب أنه يريد اللبس، وإذا قال حرمت عليك النساء أنه يريد الوقاع، وهذا صريح عندهم مقطوع به فكيف يكون مجملا والصريح تارة يكون بعرف الاستعمال وتارة بالوضع، وكل ذلك واحد في نفي الاجمال، وقال قوم‏:‏ هو من قبيل المحذوف كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واسأل القرية‏}‏ أي أهل القرية ‏(‏يوسف‏:‏ 28‏)‏ وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أحلت لكم بهيمة الانعام‏}‏ أي أكل البهيمة ‏{‏أحل لكم صيد البحر‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 69‏)‏ وهذا إن أراد به إلحاقه بالمجمل، فهو خطأ، وإن أراد به حصول الفهم به مع كونه محذوفا فهو صحيح، وإن أراد به إلحاقه بالمجاز فيلزمه تسمية الاسماء العربية مجازا‏.‏

مسألة ‏(‏رفع الخطأ والنسيان‏)‏

قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان يقتضي بالوضع نفي نفس الخطأ والنسيان وليس كذلك، وكلامه صلى الله عليه وسلم يجل عن الخلف، فالمراد به رفع حكمه لا على الاطلاق، بل الحكم الذي عرف بعرف الاستعمال قبل ورود الشرع إرادته بهذا اللفظ، فقد كان يفهم قبل الشرع من قول القائل لغيره‏:‏ رفعت عنك الخطأ والنسيان، إذ يفهم منه رفع حكمه لا على الاطلاق، وهو المؤاخذة بالذم والعقوبة فكذلك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم نص صريح فيه، وليس بعام في جميع أحكامه من الضمان ولزوم القضاء وغيره، ولا هو مجمل بين المؤاخذة التي ترجع إلى الذم ناجزا أو إلى العقاب آجلا وبين الغرم والقضاء، لانه لا صيغة لعمومه حتى يجعل عاما في كل حكم، كما لم يجعل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم أمهاتكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 32‏)‏ عاما في كل فعل، مع أنه لا بد من إضمار فعل، فالحكم هاهنا لا بد من إضماره لاضافة الرفع إليه، كالفعل، ثم ينزل على ما يقتضيه عرف الاستعمال، وهو الذم، والعقاب هاهنا والوطئ، ثم فإن قيل‏:‏ فالضمان أيضا عقاب، فليرتفع‏؟‏ قلنا‏:‏ الضمان قد يجب امتحانا ليثاب عليه، لا للانتقام، ولذلك يجب على الصبي والمجنون، وعلى العاقلة بسبب الغير، ويجب حيث يجب الاتلاف، كالمضطر في المخمصة وقد يجب عقابا كما يجب على المعتمد لقتل الصيد ليذوق وبال أمره، وإن وجب على المخطئ بالقتل امتحانا، فغاية ما يلزم أن يقال ينتفي به كل ضمان هو بطريق العقاب لانه مؤاخذة وانتقام بخلاف ما هو بطريق الجبران والامتحان، والمقصود أن من ظن أن هذا اللفظ خاص أو عام لجميع أحكام الخطأ أو مجمل متردد فقد غلط فيه، فإن قيل‏:‏ فلو ورد في موضع لا عرف فيه يدرك به خصوص معناه، فهل يجعل نفيا لاثره بالكلية حتى يقوم مقام العموم، أو يجعل مجملا‏؟‏ قلنا‏:‏ هو مجمل، يحتمل نفي الاثر مطلقا، ونفي آحاد الآثار، ويصلح أن يراد به الجميع، ولا يترجح أحد الاحتمالات، وهذا عند من لا يقول بصيغة العموم ظاهر، أما من يقول بها فيتبع فيه الصيغة، ولا صيغة للمضمرات، وهذا قد أضمر فيه الاثر، فعلى ماذا يعول في التعميم‏؟‏ فإن قيل‏:‏ هو نفي فيقتضي وضعه نفي الاثر والمؤثر جميعا، فإن تعذر نفي المؤثر بقرينة الحس فالتعذر مقصور عليه، فيبقى الاثر منفيا‏؟‏ قلنا‏:‏ ليس قوله‏:‏ لا صيام ولا عمل ولا خطأ ولا نسيان، أو رفع الخطأ والنسيان عاما في نفي المؤثر والاثر حتى إذا تعذر في المؤثر، بقي في الاثر، بل هو لنفي المؤثر فقط، والاثر ينتفي ضرورة بانتفاء المؤثر لا بحكم عموم اللفظ وشموله له، فإذا تعذر حمله على المؤثر صار مجازا، إما عن جميع الآثار أو عن بعض الآثار، ولا تترجح الجملة على البعض، ولا أحد الابعاض على غيره‏.‏

مسألة ‏(‏نفي الكمال أو الصحة في اللفظ الشرعي‏)‏

في قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا صلاة إلا بطهور ولا صلاة إلا بفاتحة الكتاب، ولا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل، ولا نكاح إلا بولي ولا نكاح إلا بشهود، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد، فإن هذا نفي لما ليس منفيا بصورته، فإن صورة النكاح والصوم والصلاة موجودة كالخطأ والنسيان، وقالت المعتزلة‏:‏ هو مجمل لتردده بين نفي الصورة والحكم، وهو أيضا فاسد، بل فساده في هذه الصورة أظهر، فإن الخطأ والنسيان ليس اسما شرعيا، والصلاة والصوم والوضوء والنكاح ألفاظ تصرف الشرع فيها، فهي شرعية، وعرف الشرع في تنزيل الاسامي الشرعية على مقاصده، كعرف اللغة على ما قدمنا وجه تصرف الشرع في هذه الالفاظ، فلا يشك في أن الشرع ليس يقصد بكلامه نفي الصورة فيكون خلفا، بل يريد نفي الوضوء والصوم والنكاح الشرعي، فعرف الشرع يزيل هذا الاحتمال فكأنه صرح بنفي نفس الصلاة الشرعية والنكاح الشرعي، فإن قيل‏:‏ فيحتمل نفي الصحة ونفي الكمال، أي لا صلاة كاملة ولا صوم فاضلا ولا نكاح مؤكدا ثابتا، فهل هو محتمل بينهما‏؟‏ قلنا‏:‏ ذهب القاضي إلى أنه مردد بين نفي الكمال والصحة، إذ لا بد من إضمار الصحة أو الكمال، وليس أحدهما بأولى من الآخر، والمختار أنه ظاهر في نفي الصحة محتمل لنفي الكمال على سبيل التأويل، لان الوضوء والصوم صارا عبارة عن الشرعي، وقوله‏:‏ لا صيام صريح في نفي الصوم، ومهما حصل الصوم الشرعي، وإن لم يكن فاضلا كاملا كان ذلك على خلاف مقتضى النفي، فإن قيل‏:‏ فقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا عمل إلا بنية من قبيل قوله‏:‏ لا صلاة أو من قبيل قوله‏:‏ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان قلنا‏:‏ الخطأ والنسيان ليسا من الاسماء الشرعية، والصوم والصلاة من الاسماء الشرعية، وأما العمل فليس للشرع فيه تصرف، وكيفما كان، فقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا عمل إلا بنية وقوله‏:‏ إنما الاعمال بالنيات يقتضي عرف الاستعمال نفي جدواه وفائدته، كما يقتضي عرف الشرع نفي الصحة في الصوم والصلاة، فليس هذا من المجملات، بل من المألوف في عرف الاستعمال قولهم‏:‏ لا علم إلا ما نفع، ولا كلام إلا ما أفاد ولا حكم إلا لله، ولا طاعة إلا له، ولا عمل إلا ما نفع وأجدى، وكل ذلك نفي لما لا ينتفي، وهو صدق لان المراد منه نفي مقاصده‏.‏ دقيقة‏:‏ القاضي رحمه الله إنما لزمه جعل اللفظ مجملا بالاضافة إلى الصحة والكمال من حيث أنه نفى الاسماء الشرعية، وأنكر أن يكون للشرع فيها عرف يخالف الوضع، فلزمه إضمار شئ في قوله عليه السلام‏:‏ لا صيام أي لا صيام مجزئا صحيحا، أو لا صيام فاضلا كاملا، ولم يكن أحد الاضمارين بأولى من الآخر، وأما نحن إذا اعترفنا بعرف الشرع في هذه الالفاظ صار هذا النفي راجعا إلى نفس الصوم، كقوله‏:‏ لا رجل في البلد، فإنه يرجع إلى نفي الرجل، ولا ينصرف إلى الكمال إلا بقرينة الاحتمال‏.‏

مسألة ‏(‏معنى المجمل‏)‏

إذا أمكن حمل لفظ الشارع على ما يفيد معنيين وحمله على ما يفيد معنى واحدا وهو مردد بينهما فهو مجمل، وقال بعض الاصوليين يترجح حمله على ما يفيد معنيين، كما لو دار بين ما يفيد وما لا يفيد يتعين حمله على المفيد، لان المعنى الثاني مما قصر اللفظ عن إفادته إذا حمل على الوجه الآخر فحمله على الوجه المفيد بالاضافة إليه أولى، وهذا فاسد، لان حمله على غير المفيد يجعل الكلام عبثا ولغوا يجل عنه منصب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أما المفيد لمعنى واحد فليس بلغو، وكلماته التي أفادت معنى واحدا لعلها أغلب وأكثر مما يفيد معنيين، فلا معنى لهذا الترجيح‏.‏

مسألة ‏(‏الاحكام المتعددة في اللفظ‏)‏

ما أمكن حمله على حكم متعدد فليس بأولى مما يحمل اللفظ فيه على التقرير على الحكم الأصلي والحكم العقلي والاسم اللغوي لان كل واحد محتمل، وليس حمل الكلام عليه ردا له إلى العبث، وقال قوم‏:‏ حمله على الحكم الشرعي الذي هو فائدة خاصة بالشرع أولى وهو ضعيف، إذ لم يثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ينطق بالحكم العقلي ولا بالاسم اللغوي ولا بالحكم الأصلي، فهذا ترجيح بالتحكم، مثاله قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الاثنان فما فوقهما جماعة فإنه يحتمل أن يكون المراد به أنه يسمى جماعة ويحتمل أن يكون المراد به انعقاد الجماعة أو حصول فضيلتها، ومثاله أيضا قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ الطواف بالبيت صلاة إذ يحتمل أن يكون المراد به الافتقار إلى الطهارة، أي هو كالصلاة حكما، ويحتمل أن فيه دعاء كما في الصلاة، ويحتمل أنه يسمى صلاة شرعا وإن كان لا يسمى في اللغة صلاة، فهو مجمل بين هذه الجهات ولا ترجيح‏.‏

مسألة ‏(‏دوران الاسم بين المعنى اللغوي والشرعي‏)‏

إذا دار الاسم بين معناه اللغوي ومعناه الشرعي كالصوم والصلاة، قال القاضي‏:‏ هو مجمل، لان الرسول عليه السلام يناطق العرب بلغتهم، كما يناطقهم بعرف شرعه، ولعل هذا منه تفريع على مذهب من يثبت الاسامي الشرعية، وإلا فهو منكر للاسامي الشرعية، وهذا فيه نظر، لان غالب عادة الشارع استعمال هذه الاسامي على عرف الشرع لبيان الاحكام الشرعية، وإن كان أيضا كثيرا ما يطلق على الوضع اللغوي، كقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ دعي الصلاة أيام أقرائك ومن باع حرا أو من باع خمرا‏.‏ فحكمه كذا، وإن كانت الصلاة في حالة الحيض وبيع الخمر والحر لا يتصور إلا بموجب الوضع، فأما الشرعي فلا، ومثال هذه المسألة قوله صلى الله عليه وسلم حيث لم يقدم إليه غداء إني إذا أصوم فإنه إن حمل على الصوم الشرعي، دل على جواز النية نهارا، وإن حمل على الامساك لم يدل، وقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ لا تصوموا يوم النحر إن حمل على الامساك الشرعي دل على انعقاده، إذ لولا إمكانه لما قيل له لا تفعل، إذ لا يقال للاعمى لا تبصر، وإن حمل على الصوم الحسي لم ينشأ منه دليل على الانعقاد، وقد قال الشافعي‏:‏ لو حلف أن لا يبيع الخمر لا يحنث ببيعه، لان البيع الشرعي لا يتصور فيه، وقال المزني‏:‏ يحنث، لان القرينة تدل على أنه أراد البيع اللغوي، والمختار عندنا أن ما ورد في الاثبات والامر فهو للمعنى الشرعي، وما ورد في النهي كقوله‏:‏ دعي الصلاة فهو مجمل‏.‏

مسألة ‏(‏تعارض الحقيقة والمجاز أيهما يقدم‏؟‏‏)‏

إذا دار اللفظ بين الحقيقة والمجاز فاللفظ للحقيقة إلى أن يدل الدليل أنه أراد المجاز، ولا يكون مجملا، كقوله‏:‏ رأيت اليوم حمارا، واستقبلني في الطريق أسد، فلا يحمل على البليد والشجاع إلا بقرينة زائدة، فإن لم تظهر فاللفظ للبهيمة والسبع، ولو جعلنا كل لفظ أمكن أن يتجوز به مجملا تعذرت الاستفادة من أكثر الالفاظ، فإن المجاز إنما يصار إليه لعارض، وهذا في مجاز لم يغلب بالعرف بحيث صار الوضع كالمتروك مثل الغائط والعذرة، فإنه لو قال‏:‏ رأيت اليوم عذرة أو غائطا لم يفهم منه المطمئن من الارض وفناء الدار، لانه صار كالمتروك بعرف الاستعمال والمعنى العرفي كالمعنى الوضعي في تردد اللفظ بينهما، وليس المجاز كالحقيقي، لكن المجاز إذا صار عرفيا كان الحكم للعرف‏.‏ خاتمة جامعة إعلم أن الاجمال تارة يكون في لفظ مفرد وتارة يكون في لفظ مركب وتارة في نظم الكلام والتصريف وحروف النسق ومواضع الوقف والابتداء‏.‏ أما اللفظ المفرد فقد يصلح لمعان مختلفة، كالعين للشمس والذهب والعضو الباصر والميزان، وقد يصلح لمتضادين، كالقرء للطهر والحيض، والناهل للعطشان والريان، وقد يصلح لمتشابهين بوجه ما كالنور للعقل، ونور الشمس، وقد يصلح لمتماثلين، كالجسم للسماء والارض، والرجل لزيد وعمرو، وقد يكون موضوعا لهما من غير تقديم وتأخير، وقد يكون مستعارا لاحدهما من الآخر، كقولك‏:‏ الارض أم البشر، فإن الام وضع اسما للوالدة أولا، وكذلك اسم المنافق والكافر والفاسق والصوم والصلاة، فإنه نقل في الشرع إلى معان، ولم يترك المعنى الوضعي أيضا‏.‏ أما الاشتراك مع التركيب فكقوله تعالى‏:‏ * أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 237‏)‏ فإن جميع هذه الالفاظ مرددة بين الزوج والولي، وأما الذي بحسب التصريف فكالمختار للفاعل والمفعول، وأما الذي بحسب نسق الكلام فكقولك‏:‏ كل ما علمه الحكيم فهو كما علمه، فإن قولك‏:‏ فهو كما علمه متردد بين أن يرجع إلى كل ما وبين أن يرجع إلى الحكم حتى يقول‏:‏ والحكيم يعلم الحجر، فهو إذا كالحجر، وقد يكون بحسب الوقف والابتداء، فإن الوقف على السموات في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو الله في السموات وفى الارضى يعلم سركم وجهركم‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 3‏)‏ له معنى يخالف الوقف على الارض والابتداء بقوله‏:‏ ‏{‏يعلم سركم وجهركم‏}‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 7‏)‏ من غير وقف يخالف الوقف على قوله‏:‏ ‏{‏إلا الله‏}‏ ‏(‏ال عمران‏:‏ 7‏)‏ وذلك لتردد الواو بين العطف والابتداء، ولذلك قد يصدق قولك‏:‏ الخمسة زوج وفرد‏.‏ أي هو اثنان وثلاثة، ويصدق قولك‏:‏ الانسان حيوان وجسم، لانه حيوان وجسم أيضا، ولا يصدق قولك، الانسان حيوان وجسم، ولا قولك الخمسة زوج وفرد، لان الانسان ليس بحيوان وجسم وليست الخمسة زوجا وفرد أيضا، وذلك لان الواو يحتمل جمع الاجزاء وجمع الصفات، وكذلك تقول زيد طبيب بصير يصدق، وإن كان جاهلا ضعيف المعرفة بالطب ولكن بصير بالخياطة فيتردد البصير بين أن يراد به البصير في الطب، أو يراد وصف زائد في نفسه، فهذه أمثلة مواضع الاحمال، وقد تم القول في المجمل، وفي مقابلته المبين فلنتكلم في البيان وحكمه وحده‏.‏ القول في البيان والمبين إعلم أنه جرت عادة الاصوليين برسم كتاب في البيان، وليس النظر فيه مما يستوجب أن يسمى كتابا، فالخطب فيه يسير، والامر فيه قريب، ورأيت أولى المواضع به أن يذكر عقيب المجمل، فإنه المفتقر إلى البيان، والنظر فيه حد البيان وجواز تأخيره والتدريج في إظهاره، وفي طريق ثبوته، فهذه أربعة أمور نرسم في كل واحد منها مسألة‏:‏

مسألة في حد البيان

إعلم أن البيان عبارة عن أمر يتعلق بالتعريف والاعلام، وإنما يحصل الاعلام بدليل، والدليل محصل للعلم، فها هنا ثلاثة أمور‏:‏ إعلام، ودليل به الاعلام وعلم يحصل من الدليل‏.‏ فمن الناس من جعله عبارة عن التعريف فقال في حده‏:‏ أنه إخراج الشئ من حيز الاشكال إلى حيز التجلي ومنهم من جعله عبارة عما به تحصل المعرفة فيما يحتاج إلى المعرفة، أعني الامور، التي ليست ضرورية، وهو الدليل، فقال في حده‏:‏ أنه الدليل الموصل بصحيح النظر فيه إلى العلم بما هو دليل عليه، وهو اختيار القاضي، ومنهم من جعله عبارة عن نفس العلم، وهو تبين الشئ، فكأن البيان عنده والتبيين واحد، ولا حجر في إطلاق إسم البيان على كل واحد من هذه الاقسام الثلاثة، إلا أن الاقرب إلى اللغة وإلى المتداول بين أهل العلم ما ذكره القاضي إذ يقال لمن دل غيره على الشئ بينه له، وهذا بيان منك، لكنه لم يتبين، وقال تعالى‏:‏ * هذا بيان للناس‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 831‏)‏ وأراد به القرآن، وعلى هذا فبيان الشئ قد يكون بعبارات وضعت بالاصطلاح، فهي بيان في حق من تقدمت معرفته بوجه المواضعة، وقد يكون بالفعل والاشارة والرمز، إذا لكل دليل ومبين، ولكن صار في عرف المتكلمين مخصوصا بالدلالة بالقول، فيقال له‏:‏ بيان حسن، أي كلام حسن رشيق الدلالة على المقاصد‏.‏ وإعلم أنه ليس من شرط البيان أن يحصل التبيين به لكل أحد بل أن يكون بحيث إذا سمع وتؤمل وعرفت المواضعة صح أن يعلم به، ويجوز أن يختلف الناس في تبين ذلك وتعرفه، وليس من شرطه أن يكون بيانا لمشكل، لان النصوص المعربة عن الامور ابتداء بيان وإن لم يتقدم فيها إشكال، وبهذا يبطل قول من حده بأنه إخراج الشئ من حيز الاشكال إلى حيز التجلي، فذلك ضرب من البيان وهو بيان المجمل فقط‏.‏ وإعلم أن كل مفيد من كلام الشارع وفعله وسكوته واستبشاره، حيث يكون دليلا وتنبيهه، بفحوى الكلام على علة الحكم، كل ذلك بيان، لان جميع ذلك دليل، وإن كان بعضها يفيد غلبة الظن فهو من حيث إنه يفيد العلم بوجوب العمل قطعا دليل وبيان، وهو كالنص، نعم، كل ما لا يفيد علما ولا ظنا ظاهرا فهو مجمل، وليس ببيان، بل هو محتاج إلى البيان، والعموم يفيد ظن الاستغراق عند القائلين به، لكنه يحتاج إلى البيان ليصير الظن علما، فيتحقق الاستغراق، أو يتبين خلافه فيتحقق الخصوص، وكذلك الفعل يحتاج إلى بيان تقدمه أنه أريد به بيان الشرع لان الفعل لا صيغة له‏.‏

مسألة في تأخير البيان

لا خلاف أنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة إلا على مذهب من يجوز تكليف المحال، أما تأخيره إلى وقت الحاجة فجائز عند أهل الحق خلافا للمعتزلة، وكثير من أصحاب أبي حنيفة، وأصحاب الظاهر، وإليه ذهب أبو إسحق المروزي وأبو بكر الصيرفي، وفرق جماعة بين العام والمجمل فقالوا‏:‏ يجوز تأخير بيان المجمل، إذ لا يحصل من المجمل جهل، وأما العام فإنه يوهم العموم، فإذا أريد به الخصوص فلا ينبغي أن يتأخر بيانه، مثل قوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏ فإنه إن لم يقترن به البيان له أوهم جواز قتل غير أهل الحرب، وأدى ذلك إلى قتل من لا يجوز قتله، والمجمل مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 141‏)‏ يجوز تأخير بيانه، لان الحق مجمل لا يسبق إلى الفهم منه شئ، وهو كما لو قال‏:‏ حج في هذه السنة كما سأفصله، أو أقتل فلانا غدا بآلة سأعينها من سيف أو سكين، وفرق طوائف بين الامر والنهي، وبين الوعد والوعيد، فلم يجوزوا تأخير البيان في الوعد والوعيد‏.‏ ويدل على جواز التأخير مسالك‏:‏ الأول‏:‏ أنه لو كان ممتنعا لكان الاستحالته في ذاته أو لافضائه إلى مجال وكل ذلك يعرف بضرورة أو نظر، وإذا انتفى المسلكان ثبت الجواز، وهذا دليل يستعمله القاضي في مسائل كثيرة وفيه نظر، لانه لا يورث العلم ببطلان الاحالة ولا بثبوت الجواز، إذ يمكن أن يكون وراء من ذكره وفصله دليل على الاحالة لم يخطر له، فلا يمكن أن يكون دليلا لا على الاحالة ولا على الجواز فعدم العلم العلم بدليل الجواز لا يثبت الاحالة، وكذلك عدم العلم بدليل الاحالة لا يثبت الجواز، بل عدم العلم بدليل الاحالة لا يكون علما لعدم الاحالة، فلعل عليه دليلا ولم نعرفه، بل لو عرفنا انتفاء دليل الاحالة لم يثبت الجواز بل لعله محال وليس عليه دليل يعرفه آدمي، فمن أين يجب أن يكون كل جائز ومحال في مقدور الآدمي معرفته‏؟‏‏.‏ الثاني‏:‏ أنه إنما يحتاج إلى البيان للامتثال وإمكانه، ولاجله يحتاج إلى القدرة والآلة، ثم جاز تأخير القدرة وخلق الآلة، فكذلك البيان، وهذا أيضا ذكره القاضي وفيه نظر لانه إنما ينفع، لو اعترف الخصم بأنه يحيله لتعذر الامتثال، ولعله يحيله لما من تجهيل، أو لكونه لغوا بلا فائدة، أو لسبب آخر، وليس في تسليمه تعليل القدرة والآلة بتأتي الامتثال ما يلزمه تعليل غير به‏.‏ الثالث‏:‏ الاستدلال على جوازه بوقوعه في القرآن والسنة، قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏فإذا قرأناه فاتبع قرآنه ثم إن علينا بيانه‏}‏ ‏(‏القيامة‏:‏ 81‏)‏ وثم للتأخير، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير‏}‏ ‏{‏إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة‏}‏ وإنما أراد بقرة معينة، ولم يفصل إلا بعد السؤال، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏واعلموا أنما غنمتم من شئ فان الله خمسة وللرسول ولذي القربى‏}‏ ‏(‏الانفال‏:‏ 41‏)‏ الآية، وإنما أراد بذي القربى بني هاشم وبنى المطلب دون بني أمية، وكل من عدا بني هاشم، فلما منع بني أمية وبني نوفل وسئل عن ذلك قال‏:‏ أنا وبنو المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام، ولم نزل هكذا وشبك بين أصابعه، وقال في قصة نوح‏:‏ ‏{‏إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 64‏)‏ بين بعد أن توهم أنه من أهله، وأما السنن فبيان المراد بقوله‏:‏ وأقيموا الصلاة بصلاة جبريل في يومين بين الوقتين‏.‏ وقوله عليه السلام‏:‏ ليس في الخضروات صدقة ثم قال بعد ذلك، ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة وقال‏:‏ في أربعين شاة شاة وخذوا عني مناسككم كله ورد متأخرا عن قوله‏:‏ ‏{‏وآتوا الزكاة‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 77‏}‏ ‏(‏ولله على الناس حج البيت من استطاع‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 79‏)‏ الآية وقال‏:‏ ‏{‏وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 14‏)‏ وهو عام، ثم ورد بعده‏:‏ ‏{‏إذا‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 16‏)‏ وكذلك جميع الاعذار، وكذلك أمر النكاح والبيع والارث ورد أولا أصلها، ثم بين النبي صلى الله عليه وسلم بالتدريج من يرث ومن لا يرث ومن يحل نكاحه ومن لا يحل، وما يصح بيعه وما لا يصح، وكذلك كل عام ورد في الشرع، فإنما ورد دليل خصوصه بعده، وهذا مسلك لا سبيل إلى إنكاره، وإن تطرق الاحتمال، إلى أحد هذه الاستشهادات بتقدير اقتران البيان، فلا يتطرق إلى الجميع‏.‏ الرابع‏:‏ أنه يجوز تأخير النسخ بالاتفاق، بل يجب تأخيره، لا سيما عند المعتزلة، فإن النسخ عندهم بيان لوقت العبادة، ويجوز أن يرد لفظ يدل على تكرر الافعال على الدوام ثم ينسخ ويقطع الحكم بعد حصول الاعتقاد بلزوم الفعل على الدوام، لكن بشرط أن لا يرد نسخ، وهذا أيضا واقع، فهذه الأدلة واقعة دالة على جواز تأخير البيان عن كل ما يحتاج إلى البيان، من عام ومجمل ومجاز وفعل متردد وشرط مطلق غير مقيد، وهو أيضا دليل على من جوز في الامر دون الوعيد، وعلى من قال بعكس ذلك‏.‏ وللمخالف أربع شبه‏:‏ الأولى‏:‏ قالوا‏:‏ إن جوزتم خطاب العربي بالعجمية والفارسي بالزنجية، فقد ركبتم بعيدا وتعسفتم، وإن منعتم فما الفرق بينه وبين مخاطبة العربي بلفظ مجمل لا يفهم معناه، ولكن يسمع لفظه ويلزم منه جواز خطابه بلغة هو واضعها وحده إلى أن يبين، والجواب من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ وهو الأولى أنهم لم قالوا قوله‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 141‏)‏ كالكلام بلغة لا تفهم مع أنه يفهم أصل الايجاب ويعزم على أدائه وينتظر بيانه وقت الحصاد فالتسوية بينهما تعسف وظلم‏.‏ الجواب الثاني‏:‏ أنا نجوز للنبي عليه السلام أن يخاطب جميع أهل الارض من الزنج والترك بالقرآن، ويشعرهم أنه يشتمل على أوامر يعرفهم بها المترجم، وكيف يبعد هذا ونحن نجوز كون المعدوم مامورا على تقدير الوجود، فأمر العجم على تقدير البيان أقرب‏؟‏ نعم‏:‏ لا يحصل ذلك خطابا، بل إنما يسمى خطابا إذا فهمه المخاطب، والمخاطب في مسألتنا فهم أصل الامر بالزكاة، وجهل قدر الحق الواجب عند الحصاد، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 732‏)‏ مفهوم وتردده بين الزوج والولي معلوم والتعيين منتظر، فإن قيل‏:‏ فليجز خطاب المجنون والصبي‏؟‏ قلنا‏:‏ أما من لا يفهم فلا يسمى مخاطبا ويسمى مأمورا، كالمعدوم على تقدير الوجود وكذك لا لصبي مأمور على تقدير البلوغ، أعني من علم الله أنه سيبلغ، أما الذي يفهم ويعلم الله ببلوغه فلا نحيل أن يقال له‏:‏ إذا بلغت فأنت مأمور بالصلاة والزكاة، والصبا لا ينافي مثل هذا الخطاب، وإنما ينافي خطابا يعرضه للعقاب في الصبا‏.‏ الثانية‏:‏ قولهم الخطاب يراد لفائدة وما لا فائدة فيه، فيكون وجوده كعدمه، ولا يجوز أن يقول‏:‏ أبجد هوز، ويريد به وجوب الصلاة والصوم ثم يبينه من بعد، لانه لغو من الكلام، وكذلك المجمل الذي لا يفيد‏؟‏ قلنا‏:‏ إنما يجوز الخطاب بمجمل يفيد فائدة ما لان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 141‏)‏ يعرف منه وجوب الايتاء ووقته، وأنه حق في المال، فيمكن العزم فيه على الامتثال والاستعداد له، ولو عزم على تركه عصى، وكذلك مطلق الامر إذا ورد ولم يتبين أنه للايجاب أو الندب، أو أنه على الفور أو التراخي، أو أنه للتكرار أو للمرة الواحدة أفاد علم اعتقاد الأصل ومعرفة التردد بين الجهتين، وكذلك‏:‏ ‏(‏أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح‏)‏ ‏[‏ البقر‏:‏ 237 ‏]‏ يعرف إمكان سقوط المهر بين الزوج والولي، فلا يخلو عن أصل الفائدة، وإنما يخلو عن كمالها وذلك غير مستنكر، بل هو واقع في الشريعة والعادة، بخلاف قوله‏:‏ أبجد هوز، فإن ذلك لا فائدة له أصلا‏.‏ الثالثة‏:‏ أنه لا خلاف في أنه لو قال‏:‏ في خمس من الابل شاة وأراد خمسا من الافراس لا يجوز ذلك، وإن كان بشرط البيان بعده، لانه تجهيل في الحال وإيهام لخلاف المراد فكذلك قوله‏:‏ ‏{‏‏(‏9‏)‏ فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏ يوهم قتل كل مشرك وهو خلاف المراد، فهو تجهيل في الحال، ولو أراد بالعشرة سبعة كان ذلك تجهيلا، وإن كان ذلك جائزا إن اتصل الاستثناء به بأن يقول‏:‏ عشرة إلا ثلاثة، وكذلك العموم للاستغراق في الوضع إنما يراد به الخصوص، بشرط قرينة متصلة مبينة، فأما إرادة الخصوص دون القرينة فهو تغيير للوضع، وهذا حجة من فرق بين العام والمجمل، والجواب‏:‏ أن العموم لو كان نصا في الاستغراق لكان كما ذكرتموه، وليس كذلك، بل هو مجمل عند أكثر المتكلمين، متردد بين الاستغراق والخصوص، وهو ظاهر عند أكثر الفقهاء في الاستغراق، وإرادة الخصوص به من كلام العرب، فإن الرجل قد يعبر بلفظ العموم عن كل ما تمثل في ذهنه وحضر في فكره، فيقول مثلا ليس للقاتل من الميراث شئ، فإذا قيل له‏:‏ فالجلاد والقاتل قصاصا لم يرث‏.‏ فيقول‏:‏ ما أردت هذا ولم يخطر لي بالبال، ويقول‏:‏ للبنت النصف من الميراث، فيقال‏:‏ فالبنت الرقيقة والكافرة لا ترث شيئا‏؟‏ فيقول‏:‏ ما خطر ببالي هذا، وإنما أردت غير الرقيقة والكافرة، ويقول الاب، إذا انفرد يرث المال أجمع، فيقال‏:‏ والاب الكافر أو الرقيق لا يرث‏.‏ فيقول‏:‏ إنما خطر ببالي الاب غير الرقيق والكافر، فهذا من كلام العرب، وإذا أراد السبعة بالعشرة فليس من كلام العرب، فإذا اعتقد العموم قطعا فذلك لجهله، بل ينبغي أن يعتقد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص، وعليه الحكم بالعموم إن خلي والظاهر، وينتظر أن ينبه على الخصوص أيضا‏.‏ الرابعة‏:‏ أنه إن جاز تأخير البيان إلى مدة مخصوصة طويلة كانت أو قصيرة فهو تحكم، وإن جاز إلى غير نهاية فربما يخترم لنبي صلى الله عليه وسلم قبل البيان، فيبقى العامل بالعموم في ورطة الجهل، متمسكا بعموم ما أريد به الخصوص‏؟‏ قلنا‏:‏ النبي عليه السلام لا يؤخر البيان إلا إذا جوز له التأخير، أو أوجب وعين له وقت البيان وعرف أنه يبقى إلى ذلك الوقت، فإن اخترم قبل البيا ن بسبب من الاسباب فيبقى العبد مكلفا بالعموم عند من يرى العموم ظاهرا ولا يلزمه حكم ما لم يبلغه، كما لو اخترم قبل النسخ لما أمر بنسخه، فإنه يبقى مكلفا به دائما، فإن أحالوا اخترامه قبل تبليغ النسخ فيما أنزل عليه النسخ فيه فيستحيل أيضا اخترامه قبل بيان الخصوص فيما أريد به الخصوص ولا فرق‏.‏

مسألة ‏(‏هل يجوز منع التدرج في البيان‏؟‏‏)‏

ذهب بعض المجوزين لتأخير البيان في العموم إلى منع التدريج في البيان فقالوا‏:‏ إذا ذكر إخراج شئ من العموم فينبغي أن يذكر جميع ما يخرج وإلا أوهم ذلك استعمال العموم في الباقي، وهذا أيضا غلط، بل من توهم ذلك فهو المخطئ فإنه كما كان يجوز الخصوص فإنه ينبغي أن يبقى مجوزا له في الباقي، وإن أخرج البعض، إذ ليس في إخراج البعض تصريح بحسم سبيل لشئ آخر، كيف وقد نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 79‏)‏ فسئل النبي عليه السلام عن الاستطاعة فقال‏:‏ الزاد والراحلة ولم يتعرض لامن الطريق والسلامة وطلب الخفارة، وذلك يجوز أن يتبين بدليل آخر بعده وقال تعالى‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 83‏)‏ ثم ذكر النصاب بعده ثم ذكر الحرز بعد ذلك، وكذلك كان يخرج شيئا شيئا من العموم على قدر وقوع الوقائع، وكذلك يخرج من قوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏ أهل الذمة مرة والعسيف مرة والمرأة مرة أخرى، وكذلك على التدريج ولا إحالة في شئ من ذلك، فإن قيل‏:‏ فإذا كان كذلك فمتى يجب على المجتهد الحكم بالعموم ولا يزال منتظرا لدليل بعده‏؟‏ قلنا‏:‏ سيأتي ذلك في كتاب العموم والخصوص إن شاء الله‏.‏

مسألة ‏(‏هل يصح تخصيص المتواتر بخبر الآحاد‏)‏

لا يشترط أن يكون طريق البيان للمجمل والتخصيص للعموم، كطريق المجمل والعموم، حتى يجوز بيان مجمل القرآن وعمومه، وما ثبت بالتواتر بخبر الواحد خلافا لاهل العراق، فإنهم لم يجوزوا التخصيص في عموم القرآن والمتواتر بخبر الواحد، وأما المجمل فيما تعم به البلوى كأوقات الصلاة وكيفيتها وعدد ركعاتها ومقدار واجب الزكاة وجنسها فإنهم قالوا‏:‏ لا يجوز أن يبين إلا بطريق قاطع، وأما ما لا تعم به البلوى كقطع يد السارق وما يجب على الائمة من الحد وذكر أحكام المكاتب والمدبر فيجوز أن يبين بخبر الواحد، وهذا يتعلق طرف منه بطريق التخصيص، وسيأتي في القسم الرابع، وطرف يتعلق بما تعم به البلوى، وقد ذكرناه في كتاب الاخبار‏.‏

القسم الثاني من الفن الأول في الظاهر والمؤول

إعلم أنا بينا أن اللفظ الدال الذي ليس بمجمل إما أن يكون نصا وإما أن يكون ظاهرا، والنص هو الذي لا يحتمل التأويل، والظاهر هو الذي يحتمله، فهذا القدر قد عرفته على الجملة، وبقي عليك الآن أن تعرف الاختلاف في إطلاق لفظ النص، وأن تعرف حده وحد الظاهر، وشرط التأويل المقبول، فنقول‏:‏ النص إسم مشترك يطلق في تعارف العلماء على ثلاثة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ ما أطلقه الشافعي رحمه الله، فإنه سمى الظاهر نصا، وهو منطبق على اللغة، ولا مانع منه في الشرع، والنص في اللغة بمعنى الظهور، تقول العرب‏:‏ نصت الظبية رأسها إذا رفعته وأظهرته، وسمي الكرسي منصة إذ تظهر عليه العروس، وفي الحديث‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد فرجة نص، فعلى هذا حده حد الظاهر هو اللفظ الذي يغلب على الظن فهم معنى منه من غير قطع، فهو بالاضافة إلى ذلك المعنى الغالب ظاهر ونص‏.‏ الثاني‏:‏ وهو الاشهر، ما لا يتطرق إليه احتمال أصلا، لا على قرب ولا على بعد، كالخمسة مثلا، فإنه نص في معناه لا يحتمل الستة ولا الاربعة وسائر الاعداد، ولفظ الفرس لا يحتمل الحمار والبعير وغيره، فكل ما كانت دلالته على معناه في هذه الدرجة سمي بالاضافة إلى معناه نصا في طرفي الاثبات والنفي، أعني في إثبات المسمى ونفي ما لا ينطلق عليه الاسم، فعلى هذا حده اللفظ الذي يفهم منه على القطع معنى، فهو بالاضافة إلى معناه المقطوع به نص، ويجوز أن يكون اللفظ الواحد نصا ظاهرا مجملا، لكن بالاضافة إلى ثلاثة معان لا إلى معنى واحد‏.‏ الثالث‏:‏ التعبير بالنص عما لا يتطرق إليه احتمال مقبول يعضده دليل، أما الاحتمال الذي لا يعضده دليل فلا يخرج اللفظ عن كونه نصا، فكان شرط النص بالوضع الثاني أن لا يتطرق إليه احتمال أصلا، وبالوضع الثالث أن لا يتطرق إليه احتمال مخصوص، وهو المعتضد بدليل، ولا حجر في إطلاق اسم النص على هذه المعاني الثلاثة، لكن الاطلاق الثاني أوجه وأشهر، وعن الاشتباه بالظاهر أبعد، هذا هو القول في النص والظاهر‏.‏ أما القول في التأويل فيستدعي تمهيد أصل وضرب أمثلة‏:‏ أما التمهيد‏:‏ فهو أن التأويل عبارة عن احتمال يعضده دليل يصير به أغلب على الظن من المعنى الذي يدل عليه الظاهر، ويشبه أن يكون كل تأويل صرفا للفظ عن الحقيقة إلى المجاز، وكذلك تخصيص العموم يرد اللفظ عن الحقيقة إلى المجاز، فإنه إن ثبت أن وضعه وحقيقته للاستغراق فهو مجاز في الاقتصار على البعض، فكأنه رد له إلى المجاز، إلا أن الاحتمال تارة يقرب وتارة يبعد، فإن قرب كفى في إثباته دليل قريب، وإن لم يكن بالغا في القوة، وإن كان بعيدا افتقر إلى دليل قوي يجبر بعده حتى يكون ركوب ذلك الاحتمال البعيد أغلب على الظن من مخالفة ذلك الدليل، وقد يكون ذلك الدليل قرينة وقد يكون قياسا، وقد يكون ظاهرا آخر أقوى منه، ورب تأويل لا ينقدح إلا بتقدير قرينة وإن لم تنقل القرينة، كقوله عليه السلام‏:‏ إنما الربا في النسيئة فإنه يحمل على مختلفي الجنس، ولا ينقدح هذا التخصيص إلا بتقدير واقعة وسؤال عن مختلفي الجنس ولكن يجوز تقدير مثل هذه القرينة إذا اعتضد بنص، وقوله عليه السلام‏:‏ لا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء نص في إثبات ربا الفضل، وقوله‏:‏ إنما الربا في النسيئة حصر للربا في النسيئة، ونفي لربا الفضل، فالجمع بالتأويل البعيد الذي ذكرناه أولى من مخالفة النص، ولهذا المعنى كان الاحتمال البعيد كالقريب في العقليات، فإن دليل العقل لا تمكن مخالفته بوجه ما، والاحتمال البعيد يمكن أني يكون مرادا باللفظ بوجه ما، فلا يجوز التمسك في العقليات إلا بالنص بالوضع الثاني، وهو الذي لا يتطرق إليه احتمال قريب ولا بعيد، ومهما كان الاحتمال قريبا وكان الدليل أيضا قريبا وجب على المجتهد الترجيح والمصير إلى ما يغلب على ظنه‏.‏، فليس كل تأويل مقبولا بوسيلة كل دليل، بل ذلك يختلف، ولا يدخل تحت ضبط، إلا أنا نضرب أمثلة فيما يرتضي من التأويل وما لا يرتضي ونرسم في كل مثال مسألة ونذكر لاجل المثال عشر مسائل خمسة في تأويل العموم وخمسة في تخصيص العموم‏.‏

مسألة ‏(‏فساد التأويل بقرائن‏)‏

التأويل وإن كان محتملا فقد تجتمع قرائن تدل على فساده، وأحاد تلك القرائن لا تدفعه، لكن يخرج بمجموعها عن أن يكون منقدحا غالبا، مثاله‏:‏ قوله عليه السلام لغيلان حين أسلم على عشر نسوة أمسك أربعا وفارق سائرهن وقوله عليه السلام لفيروز الديلمي حين أسلم على أختين‏:‏ أمسك إحداهما وفارق الاخرى فإن ظاهر هذا يدل على دوام النكاح، فقال أبو حنيفة‏:‏ أراد به ابتداء النكاح، أي أمسك أربعا فأنكحهن وفارق سائرهن، أي انقطع عنهن ولا تنكحهن، ولا شك أن ظاهر لفظ الامساك الاستصحاب والاستدامة، وما ذكره أيضا محتمل، ويعتضد أحتماله بالقياس، إلا أن جملة من القرائن عضدت الظاهر وجعلته أقوى في النفس من التأويل، أولها أنا نعلم أن الحاضرين من الصحابة لم يسبق إلى إفهامهم من هذه الكلمة إلا الاستدامة في النكاح، وهو السابق إلى أفهامنا، فإنا لو سمعناه في زماننا لكان هو السابق إلى أفهامنا‏.‏ الثاني‏:‏ أنه قابل لفظ الامساك بلفظ المفارقة وفوضه إلى اختياره، فليكن الامساك والمفارقة إليه، وعندهم الفراق واقع والنكاح لا يصح إلا برضا المرأة‏.‏ الثالث‏:‏ أنه لو أراد ابتداء النكاح لذكر شرائطه، فإنه كان لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة، وما أحوج جديد العهد بالاسلام إلى أن يعرف شروط النكاح‏.‏ الرابع‏:‏ أنه لا يتوقع في اطراد العادة انسلاكهن في ربقة الرضا على حسب مراده، بل ربما كان يمتنع جميعهن، فكيف أطلق الامر مع هذا الامكان‏.‏ الخامس‏:‏ أن قوله‏:‏ أمسك أمر وظاهره الايجاب، فكيف أوجب عليه ما لم يجب، ولعله أراد أن لا ينكح أصلا‏.‏ السادس‏:‏ أنه ربما أراد أن لا ينكحهن بعد أن قضى منهن وطرا، فكيف حصره فيهن بل، كان ينبغي أن يقول‏:‏ إنكح أربعا ممن شئت من نساء العالم من الاجنبيات، فإنهن عندكم كسائر نساء العالم، فهذا وأمثاله من القرائن ينبغي أن يلتفت إليها في تقرير التأويل ورده، وآحادها لا يبطل الاحتمال، لكن المجموع يشكك في صحة القياس المخالف للظاهر، ويصير اتباع الظاهر بسببها أقوى في النفس من اتباع القياس، والانصاف أن ذلك يختلف بتنوع أحوال المجتهدين، وإلا فلسنا نقطع ببطلان تأويل أبي حنيفة مع هذه القرائن، وإنما المقصود تذليل الطريق للمجتهدين‏.‏

مسألة ‏(‏التأويل في حديث غيلان الثقفي‏)‏

من تأويلاتهم في هذه المسألة أن الواقعة ربما وقعت في ابتداء الاسلام قبل الحصر في عدد النساء، فكان على وفق الشرع، وإنما الباطل من أنكحة الكفار ما يخالف الشرع، كما لو جمع في صفقة واحدة بين عشر بعد نزول الحصر، فنقول‏:‏ إذا سلم هذا أمكن القياس عليه، لان قياسهم يقتضي اندفاع جميع هذه الانكحة، كما لو نكح أجنبيتين ثم حدث بينهما أخوة برضاع اندفاع النكاح ولم يتخير، ومع هذا فنقول هذا بناء تأويل على احتمال من غير نقل، ولم يثبت عندنا رفع حجر في ابتداء الاسلام، ويشهد له أنه لم ينقل عن أحد من الصحابة زيادة على أربعة، وهم الناكحون، ولو كان جائزا لفارقوا عند نزول الحصر ولاوشك أن ينقل ذلك، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بين الاختين إلا ما قد سلف‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 23‏)‏ أراد به زمان الجاهلية، هذا ما ورد في التفسير، فإن قيل‏:‏ فلو صح رفع حجر في الابتداء، هل كان هذا الاحتمال مقبولا‏؟‏ قلنا‏:‏ قال بعض أصحابنا الاصوليين‏:‏ لا يقبل، لان الحديث استقل حجة، فلا يدفع بمجرد الاحتمال، ما لم ينقل وقوع نكاح غيلان قبل نزول الحجر، وهذا ضعيف، لان الحديث لا يستقل حجة ما لم ينقل تأخر نكاحه عن نزول الحصر لانه إن تقدم فليس بحجة وإن تأخر فهو حجة، فليس أحد الاحتمالين أولى من الآخر، ولا تقوم الحجة باحتمال يعارضه غيره‏.‏

مسألة ‏(‏هل يرفع التأويل النص‏؟‏‏)‏

قال بعض الاصوليين كل تأويل يرفع النص أو شيئا منه فهو باطل، ومثاله تأويل أبي حنيفة في مسألة الابدال حيث قال عليه الصلاة والسلام في أربعين شاة شاة فقال أبو حنيفة، الشاة غير واجبة، وإنما الواجب مقدار قيمتها من أي مال كان، قال‏:‏ فهذا باطل لان اللفظ نص في وجوب شاة، وهذا رفع وجوب الشاة، فيكون رفعا للنص، فإن قوله‏:‏ ‏(‏وآتوا الزكاة‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 77‏)‏ للايجاب، وقوله عليه السلام‏:‏ في أربعين شاة شاة بيان للواجب وإسقاط وجوب الشاة رفع للنص، وهذا غير مرضي عندنا، فإن وجوب الشاة إنما يسقط بتجويز الترك مطلقا، فأما إذا لم يجز تركها إلا ببدل يقوم مقامها فلا تخرج الشاة عن كونها واجبة، فإن من أدى خصلة من خصال الكفارة المخير فيها فقد أدى واجبها، وإن كان الوجوب يتأدى بخصلة أخرى، فهذا توسيع للوجوب واللفظ نعى في أصل الوجوب لا في تعيينه وتصنيفه ولعله ظاهر في التعيين محتمل للتوسيع والتخيير، وهو كقوله‏:‏ وليستنج بثلاثة أحجار فإن إقامة المدر مقامه لا يبطل وجوب الاستنجاء، لكن الحجر يجوز أن يتعين ويجوز أن يتخير بينه وبين ما في معناه، نعم إنما ينكر الشافعي هذا التأويل لا من حيث أنه نص لا يحتمل لكن من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن دليل الخصم أن المقصود سد الخلة، ومسلم أن سد الخلة مقصود، لكن غير مسلم أنه كل المقصود، فلعله قصد مع ذلك التعبد بإشراك الفقير في جنس مال الغني فالجمع بين الظاهر وبين التعبد ومقصود سد الخلة أغلب على الظن في العبادات، لان العبادات مبناها على الاحتياط، من تجريد النظر إلى مجرد سد الخلة‏.‏ الثاني‏:‏ أن التعليل بسد الخلة مستنبط من قوله‏:‏ في أربعين شاة شاة وهو استنباط يعود على أصل النص بالابطال، أو على الظاهر بالرفع، وظاهره وجوب الشاة على التعيين، فإبراز معنى لا يوافق الحكم السابق إلى الفهم من اللفظ لا معنى له، لان العلة ما يوافق الحكم، والحكم لا معنى له إلا ما يدل عليه ظاهر اللفظ، وظاهر اللفظ يدل على تعيين الشاة، وهذا التعليل يدفع هذا الظاهر، وهذا أيضا عندنا في محل الاجتهاد، فإن معنى سد الخلة ما يسبق إلى الفهم من إيجاب الزكاة للفقراء وتعيين الشاة يحتمل أن يكون للتعبد، كما ذكر الشافعي رحمه الله، ويحتمل أن لا يكون متعينا، لكن الباعث على تعيينه شيئان‏:‏ أحدهما‏:‏ أن الايسر على الملاك، والاسهل في العبادات كما عين ذكر الحجر في الاستنجاء، لانه أكثر في تلك البلاد وأسهل، وكما يقول المفتي وجبت عليه كفارة اليمين‏:‏ تصدق بعشرة أمداد من البر، لانه يرى ذلك أسهل عليه من العتق، ويعلم من عادته أنه لو خير بينهما لاختار الاطعام على الاعتاق ليسره، فيكون ذلك باعثا على تخصيصه بالذكر‏.‏ والثاني‏:‏ أن الشاة معيار لمقدار الواجب فلا بد من ذكرها، إذ القيمة تعرف بها، وهي تعرف بنفسها، فهي أصل على التحقيق، ولو فسر النبي عليه الصلاة والسلام كلامه بذلك لم يكن متناقضا، ولكان حكما بأن البدل يجري في الزكاة فهذا كله في محل الاجتهاد، وإنما تشمئز عنه طباع من لم يأنس بتوسع العرب في الكلام، وظن اللفظ نصا في كل ما يسبق إلى الفهم منه، فليس يبطل الشافعي رحمه الله هذا الانتفاء الاحتمال، لكن لقصور الدليل الذي يعضده، ولامكان كون التعبد مقصودا مع سد الخلة، ولانه ذكر الشاة في خمس من الابل وليس من جنسه حتى يكون للتسهيل، ثم في الجبران ردد بين شاة وعشرة دراهم، ولم يردهم إلى قيمة الشاة، وفي خمس من الابل لم يردد فهذه قرائن تدل على التعبد والباب باب التعبد والاحتياط فيه أولى‏.‏

مسألة ‏(‏تأويل آية مصارف الزكاة‏)‏

يقرب مما ذكرنا تأويل الآية في مسألة أصناف الزكاة، فقال قوم، قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما الصدقات للفقراء والمساكين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 06‏)‏ الآية، نص في التشريك، فالصرف إلى واحد إبطال له، وليس كذلك عندنا، بل هو عطف على قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومنهم من يلمزك في الصدقات فإن أعطوا منها رضوا وإن لم يعطوا منها إذا هم يسخطون‏}‏ ولو أنهم رضوا‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 58، 59‏)‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إنما الصدقات للفقراء والمساكين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 60‏)‏ يعني أن طمعهم في الزكاة مع خلوهم عن شرط الاستحقاق باطل، ثم عدد شروط الاستحقاق ليبين مصرف الزكاة، ومن يجوز صرف الزكاة إليه، فهذا محتمل، فإن منعه فللقصور في دليل التأويل، لا لانتفاء الاحتمال، فهذا وأمثاله ينبغي أن يسمى نصا بالوضع الأول أو الثالث أما بالوضع الثاني فلا‏.‏

مسألة ‏(‏هل المعتبر العدد أم الجنس‏؟‏‏)‏

قال قوم‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإطعام ستين مسكينا‏}‏ ‏(‏المجادلة‏:‏ 4‏)‏ نص في وجوب رعاية العدد ومنع الصرف إلى مسكين واحد في ستين يوما، وقطعوا ببطلان تأويله، وهو عندنا من جنس ما تقدم فإنه إن أبطل لقصور الاحتمال، وكون الآية نصا بالوضع الثاني فهو غير مرضي، فإنه يجوز أن يكون ذكر المساكين لبيان مقدار الواجب ومعناه فإطعام طعام ستين مسكينا، وليس هذا ممتنعا في توسع لسان العرب، نعم دليله تجريد النظر إلى سد الخلة، والشافعي يقول‏:‏ لا يبعد أن يقصد الشرع، ذلك لاحياء ستين مهجة تبركا بدعائهم وتحصنا عن حلول العذاب بهم، ولا يخلو جمع من المسلمين عن ولي من الأولياء يغتنم دعاؤه، ولا دليل على بطلان هذا المقصود فتصير الآية نصا بالوضع الأول والثالث، لا بالوضع الثاني هذه أمثلة التأويل، ولنذكر أمثلة التخصيص، فإن العموم إن جعلنا ظاهرا في الاستغراق لم يكن في التخصيص إلا إزالة ظاهر، فلاجل ذلك عجلنا ذكر هذا القدر، وإلا فبيانه في القسم الرابع المرسوم لبيان العموم أليق‏.‏

مسألة ‏(‏أقسام العموم‏)‏

إعلم أن العموم عند من يرى التمسك به ينقسم إلى قوي يبعد عن قبول التخصيص إلا بدليل قاطع أو كالقاطع، وهو الذي يحوج إلى تقدير قرينة، حتى تنقدح إرادة الخصوص به، وإلى ضعيف ربما يشك في ظهوره، ويقتنع في تخصيصه، بدليل ضعيف وإلى متوسط، مثال القوي منه قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل الحديث، وقد حمله الخصم على الامة، فنبا عن قبوله قوله، فلها المهر بما استحل من فرجها، فإن مهر الامة للسيد، فعدلوا إلى الحمل على المكاتبة، وهذا تعسف ظاهر، لان العموم قوي، والمكاتبة نادرة بالاضافة إلى النساء، وليس من كلام العرب إرادة النادر الشاذ باللفظ الذي ظهر منه قصد العموم إلا بقرينة تقترن باللفظ، وقياس النكاح على المال وقياس الاناث على الذكور ليس قرينة مقترنة باللفظ حتى يصلح لتنزيله على صورة نادرة، ودليل ظهور قصد التعمم بهذا اللفظ أمور‏:‏ الأول‏:‏ أنه صدر الكلام بأي، وهي من كلمات الشرط، ولم يتوقف في عموم أدوات الشرط جماعة ممن توقف في صيغ العموم الثاني‏:‏ أنه أكده بما فقال‏:‏ أيما وهي من المؤكدات المستقلة بإفادة العموم أيضا‏.‏ الثالث‏:‏ أنه قال فنكاحها باطل رتب الحكم على الشرط في معرض الجزاء، وذلك أيضا يؤكد قصد العموم، ونحن نعلم أن العربي الفصيح لو اقتراح عليه بأن يأتي بصيغة عامة دالة على قصد العموم مع الفصاحة والجزالة لم تسمح قريحته بأبلغ من هذه الصيغة، ونحن نعلم قطعا أن الصحابة رضي الله عنهم لم يفهموا من هذه الصيغة المكاتبة، وأنا لو سمعنا واحدا منا يقول لغيره‏:‏ أيما امرأة رأيتها اليوم فأعطها درهما، لا يفهم منه المكاتبة، ولو قال‏:‏ أردت المكاتبة نسب إلى الالغاز والهزء، ولو قال‏:‏ أيما أهاب دبغ فقد طهر، ثم قال‏:‏ أردت به الكلب أو الثعلب على الخصوص، لنسب إلى اللكنة والجهل باللغة، ثم لو أخرج الكلب أو الثعلب أو المكاتبة وقال‏:‏ ما خطر ذلك ببالي لم يستنكر، فما لا يخطر بالبال أو بالاخطار وجاز أن يشذ عن ذكر اللافظ وذهنه حتى جاز إخراجه عن اللفظ، كيف يجوز قصر اللفظ عليه‏؟‏ بل نقول‏:‏ من ذهب إلى إنكار صيغ العموم وجعلها مجملة فلا ينكر منع التخصيص إذا دلت القرائن عليه، فالمريض إذا قال لغلامه‏:‏ لا تدخل علي الناس، فأدخل عليه جماعة من الثقلاء وزعم أني أخرجت هذا من عموم لفظ الناس فإنه ليس نصا في الاستغراق استوجب التعزيز، فلنتخذ هذه المسألة مثالا لمنع التخصيص بالنوادر‏.‏

مسألة ‏(‏مثال عن العام القوي‏)‏

يقرب من هذا قوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ من ملك ذا رحم محرم عتق عليه إذ قبله بعض أصحاب الشافعي وخصصه بالاب، وهذا بعيد، لان الاب يختص بخاصية تتقاضى تلك الخاصية التنصيص عليه فيما يوجب الاحترام والعدول عن لفظه الخاص إلى لفظ يعم قريب من الالغاز والالباس، ولا يليق بمنصب الشارع عليه السلام إلا إذا اقترن به قرينة معرفة، ولا سبيل إلى وضع القرائن من غير ضرورة، وليس قياس الشافعي في تخصيص النفقة بالبعضية بالغا في القوة مبلغا ينبغي أن يخترع تقدير القرائن بسببه، فلو صح هذا اللفظ لعمل الشافعي رحمه الله بموجبه، فإن من كان من عادته إكرام أبيه فقال‏:‏ من عادتي إكرام الناس كان ذلك خلفا من الكلام، ولكن قال الشافعي‏:‏ الحديث موقوف على الحسن بن عمارة‏.‏

مسألة ‏(‏مثال عن العام الضعيف‏)‏

ما ذكرناه مثال العموم القوي، أما مثال العموم الضعيف، فقوله عليه السلام‏:‏ فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي ينضح أو دالية نصف العشر فقد ذهب بعض القائلين بصيغ العموم إلى أن هذا لا يحتج به في إيجاب العشر ونصف العشر في جميع ما سقته السماء، ولا في جميع ما سقي بنضح، لان المقصود منه الفرق بين العشر ونصف العشر لا بيان ما يجب فيه العشر حتى يتعلق بعمومه، وهذا فيه نظر عندنا، إذ لا يبعد أن يكون كل واحد مقصودا وهو إيجاب العشر في جميع ما سقته السماء، وإيجاب نصفه في جميع ما سقي بنضح، واللفظ عام في صيغته، فلا يزول ظهوره بمجرد الوهم، لكن يكفي في التخصيص أدنى دليل، لكنه لو لم يرد إلا بهذا اللفظ، ولم يرد دليل مخصص لوجب التعميم في الطرفين على مذهب من يرى صيغ العموم حجة‏.‏

مسألة ‏(‏تأويل آية الانفال‏)‏

قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏اعلموا أنما غنمتم من شئ فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى‏}‏ ‏(‏الانفال‏:‏ 14‏)‏ فقال أبو حنيفة‏:‏ تعتبر الحاجة مع القرابة، ثم جوز حرمان ذوي القربى فقال أصحاب الشافعي رحمه الله‏:‏ هذا تخصيص باطل لا يحتمله اللفظ، لانه أضاف المال إليهم بلام التمليك، وعرف كل جهة بصفة، وعرف هذه الجهة في الاستحقاق بالقرابة، وأبو حنيفة ألغى القرابة المذكورة، واعتبر الحاجة المتروكة، وهو مناقضة للفظ لا تأويل، وهذا عندنا في مجال الاجتهاد، وليس فيه إلا تخصيص عموم لفظ، ذوي القربى بالمحتاجين منهم كما فعله الشافعي على أحد القولين في اعتبار الحاجة مع اليتم في سياق هذه الآية، فإن قيل‏:‏ لفظ اليتم ينبئ عن الحاجة‏؟‏ قيل‏:‏ فلم لا يحمل عليه قوله‏:‏ لا تنكح اليتيمة حتى تستأمر فإن قيل‏:‏ قرينة إعطاء المال هي التي تنبه على اعتبار الحاجة مع اليتم فله هو أن يقول واقتران ذوي القربى باليتامى والمساكين قرينة أيضا، وإنما دعا إلى ذكر القرابة كونهم محرومين عن الزكاة حتى يعلم أنهم ليسوا محرومين عن هذا المال، وهذا تخصيص لو دل عليه دليل فلا بد من قبوله، فليس ينبو عنه اللفظ نبوة حديث النكاح بلا ولي عن المكاتبة‏.‏

مسألة ‏(‏تأويل نية الصيام‏)‏

قوله عليه السلام‏:‏ لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل حمله أبو حنيفة على القضاء والنذر، فقال أصحابنا‏:‏ قوله‏:‏ لا صيام نفي عام لا يسبق منه إلى الفهم إلا الصوم الأصلي الشرعي، وهو الفرض والتطوع، ثم التطوع غير مراد، فلا يبقى إلا الفرض الذي هو ركن الدين وهو صوم رمضان، وأما القضاء والنذر فيجب بأسباب عارضة، ولا يتذكر بذكر الصوم مطلقا، ولا يخطر بالبال، بل يجري مجرى النوادر كالمكاتبة في مسألة النكاح، وهذا فيه نظر، إذ ليس ندور القضاء والنذر كندور المكاتبة، وإن كان الفرض أسبق منه إلى الفهم، فيحتاج مثل هذا التخصيص إلى دليل قوي، فليس يظهر بطلانه كظهور بطلان التخصيص بالمكاتبة وعند هذا يعلم أن إخراج النادر قريب، والقصر على النادر ممتنع وبينهما درجات متفاوتة في القرب والبعد لا تدخل تحت الحصر، ولكل مسألة ذوق، ويجب أن تفرد بنص خاص، ويليق ذلك بالفروع، ولم نذكر هذا القدر إلا لوقوع الانس بجنس التصرف فيه والله أعلم‏.‏ هذا تمام النظر في المجمل والمبين، والظاهر والمؤول، وهو نظر يتعلق بالالفاظ كلها، والقسمان الباقيان نظر أخص، فإنه نظر في الامر والنهي خاصة، وفي العموم والخصوص خاصة، فلذلك قدمنا النظر في الاعم على النظر في الاخص‏.‏

القسم الثالث في الامر والنهي

فنبدأ بالامر فنقول‏:‏ أولا‏:‏ في حده وحقيقته، وثانيا‏:‏ في صيغته، وثالثا‏:‏ في مقتضاه من الفور والتراخي أو الوجوب أو الندب، وفي التكرار والاتحاد وإثباته‏.‏

النظر الأول‏:‏ في حده وحقيقته

وهو قسم من أقسام الكلام، إذ بينا أن الكلام ينقسم إلى أمر ونهي وخبر واستخبار، فالامر أحد أقسامه، وحد الامر أنه القول المقتضي طاعة المأمور بفعل المأمور به والنهي هو القول المقتضي ترك الفعل، وقيل في حد الامر أنه طلب الفعل واقتضاؤه على غير وجه المسألة، وممن هو دون الآمر في الدرجة احترازا عن قوله‏:‏ اللهم اغفر لي، وعن سؤال العبد من سيده، والولد من والده، ولا حاجة إلى هذا الاحتراز، بل يتصور من العبد والولد أمر السيد والوالد، وإن لم تجب عليهما الطاعة، فليس من ضرورة كل أمر أن يكون واجب الطاعة، بل الطاعة لا تجب إلا لله تعالى، والعرب قد تقول‏:‏ فلان أمر أباه، والعبد أمر سيده، ومن يعلم أن طلب الطاعة لا يحسن منه، فيرون ذلك أمرا وإن لم يستحسنوه، وكذلك قوله‏:‏ اغفر لي، فلا يستحيل أن يقوم بذاته اقتضاء الطاعة من الله تعالى أو من غيره، فيكون آمرا ويكون عاصيا بأمره، فإن قيل‏:‏ قولكم الامر هو القول المقتضي طاعة المأمور أردتم به القول باللسان أو كلام النفس قلنا‏:‏ الناس فيه فريقان‏:‏ الفريق الأول‏:‏ هم المثبتون لكلام النفس وهؤلاء يريدون بالقول ما يقوم بالنفس من اقتضاء الطاعة، وهو الذي يكون النطق عبارة عنه ودليلا عليه، وهو قائم بالنفس وهو أمر بذاته وجنسه، ويتعلق بالمأمور به، وهو كالقدرة، فإنها قدرة لذاتها، وتتعلق بمتعلقها، ولا يختلف في الشاهد والغائب في نوعه وحده وينقسم إلى قديم ومحدث كالقدرة، ويدل عليه تارة بالاشارة والرمز والفعل وتارة بالالفاظ، فإن سميت الاشارة المعرفة أمرا فمجاز، لانه دليل على الامر، لا أنه نفس الامر، وأما الالفاظ فمثل قوله‏:‏ أمرتك، فاقتضى طاعته، وهو ينقسم إلى إيجاب وندب، ويدل على معنى الندب بقوله‏:‏ ندبتك ورغبتك فافعل فإنه خير لك، وعلى معنى الوجوب بقوله‏:‏ أوجبت عليك أو فرضت أو حتمت فافعل فإن تركت فأنت معاقب وما يجري مجراه، وهذه الالفاظ الدالة على معنى الامر تسمى أمرا، وكأن الاسم مشترك بين المعنى القائم بالنفس وبين اللفظ الدال، فيكون حقيقة فيهما، أو يكون حقيقة في المعنى القائم بالنفس، وقوله‏:‏ إفعل، يسمى أمرا مجازا‏:‏ كما تسمى الاشارة المعرفة أمرا مجازا، ومثل هذا الخلاف جاز في اسم الكلام أنه مشترك بين ما في النفس وبين اللفظ، أو هو مجاز في اللفظ‏.‏ الفريق الثاني‏:‏ هم المنكرون لكلام النفس، وهؤلاء انقسموا إلى ثلاثة أصناف، وتحزبوا على ثلاث مراتب‏:‏ الحزب الأول‏:‏ قالوا‏:‏ لا معنى للامر إلا حرف وصوت، وهو مثل قوله‏:‏ إفعل، أو ما يفيد معناه، وإليه ذهب البلخي من المعتزلة، وزعم أن قوله‏:‏ إفعل، أمر لذاته وجنسه، وأنه لا يتصور أن لا يكون أمرا، فقيل له‏:‏ هذه الصيغة قد تصدر للتهديد، كقوله‏:‏ اعملوا ما شئتم، وقد تصدر للاباحة، كقوله‏:‏ ‏{‏وإذا حللتم فاصطادوا‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 2‏)‏ فقال‏:‏ ذلك جنس آخر لا من هذا الجنس، وهو مناكرة للحس، فلما استشعر ضعف هذه المجاحدة اعترف‏.‏ الحزب الثاني‏:‏ وفيهم جماعة من الفقهاء يقولون‏:‏ إن قوله‏:‏ أفعل ليس أمرا بمجرد صيغته ولذاته، بل لصيغته وتجرده عن القرائن الصارفة له عن جهة الامر إلى التهديد والاباحة وغيره، وزعموا أنه لو صدر من النائم والمجنون أيضا لم يكن أمرا للقرينة، وهذا بعارضه قوله من قال أنه لغير الامر، إلا إذا صرفته قرينة إلى معنى الامر، لانه إذا سلم إطلاق العرب هذه الصيغة على أوجه مختلفة فحوالة البعض على الصيغة، وحوالة الباقي على القرينة تحكم مجرد لا يعلم بضرورة العقل، ولا بنظر ولا بنقل متواتر من أهل اللغة، فيجب التوقف فيه، فعند ذلك اعترف‏.‏ الحزب الثالث‏:‏ من محققي المعتزلة‏:‏ أنه ليس أمر الصيغة وذاته ولا لكونه مجردا عن القرائن مع الصيغة، بل يصير أمرا بثلاث إرادات، إرادة المأمور به، وإرادة إحداث الصيغة، وإرادة الدلالة بالصيغة على الامر دون الاباحة والتهديد، وقال بعضهم‏:‏ تكفي إرادة واحدة وهي إرادة المأمور، وهذا فاسد من أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أنه يلزم أن يكون قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ادخلوها بسلام آمنين‏}‏ ‏(‏الحجر‏:‏ 64‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏كلوا واشربوا هنيئا بما أسلفتم في الايام الخالية‏}‏ ‏(‏الحاقة‏:‏ 42‏)‏ أمرا لاهل الجنة، ولا يمكن تحقيق الامر إلا بوعد ووعيد، فتكون الدار الآخرة دار تكليف ومحنة، وهو خلاف الإجماع‏.‏ وقد ركب ابن الجبائي هذا وقال‏:‏ إن الله مريد دخولهم الجنة، وكاره امتناعهم، إذ يتعذر به إيصال الثواب إليهم وهذا ظلم والله سبحانه يكره الظلم، فإن قيل‏:‏ قد وجدت إرادة الصيغة وإرادة المأمور به، لكن لم توجد إرادة الدلالة به على الامر‏؟‏ قلنا‏:‏ وهل للامر معنى وراء الصيغة حتى تراه الدلالة عليه أم لا، فإن كان له معنى فما هو وهل له حقيقة سوى ما يقول بالنفس من اقتضاء الطاعة، وإن لم يكن سوى الصيغة، فلا معنى لاعتبار هذه الارادة الثالثة‏.‏ الوجه الثاني‏:‏ أنه يلزمهم أن يكون القائل لنفسه‏:‏ إفعل، مع إرادة الفعل من نفسه آمرا لنفسه، وهو محال بالاتفاق، فإن الامر هو المقتضى، وأمره لنفسه لا يكون مقتضيا للفعل، بل المقتضي دواعيه وأغراضه، ولهذا لو قال لنفسه‏:‏ إفعل، وسكت وجد هاهنا إرادة الصيغة وإرادة المأمور به، وليس بأمر، فدل أن حقيقته اقتضاء الطاعة وهو معنى قائم بالنفس من ضرورته أن يتعلق بغيره، وهل يشترط أن لا يكون ذلك الغير فوقه في الرتبة فيه كلام سبق، فإن قيل‏:‏ وما الدليل على قيام معنى بالنفس سوى إرادة الفعل المأمور به، فإن السيد لا يجد من نفسه عند قوله لعبده إسقني أو أسرج الدابة إلا إرادة السقي والاسراج، أعني طلبه والميل إليه، لارتباط غرضه به، فإن ثبت أن الامر يرجع إلى هذه الارادة لزم إقتران الامر، والارادة في حق الله تعالى، حتى لا تكون المعاصي الواقعة إلا مأمورا بها مرادة إذ الكائنات كلها مرادة، أو ينكر وقوعها بإرادة الله، فيقال‏:‏ إنها على خلاف إرادته، وهو شنيع إذ يؤدي إلى أن يكون ما يجري في ملكه، على خلاف ما أراد أكثر مما يجري على وفق إرادته، وهي الطاعات، وذلك أيضا منكر، فما المخلص من هذه الورطة‏؟‏ قلنا‏:‏ هذه الضرورة التي دعت الاصحاب إلى تمييز الامر عن الارادة فقالوا‏:‏ قد يأمر السيد عبده بما لا يريده، كالمعاتب من جهة السلطان على ضرب عبده إذا مهد عنده عذره لمخالفة أوامره فقال له بين يدي الملك‏:‏ أسرج الدابة، وهو يريد أن لا يسرج إذ في إسراجه خطر وإهلاك للسيد، فيعلم أنه لا يريده، وهو آمرا إذ لولاه لما كان العبد مخالفا ولما تمهد عذره عند السلطان وكيف لا يكون آمرا وقد منهم العبد والسلطان والحاضرون منه الامر، فدل أنه قد يأمر بما لا يريده هذا منتهى كلامهم، وتحته غور لو كشفناه لم تحتمل لاصول التفصي عن عهدة ما يلزم منه ولتزلزلت به قواعد لا يمكن تداركها إلا بتفهيمها على وجه يخالف ما سبق إلى أوهام أكثر المتكلمين، والقول فيه يطول ويخرج عن خصوص مقصود الاصول‏.‏

النظر الثاني‏:‏ في الصيغة

وقد حكى بعض الاصوليين خلافا في أن الامر هل له صيغة، وهذه الترجمة خطأ، فإن قول الشارع‏:‏ أمرتكم بكذا وأنتم مأمورون بكذا، أو قول الصحابي‏:‏ أمرت بكذا، كل ذلك صيغ دالة على الامر، وإذا قال‏:‏ أوجبت عليكم أو فرضت عليكم، أو أمرتكم بكذا وأنتم معاقبون على تركه، فكل ذلك يدل على الوجوب، ولو قال‏:‏ أنتم مثابون على فعل كذا ولستم معاقبين على تركه فهو صيغة دالة على الندب، فليس في هذا خلاف، وإنما الخلاف في أن قوله‏:‏ إفعل، هل يدل على الامر بمجرد صيغته إذا تجرد عن القرائن، فإنه قد يطلق على أوجه‏:‏ منها بالوجوب، كقوله‏:‏ أقم الصلاة ‏[‏ لقمان‏:‏ 17 ‏]‏ والندب، كقوله‏:‏ فكاتبوهم والارشاد، كقوله‏:‏ ‏{‏واستشهدوا‏}‏ ‏[‏البقره‏:‏ 282‏]‏ والاباحة، كقوله‏:‏ فاصطادوا، والتأديب، كقوله لابن عباس‏:‏ كل مما يليك والامتنان، كقوله‏:‏ كلوا مما رزقكم الله، وإلا كرام، كقوله‏:‏ ‏{‏ادخلوها بسلام آمنين‏}‏ ‏(‏الحجر‏:‏ 64‏)‏ والتهديد كقوله‏:‏ ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏ ‏(‏فصلت‏:‏ 40‏)‏ والتسخير كقوله‏:‏ ‏{‏كونوا قردة خاسئين‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 56‏)‏ والاهانة كقوله‏:‏ ‏{‏ذق إنك أنت العزيز الكريم‏}‏ ‏(‏الدخان‏:‏ 94‏)‏ والتسوية كقوله‏:‏ ‏{‏فاصبروا أو لا تصبروا‏}‏ ‏(‏الطور‏:‏ 61‏)‏ والانذار كقوله‏:‏ ‏{‏كلوا وتمتعوا‏}‏ ‏(‏المرسلات‏:‏ 64‏)‏‏.‏ والدعاء كقوله‏:‏ اللهم اغفر لي والتمني كقول الشاعر‏:‏ ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ولكمال القدرة كقوله‏:‏ ‏{‏كن فيكون‏}‏ ‏(‏البقره 117، آل عمران‏:‏ 47، 59، الانعام‏:‏ 73، النحل‏:‏ 40، مريم‏:‏ 35، يس 28، غافر‏:‏ 86‏)‏ وأما صيغة النهي وهو قوله‏:‏ لا تفعل، فقد تكون للتحريم وللكراهية والتحقير، كقوله‏:‏ ‏{‏لا تمدن عينيك‏}‏ ‏(‏الحجر‏:‏ 88‏)‏ ولبيان العاقبة كقوله‏:‏ ‏{‏ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون‏}‏ ‏(‏إبراهيم‏:‏ 24‏)‏ وللدعاء كقوله‏:‏ ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين، ولليأس كقوله‏:‏ ‏{‏لا تعتذروا اليوم‏}‏ ‏(‏التحريم‏:‏ 7‏)‏ وللارشاد كقوله‏:‏ ‏{‏لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 101‏)‏ فهذه خمسة عشر وجها في إطلاق صيغة الامر، وسبعة أوجه في إطلاق صيغة النهي فلا بد من البحث عن الوضع الأصلي في جملة ذلك ما هو والمتجوز به ما هو، وهذه الاوجه عدها الاصوليون شغفا منهم بالتكثير، وبعضها كالمتداخل، فإن قوله‏:‏ كل مما يليك جعل للتأديب، وهو داخل في الندب، والآداب مندوب إليها، وقوله‏:‏ ‏{‏تمتعوا‏)‏ ‏(‏هود 65، إبراهيم‏:‏ 30، الذاريات‏:‏ 43‏)‏ للانذار، قريب من قوله‏:‏ ‏{‏إعملوا ما شئتم‏}‏ ‏(‏فصلت‏:‏ 04‏)‏ الذي هو للتهديد، ولا نطول بتفصيل ذلك وتحصيله، فالوجوب والندب والارشاد والاباحة أربعة وجوه محصلة، ولا فرق بين الارشاد والندب، إلا أن الندب لثواب الآخرة، والارشاد للتنبيه على المصلحة الدنيوية، فلا ينقص ثواب بترك الاشهاد في المداينات ولا يزيد بفعله‏.‏ وقال قوم‏:‏ هو مشترك بين هذه الوجوه الخمسة عشر، كلفظ العين والقرء، وقال قوم‏:‏ يدل على أقل الدرجات، وهو الاباحة، وقال قوم‏:‏ هو للندب، ويحمل على الوجوب بزيادة قرينة، وقال قوم‏:‏ هو للوجوب، فلا يحمل على ما عداه إلا بقرينة، وسبيل كشف الغطاء أن نرتب النظر على مقامين‏:‏ الأول‏:‏ في بيان أن هذه الصيغة هل تدل على اقتضاء وطلب أم لا‏.‏ والثاني‏:‏ في بيان أنه إن اشتمل في اقتضاء، والاقتضاء موجود في الندب، والوجوب على اختيارنا في أن الندب داخل تحت الامر فهل يتعين لاحدهما أو هو مشترك‏؟‏‏.‏ المقام الأول‏:‏ في دلالته على اقتضاء الطاعة، فنقول‏:‏ قد أبعد من قال أن قوله‏:‏ إفعل مشترك بين الاباحة والتهديد الذي هو المنع وبين الاقتضاء، فإنا ندرك التفرقة في وضع اللغات كلها، بين قولهم، إفعل ولا تفعل، وإن شئت فافعل وإن شئت فلا تفعل، حتى إذا قدرنا انتفاء القرائن كلها، وقدرنا هذا منقولا على سبيل الحكاية عن ميت أو غائب لا في فعل معين من قيام وقعود وصيام وصلاة، بل في الفعل مجملا، سبق إلى فهمنا اختلاف معاني هذه الصيغ، وعلمنا قطعا أنها ليست أسامي مترادفة على معنى واحد، كما أنا ندرك التفرقة بين قولهم في الاخبار‏:‏ قام زيد ويقوم زيد، وزيد قائم، في أن الأول للماضي، والثاني للمستقبل الثالث للحال، هذا هو الوضع، وإن كان قد يعبر بالماضي عن المستقبل، وبالمستقبل عن الماضي لقرائن تدل عليه، وكما ميزوا الماضي عن المستقبل ميزوا الامر عن النهي، وقالوا في باب الامر‏:‏ إفعل، وفي باب النهي‏:‏ لا تفعل، وإنهما لا ينبئان عن معنى قوله‏:‏ إن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل، فهذا أمر نعلمه بالضرورة من العربية والتركية والعجمية وسائر اللغات، لا يشككنا فيه لطلاق مع قرينة التهديد ومع قرينة الاباحة في نوادر الاحوال، فإن قيل‏:‏ بم تنكرون على من يحمله على الاباحة، لانها أقل الدرجات فهو مستيقن‏؟‏ قلنا‏:‏ هذا باطل من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أنه محتمل للتهديد والمنع، فالطريق الذي يعرف أنه لم يوضع للتهديد يعرف أنه لم يوضع للتخيير‏.‏ الثاني‏:‏ أن هذا من قبيل الاستصحاب، لا من قبيل البحث عن الوضع، فإنا نقول‏:‏ هل تعلم أن مقتضى قوله‏:‏ إفعل للتخيير بين الفعل والترك‏؟‏ فإن قال‏:‏ نعم، فقد باهت واخترع، وإن قال‏:‏ لا، فنقول‏:‏ فأنت شاك في معناه، فيلزمك التوقف، فيحصل من هذا أن قوله‏:‏ إفعل يدل على ترجيح جانب الفعل على جانب الترك بأنه ينبغي أن يوجد، وقوله‏:‏ لا تفعل، يدل على ترجيح جانب الترك على جانب الفعل، وأنه ينبغي أن لا يوجد، وقوله‏:‏ أبحت لك، فإن شئت فافعل، وإن شئت فلا تفعل يرفع الترجيح‏.‏ المقام الثاني‏:‏ في ترجيح بعض ما ينبغي أن يوجد، فإن الواجب و المندوب كل واحد منهما ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه، وكذا ما أرشد إليه، إلا أن الارشاد يدل على أنه ينبغي أن يوجد ويرجح فعله على تركه لمصلحة العبد في الدنيا، والندب لمصلحته في الآخرة، والوجوب لنجاته في الآخرة، هذا إذا فرض من الشارع، وفي حق السيد إذا قال لعبده إفعل، أيضا يتصور ذلك مع زيادة أمر، وهو أن يكون لغرض السيد فقط، كقوله‏:‏ إسقني عند العطش، وهو غير متصور في حق الله تعالى‏:‏ فإن الله غني عن العالمين، ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه، وقد ذهب ذاهبون إلى أن وضعه للوجوب، وقال قوم‏:‏ هو للندب، وقال قوم‏:‏ يتوقف فيه، ثم منهم من قال‏:‏ هو مشترك، كلفظ العين، ومنهم من قال‏:‏ لا ندري أيضا أنه مشترك، أو وضع لاحدهما واستعمل في الثاني مجازا، والمختار أنه متوقف فيه، والدليل القاطع فيه أن كونه موضوعا لواحد من الاقسام، لا يخلو إما أن يعرف عن عقل أو نقل، ونظر العقل إما ضروري أو نظري، ولا مجال للعقل في اللغات، والنقل إما متواتر أو آحاد ولا حجة في الآحاد، والتواتر في النقل لا يعدو أربعة أقسام‏:‏ فإنه إما أن ينقل عن أهل اللغة عند وضعهم أنهم صرحوا بأنا وضعناه لكذا، أو أقروا به بعد الوضع، وإما أن ينقل عن الشارع الاخبار عن أهل اللغة بذلك، أو تصديق من ادعى ذلك، وإما أن ينقل عن أهل الإجماع، وإما أن يذكر بين يدي جماعة يمتنع عليهم السكوت على الباطل، فهذه الوجوه الاربعة هي وجوه تصحيح النقل ودعوى شئ من ذلك في قوله‏:‏ إفعل، أو في قوله‏:‏ أمرتك بكذا، وقول الصحابي‏:‏ أمرنا بكذا لا يمكن، فوجب التوقف فيه، وكذلك قصر دلالة الامر على الفور أو التراخي وعلى التكرار أو الاتحاد يعرف بمثل هذه الطريق، وكذلك التوقف في صيغة العموم عمن توقف فيها هذا مستنده، وعليه ثلاثة أسئلة بها يتم الدليل، ونذكر شبه المخالفين‏:‏ السؤال الأول‏:‏ قولهم إن هذا ينقلب عليكم في إخراج الاباحة والتهديد من مقتضى اللفظ، مع أنه لا يدل عليه عقل ولا نقل، فإنه لم ينقل عن العرب صريحا بأنا ما وضعنا هذه الصيغة للاباحة والتهديد، لكن استعملناها فيهما على سبيل التجوز، قلنا‏:‏ ما يعرف باستقراء اللغة وتصفح وجوه الاستعمال أقوى مما يعرف بالنقل الصريح، ونحن كما عرفنا أن الاسد وضع لسبع، والحمار وضع لبهيمة، وإن كان كل واحد منهما يستعمل في الشجاع والبليد، فيتميز عندنا بتواتر الاستعمال الحقيقة من المجاز، فكذلك يتميز صيغة الامر والنهي والتخيير تميز صيغة الماضي والمستقبل والحال، ولسنا نشك فيه أصلا، وليس كذلك تميز الوجوب عن الندب‏.‏ السؤال الثاني‏:‏ قولهم إن هذا ينقلب عليكم في الوقف، فإن الوقف في هذه الصيغة غير منقول عن العرب، فلم توقفتم بالتحكم‏؟‏ قلنا‏:‏ لسنا نقول‏:‏ التوقف مذهب، لكنهم أطلقوا هذه الصيغة للندب مرة وللوجوب أخرى، ولم يوقفونا على أنه موضوع لاحدهما دون الثاني، فسبيلنا أن لا ننسب إليهم ما لم يصرحوا به، وأن نتوقف عن التقول والاختراع عليهم، وهذا كقولنا بالاتفاق أنا رأيناهم يستعملون لفظ الفرقة والجماعة، والنفر تارة في الثلاثة، وتارة في الاربعة، وتارة في الخمسة، فهي لفظة مرددة، ولا سبيل إلى تخصيصها بعدد على سبيل الحكم وجعلها مجازا في الباقي‏.‏ السؤال الثالث‏:‏ قولهم إن هذا ينقلب عليكم في قولكم إن هذه الصيغة مشتركة اشتراك لفظ الجارية بين المرأة والسفينة، والقرء بين الطهر والحيض، فإنه لم ينقل أنه مشترك‏؟‏ قلنا‏:‏ لسنا نقول أنه مشترك، لكنا نقول‏:‏ نتوقف في هذه أيضا، فلا ندري أنه وضع لاحدهما وتجوز به عن الآخر، أو وضع لهما معا، ويحتمل أن نقول أنه مشترك، بمعنى أنا إذا رأيناهم أطلقوا اللفظ لمعنيين ولم يوقفونا على أنهم وضعوه لاحدهما وتجوزوا به في الآخر، فنحمل إطلاقهم فيهما على لفظ الوضع لهما، وكيفما قلنا فالامر فيه قريب‏.‏ شبه المخالفين الصائرين إلى أنه للندب وقد ذهب إليه كثير من المتكلمين وهم المعتزلة وجماعة من الفقهاء، ومنهم من نقله عن الشافعي، وقد صرح الشافعي في كتاب أحكام القرآن بتردد الامر بين الندب والوجوب وقال‏:‏ النهي على التحريم، فقال‏:‏ إنما أوجبنا تزويج الايم، لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تعضلوهن‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 232‏)‏ وقال لم يتبين لي وجوب إنكاح العبد، لانه لم يرد فيه النهي عن العضل، بل لم يرد إلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأتكحوا الايامى‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 23‏)‏ الآية، فهذا أمر، وهو محتمل للوجوب والندب‏.‏ الشبهة الأولى‏:‏ لمن ذهب إلى أنه للندب أنه لا بد من تنزيل قوله‏:‏ إفعل، وقوله أمرتكم على أقل ما يشترك فيه الوجوب والندب، وهو طلب الفعل واقتضاؤه وأن فعله خير من تركه، وهذا معلوم، وأما لزوم العقاب بتركه فغير معلوم، فيتوقف فيه، وهذا فاسد من ثلاثة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن هذا استدلال، والاستدلال لا مدخل له في اللغات، وليس هذا نقلا عن أهل اللغة قوله إفعل للندب‏.‏ الثاني‏:‏ أنه لو وجب تنزيل الالفاظ على الاقل المستيقن لوجب تنزيل هذا على الاباحة والاذن، إذ قد يقال‏:‏ أذنت لك في كذا فافعله، فهو الاقل المشترك، أما حصول الثواب بفعله فليس بمعلوم، كلزوم العقاب بتركه، لا سيما على مذهب المعتزلة، فالمباح عندهم حسن، ويجوز أن يفعله الفاعل لحسنه ويأمر به، وكذلك يلزم تنزيل صيغة الجمع على أقل الجمع ولم يذهبوا إليه‏.‏ الثالث‏:‏ وهو التحقيق أن ما ذكروه إنما يستقيم أن لو كان الواجب ندبا وزيادة، فتسقط الزيادة المشكوك فيها، ويبقى الأصل، وليس كذلك، بل يدخل في حد الندب جواز تركه، فهل تعلمون أن المقول فيه، إفعل يجوز تركه أم لا، فإن لم تعلموه فقد شككتم في كونه ندبا وإن علمتموه فمن أين ذلك‏؟‏ واللفظ لا يدل على لزوم المأثم بتركه، فلا يدل على سقوط المأثم بتركه أيضا‏.‏ فإن قيل‏:‏ لا معنى لجواز تركه إلا أنه لا حرج عليه في فعله، وذلك كان معلوما قبل ورود السمع، فلا يحتاج فيه إلى تعريف السمع، بخلاف لزوم المأثم، قلنا‏:‏ لا يبقى لحكم العقل بالنفي بعد ورود صيغة الامر حكم فإنه معين للوجوب عند قوم فلا أقل من احتمال حصل الشك في كونه ندبا فلا وجه إلا التوقف، نعم‏:‏ يجوز الاستدلال به على بطلان قول من يقول أنه منهي عنه محرم، لانه ضد الوجوب والندب جميعا‏.‏ الشبهة الثانية‏:‏ التمسك بقوله عليه السلام‏:‏ إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شئ فانتهوا ففوض الامر إلى استطاعتنا ومشيئتنا، وجزم في النهي طلب الانتهاء، قلنا، هذا اعتراف بأنه من جهة اللغة، والوضع ليس للندب واستدلال بالشرع، ولا يثبت مثل ذلك بخبر الواحد لو صحت دلالته، كيف ولا دلالة له إذ لم يقل فافعلوا ما شئتم، بل قال‏:‏ ما استطعتم، كما قال‏:‏ فاتقوا الله ما استطعتم وكل إيجاب مشروط بالاستطاعة، وأما قوله‏:‏ فانتهوا، كيف دل على وجوب الانتهاء، وقوله‏:‏ فانتهوا صيغة أمر، وهو محتمل للندب‏.‏ شبه الصائرين إلى أنه للوجوب وجميع ما ذكرناه في إبطال مذهب الندب جار هاهنا وزيادة، وهو أن الندب داخل تحت الامر حقيقة كما قدمناه، ولو حمل على الوجوب لكان مجازا في الندب، وكيف يكون مجازا فيه مع وجود حقيقته، إذ حقيقة الامر ما يكون ممتثله مطيعا، والممتثل مطيع بفعل الندب، ولذلك إذا قيل‏:‏ أمرنا بكذا حسن أن يستفهم، فيقال‏:‏ أمر إيجاب أو أمر استحباب وندب، ولو قال‏:‏ رأيت أسدا لم يحسن أن يقال‏:‏ أردت سبعا أو شجاعا، لانه موضوع للسبع، ويصرف إلى الشجاع بقرينة، وشبههم سبع‏:‏ الأولى‏:‏ قولهم إن المأمور في اللغة والشرع جميعا يفهم وجوب المأمور به حتى لا يسبعد الذم والعقاب عند المخالفة، ولا الوصف بالعصيان، وهم اسم ذم، ولذلك فهمت الامة وجوب الصلاة والعبادات، ووجوب السجود لآدم بقوله إسجدوا، ‏[‏ البقره‏:‏ 34، الاعراف‏:‏ 11، الاسرء‏:‏ 61،، الكهف‏:‏ 50، طه‏:‏ 116، ‏]‏ وبه يفهم العبد والولد وجوب أمر السيد والوالد، قلنا‏:‏ هذا كله نفس الدعوى وحكاية المذهب، وليس شئ من ذلك مسلما، وكل ذلك علم بالقرائن، فقد تكون للآمر عادة مع المأمور، وعهد وتقترن به أحوال وأسباب، بها يفهم الشاهد الوجوب، واسم العصيان لا يسلم إطلاقه على وجه الذم إلا بعد قرينة الوجوب، لكن قد يطلق لا على وجه الذم، كما يقال‏:‏ أشرت عليك فعصيتني وخالفتني‏.‏ الشبهة الثانية‏:‏ أن الايجاب من المهمات في المحاورات، فإن لم يكن قولهم‏:‏ إفعل عبارة عنه فلا يبقى له اسم، ومحال إهمال العرب ذلك، قلنا‏:‏ هذا يقابله أن الندب أمر مهم فليكن إفعل عبارة عنه، فإن زعموا أن دلالته قولهم ندبت وأرشدت ورغبت، فدلالة الوجوب قولهم‏:‏ أوجبت وحتمت وفرضت وألزمت، فإن زعموا أنه صيغة إخبار أو صيغة إرشاد فأين صيغة الانشاء عورضوا بمثله في الندب، ثم يبطل عليهم بالبيع والاجارة والنكاح، إذ ليس لها إلا صيغة الاخبار، كقولهم‏:‏ بعت وزوجت، وقد جعله الشرع إنشاء إذ ليس لانشائه لفظ‏.‏ الشبهة الثالثة‏:‏ أن قوله‏:‏ إفهل إما أن يفيد المنع أو التخيير أو الدعاء، فإذا بطل التخيير والمنع تعين الدعاء والايجاب، قلنا‏:‏ بل يبقى قسم رابع وهو أن لا يفيد واحدا من الاقسام إلا بقرينة، كالالفاظ المشتركة، فإن قيل‏:‏ أليس قوله‏:‏ لا تفعل أفاد التحريم، فقوله‏:‏ إفعل ينبغي أن يفيد الايجاب، قلنا‏:‏ هذا قد نقل عن الشافعي، والمختار أن قوله‏:‏ لا تفعل متردد بين التنزيه والتحريم كقوله‏:‏ إفعل ولو صح ذلك في النهي لما جاز قياس الامر عليه، فإن اللغة تثبت نقلا لا قياسا، فهذه شبههم اللغوية والعقلية‏.‏ أما الشبهة الشرعية‏:‏ فهي أقرب، فإنه لو دل دليل الشرع على أن الامر للوجوب لحملناه على الوجوب لكن لا دليل عليه، وإنما الشبهة الأولى قولهم نسلم أن اللغة والعقل لا يدل على تخصيص الامر بالوجوب لكن يدل عليه من جهة الكتاب قوله تعال‏:‏ ‏{‏وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول‏)‏ ‏[‏ النور‏:‏ 45 ‏]‏ وهذا لا حجة فيه، لان الخلاف في قوله‏:‏ ‏{‏وأطيوا‏)‏ قائم أنه للندب أو الوجوب وقوله‏:‏ ‏{‏عليه ما حمل وعليكم ما حملتم‏)‏ أي‏:‏ كل واحد عليه ما حمل من التبليغ والقبول، وهذا إن كان معناه التهديد والنسبة إلى الاعراض عن الرسول عليه السلام فهو دليل على أنه أراد به الطاعة في أصل الايمان، وهو على الوجوب بالاتفاق، وغاية هذا اللفظ عموم فنخصه بالاوامر التي هي على الوجوب، وكل ما يتمسك به من الآيات من هذا الجنس، فهي صيغ أمر يقع النزاع في أنه للندب أم لا، فإن اقترن بذكر وعيد فيكون قرينة دالة على وجوب ذلك الامر خاصة فإن كان أمرا عاما يحمل على الامر بأصل الدين، وما عرف بالدليل أنه على الوجوب، وبه يعرف الجواب عن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه‏}‏ ‏(‏الحشر‏:‏ 7‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا قيل لهم اركعوا لا يركعون‏}‏ ‏(‏المرسلات‏:‏ 84‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 56‏)‏ فكل ذلك أمر بتصديقه ونهى عن الشك في قوله، وأمر بالانقياد في الاتيان بما أوجبه الشبهة الثانية‏:‏ تمسكهم بقوله‏:‏ ‏{‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 36‏)‏ قلنا‏:‏ تدعون أنه نص في كل أمر أو عام، ولا سبيل إلى دعوى النص، وإن ادعيتم العموم فقد لا نقول بالعموم ونتوقف في صيغته، كما نتوقف في صيغة الامر أو نخصصه بالامر بالدخول في دينه، بدليل أن ندبه أيضا أمره، ومن خالف عن أمره في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 33‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏واستشهدوا شهيدين‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 282‏)‏ وأمثاله لا يتعرض للعقاب، ثم نقول هذا نهي عن المخالفة وأمر بالموافقة أي يؤتى به على وجهه إن كان واجبا فواجبا، وإن كان ندبا فندبا، والكلام في صيغة الايجاب لا في الموافقة والمخالفة، ثم لا تدل الآية إلا على وجوب أمر الرسول عليه السلام، فأين الدليل على وجوب أمر الله تعالى‏.‏ الشبهة الثالثة‏:‏ تمسكهم من جهة السنة بأخبار آحاد، لو كانت صريحة صحيحة لم يثت بها مثل هذا الأصل، وليس شئ منها صريحا، فمنها قوله عليه السلام لبريرة وقد عتقت تحت عبد وكرهته‏:‏ لو راجعتيه فقالت‏:‏ بأمرك يا رسول الله‏؟‏ فقال‏:‏ لا، إنما أنا شافع فقالت‏:‏ لا حاجة لي فيه فقد علمت أنه لو كان أمرا لوجب وكذلك عقلت الامة، قلنا‏:‏ هذا وضع على بريرة وتوهم، فليس في قولها إلا استفهام أنه أمر شرعي من جهة الله تعالى حتى تطيع طلبا للثواب، أو شفاعة لسبب الزوج حتى تؤثر غرض نفسها عليه، فإن قيل شفاعة الرسول عليه السلام أيضا مندوب إلى إجابتها وفيها ثواب، قلنا‏:‏ وكيف قالت‏:‏ لا حاجة لي فيه والمسلم يحتاج إلى الثواب، فلا يقول ذلك، لكنها اعتقدت أن الثواب في طاعته في الامر الصادر عن الله تعالى وفيما هو لله لا فيما يتعلق بالاغراض الدنيوية، أو علمت أن ذلك في الدرجة دون ما ندبت إليه فاستفهمت، أو أفهمت بالقرينة أنها شكت في الوجوب، فعبرت بالامر عن الوجوب فأفهمت، ومنها قوله عليه السلام‏:‏ لولا أني أخاف أن أشق على أمتي لامرتهم بالسواك عند كل صلاة فدل على أنه للوجوب، وإلا فهو مندوب، قلنا‏:‏ لما كان قد حثهم على السواك ندبا قبل ذلك أفهم أنه أراد بالامر ما هو شاق، أو كان قد أوحي إليه أنك لو أمرتهم بقولك استاكوا لاوجبنا ذلك عليهم، فعلمنا أن ذلك يجب بإيجاب الله تعالى عند إطلاقه صيغة الامر، ومنها قوله عليه السلام لابي سعيد الخدري لما دعاه وهو في الصلاة فلم يجبه‏:‏ أما سمعت الله تعالى يقول‏:‏ ‏{‏استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم‏}‏ ‏(‏الانفال‏:‏ 42‏)‏، فكان هذا التوبيخ على مخالفة أمره، قلنا‏:‏ لم يصدر منه أمر، بل مجرد نداء، وكان قد عرفهم بالقرائن تفهيما ضروريا وجوب التعظيم له، وأن ترك جواب النداء تهاون وتحقير بأمره، بدليل أنه كان في الصلاة وإتمام الصلاة واجب، ومجرد النداء لا يدل على ترك واجب، بل يجب تركه بما هو أوجب منه، كما يجب ترك الصلاة لانقاذ الغرقى، ومجرد النداء لا يدل عليه، ومنها قول الاقرع بن حابس‏:‏ أحجنا هذا لعامنا هذا أم للابد‏؟‏ فقال عليه السلام‏:‏ للابد، ولو قلت نعم لوجب فدل على أن جميع أوامره للايجاب، قلنا‏:‏ قد كان عرف وجوب الحج بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 79‏)‏ وبأمور أخر صريحة، لكن شك في أن الامر للتكرار أو للمرة الواحدة، فإنه متردد بينهما، ولو عين الرسول عليه السلام أحدهما لتعين وصار متعينا في حقنا ببيانه، فمعنى قوله‏:‏ لو قلت نعم لوجب أي لو عينت لتعين‏.‏ الشبهة الرابعة من جهة الإجماع‏:‏ زعموا أن الامة لم تزل في جميع الاعصار ترجع في إيجاب العبادات وتحريم المحظورات إلى الاوامر والنواهي، كقوله‏:‏ ‏{‏أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 34‏}‏ ‏(‏وقاتلوا المشركين كافة‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 63‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ولا تقربوا الزنا‏}‏ ‏(‏الاسراء‏:‏ 23‏}‏ ‏(‏لا تأكلوا الربا‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 031‏}‏ ‏(‏ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 2‏}‏ ‏(‏ولا تقتلوا أنفسكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏}‏ ‏(‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 22‏)‏ وأمثاله، والجواب‏:‏ أن هذا وضع وتقول على الامة ونسبه لهم إلى الخطأ ويجب تنزيههم عنه، نعم يجوز أن يصدر ذلك من طائفة ظنوا أن ظاهر الامر للوجوب، وإنما فهم المحصلون وهم الاقلون ذلك من القرائن والأدلة، بدليل أنهم قطعوا بوجوب الصلاة وتحريم الزنا، والامر محتمل للندب وإن لم يكن موضوعا له، والنهي يحتمل التنزيه، وكيف قطعوا مع الاحتمال لولا أدلة قاطعة، وما قولهم إلا كقول من يقول‏:‏ الامر للندب بالإجماع، لانهم حكموا بالندب في الكتابة والاستشهاد وأمثاله لصيغة الامر، والاوامر التي حملتها الامة على الندب أكثر، فإن النوافل والسنن والآداب أكثر من الفرائض إذا ما من فريضة إلا ويتعلق بها وبإتمامها وبآدابها سنن كثيرة، أو نقول‏:‏ هي للاباحة بدليل حكمهم بالاباحة في قوله‏:‏ ‏{‏فاصطادوا‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 2‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الارض‏}‏ ‏(‏الجمعة‏:‏ 01‏)‏ وإن كان ذلك للقرائن، فكذلك الوجوب، فإن قيل‏:‏ وما تلك القرائن قلنا‏:‏ أما في الصلاة فمثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 301‏)‏ وما ورد من التهديدات في ترك الصلاة، وما ورد من تكليف الصلاة في حال شدة الخوف والمرض إلى غير ذلك، وأما الزكاة فقد اقترن بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وآتوا الزكاة‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 34‏)‏ وغيرها ‏]‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 43‏)‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 53‏)‏ وأما الصوم فقوله‏:‏ ‏{‏كتب عليكم الصيام‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 381‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فعده من أيام أخر‏)‏ ‏[‏ البقره‏:‏ 184، 185 ‏]‏ وإيجاب تداركه على الحائض، وكذلك الزنا والقتل ورد فيهما تهديدات ودلالات تواردت على طول مدة النبوة لا تحصى، فلذلك قطعوا به، لا بمجرد الامر الذي منتهاه أن يكون ظاهرا فيتطرق إليه الاحتمال‏.‏

مسألة ‏(‏هل بعد انتهاء الخطر فيه إباحة‏؟‏‏)‏

فإن قال قائل‏:‏ قوله‏:‏ افعل بعد الحظر ما موجبه، وهل لتقدم الحظر تأثير‏؟‏ قلنا‏:‏ قال قوم‏:‏ لا تأثير لتقدم الحظر أصلا، وقال قوم هي قرينة تصرفها إلى الاباحة، والمختار أنه ينتظر، فإن كان الحظر السابق عارضا لعلة، وعلقت صيغة افعل بزواله، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا حللتم فاصطادوا‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 2‏)‏ فعرف الاستعمال يدل على أنه لرفع الذم فقط حتى يرجع حكمه إلى ما قبله، وإن احتمل أن يكون رفع هذا الحظر بندب وإباحة لكن الاغلب ما ذكرناه، كقوله‏:‏ ‏{‏فانتشروا‏}‏ ‏(‏الجمعة‏:‏ 01‏)‏ وكقوله عليه السلام‏:‏ كنت نهيتكم عن لحوم الاضاحي فادخروا أما إذا لم يكن الحظر عارضا لعلة ولا صيغة افعل علق بزوالها، فيبقى موجب الصيغة على أصل التردد بين الندب والاباحة، ونزيح هاهنا احتمال الاباحة، ويكون هذا قرينة تزيح هذا الاحتمال، وإن لم تعينه، إذ لا يمكن دعوى عرف الاستعمال في هذه الصيغة حتى يغلب العرف الوضع، أما إذا لم ترد صيغة افعل، لكن قال‏:‏ ‏{‏فإذا حللتم‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 2‏)‏ فأنتم مأمورون بالاصطياد، فهذا يحتمل الوجوب والندب ولا يحتمل الاباحة لانه عرف في هذه الصورة، وقوله‏:‏ أمرتكم بكذا، يضاهي قوله‏:‏ افعل في جميع المواضع إلا في هذه الصورة وما يقرب منها‏.‏

النظر الثالث‏:‏ في موجب الامر ومقتضاه

في موجب الامر ومقتضاه بالاضافة إلى الفور والتراخي والتكرار وغيره، ولا يتعلق هذا النظر بصيغة مخصوصة، بل يجري في قوله، افعل، كان للندب أو للوجوب، وفي قوله‏:‏ أمرتكم وأنتم مأمورون، وفي كل دليل يدل على الامر بالشئ، إشارة كانت أو لفظا أو قرينة أخرى، لكنا نتكلم في مقتضى قوله‏:‏ افعل ليقاس عليه غيره، ونرسم فيه مسائل‏:‏

مسألة ‏(‏أحكام الامر‏)‏

قوله‏:‏ صم، كما أنه في نفسه يتردد بين الوجوب والندب، فهو بالاضافة إلى الزمان يتردد بين الفور والتراخي، وبالاضافة إلى المقدار يتردد بين المرة الواحدة و استغراق العمر، وقد قال قوم‏:‏ هو للمرة، ويحتمل التكرار وقال قوم‏:‏ هو للتكرار، والمختار أن المرة الواحدة معلومة وحصول براءة الذمة بمجردها مختلف فيه، واللفظ بوضعه ليس فيه دلالة على نفي الزيادة ولا على إثباتها، وقياس مذهب الواقفية التوقف فيه لتردد اللفظ، كتردده بين الوجوب والندب، لكني أقول‏:‏ ليس هذا ترددا في نفس اللفظ على نحو تردد اللفظ، المشترك بل اللفظ خال عن التعرض لكمية المأمور به، لكن يحتمل الاتمام ببيان الكمية، كما أنه يحتمل أن نتممه بسبع مرات أو خمس، وليس في نفس اللفظ تعرض للعدد، ولا هو موضوع لآحاد الاعداد وضع اللفظ المشترك، وكما أن قوله‏:‏ أقتل إذا لم يقل أقتل زيدا أو عمرا فهو دون زيادة كلام ناقص، فإتمامه بلفظ دال على تلك الزيادة، لا بمعنى البيان، فإن قيل‏:‏ بين مسألتنا وبين القتل فرق، فإن قوله‏:‏ اقتل، كلام ناقص لا يمكن امتثاله، وقوله‏:‏ صم، كلام تام مفهوم يمكن امتثاله، قلنا‏:‏ يحتمل أن يقال‏:‏ يصير ممتثلا بقتل أي شخص كان بمجرد قوله أقتل، كما يصير ممتثلا بصوم أي يوم كان إذا قال‏:‏ صم يوما بلا فرق، ويكون قوله‏:‏ أقتل، كقوله‏:‏ أقتل شخصا، لان الشخص القتيل من ضرورة القتل، وإن لم يذكر، كما أن اليوم من ضرورة الصوم وإن لم يصرح به، فيتحصل من هذا أنه تبرأ ذمته بالمرة، الواحدة، لان وجوبها معلوم، والزيادة لا دليل على وجوبها، إذ لم يتعرض اللفظ لها، فصار كما قبل قوله‏:‏ صم، وكنا لا نشك في نفي الوجوب، بل نقطع بانتفائه، وقوله‏:‏ صم دال على القطع في يوم واحد، فبقي الزائد على ما كان، هذا هو الظاهر من مطلق اللفظ المجرد عن الكمية، ويعتضد هذا باليمين، فإنه لو قال‏:‏ والله لاصومن، لبر بيوم واحد، ولو قال‏:‏ لله علي صوم لتفصى عن عهدة النذر بيوم واحد، لان الزائد لم يتعرض له، فإن قيل‏:‏ فلو فسر التكرار بصوم العمر فقد فسره بمحتمل، أو كان ذلك الحاق زيادة، كما لو قال‏:‏ أردت بقولي‏:‏ اقتل‏.‏ أي أقتل زيدا، وبقولي‏:‏ صم، أي صم يوم السبت خاصة‏.‏ فإن هذا تفسير بما لا يحتمله اللفظ، بل ليس تفسيرا، إنما ذكر زيادة لم يذكرها، ولم يوضع اللفظ المذكور لها، لا بالاشتراك ولا بالتجوز ولا بالتنصيص‏.‏ قلنا‏:‏ هذا فيه نظر، والاظهر عندنا أنه إن فسره بعدد مخصوص كتسعة أو عشرة، فهو إتمام بزيادة وليس بتفسير، إذ اللفظ لا يصلح للدلالة على تكرر وعدد، وإن أراد إستغراق العمر فقد أراد كلية الصوم في حقه، وكأن كلية الصوم شئ فرد أذله حد واحد وحقيقة واحدة، فهو واحد بالنوع، كما أن اليوم الواحد واحد بالعدد، واللفظ يحتمله، ويكون ذلك بيانا للمراد لا استئناف زيادة، ولهذا لو قال‏:‏ أنت طالق، ولم يخطر بباله عدد كانت الطلقة الواحدة ضرورة لفظه فيقتصر عليها، ولو نوى الثلاثة بعد لانه كلية الطلاق فهو كالواحد بالجنس أو النوع، ولو نوى طلقتين، فالاغوص ما قاله أبو حنيفة، وهو أنه لا يحتمله، ووجه مذهب الشافعي قد تكلفناه في كتاب المبادئ والغايات، فإن قيل‏:‏ الزيادة التي هي كالمتممة لا تبعد إرادتها في اللفظ، فلو قال‏:‏ طلقت زوجتي وله أربع نسوة وقال‏:‏ أردت زينب بنيتي وقع الطلاق من وقت اللفظ، ولولا احتماله لوقع من وقت التعيين، قلنا‏:‏ الفرق أغوص، لان قوله‏:‏ زوجتي، مشترك بين الاربع، يصلح لكل واحدة، فهو كإدارة إحدى المسميات بالمشترك، أما الطلاق فموضوع لمعنى لا يتعرض للعدد، والصوم موضوع لمعنى لا يتعرض للسبعة والعشرة، وليست الاعداد موجودات، فيكون اسم الصوم مشتركا بينهما اشتراك اسم الزوجة بين النسوة الزوجات شبه المخالفين ثلاث‏:‏ الشبهة الأولى‏:‏ قولهم قوله‏:‏ ‏{‏اقتلوا المشركين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏ يعم قتل كل مشرك، فقوله‏:‏ صم وصل ينبغي أن يعم كل زمان، لان إضافته إلى جميع الازمان واحد، كإضافة لفظ المشترك إلى جميع الاشخاص، قلنا‏:‏ إن سلمنا صيغة العموم فليس هذا نظيرا له، بل نظيره أن يقال‏:‏ صم الايام، وصل في الاوقات، أما مجرد قوله‏:‏ صم، فلا يتعرض للزمان، لا بعموم ولا بخصوص، لكن الزمان من ضرورته كالمكان، ولا يجب عموم الاماكن بالفعل، وإن كان نسبة الفعل إلى كل مكان على وتيرة واحدة، وكذلك الزمان‏.‏ الشبة الثانية‏:‏ قولهم‏:‏ إن قوله صم، كقوله‏:‏ لا تصم، وموجب النهي ترك الصوم أبدا، فليكن موجب الامر فعل الصوم أبدا، وتحقيقه أن الامر بالشئ نهي عن ضده، فقوله قم، وقوله‏:‏ لا تقعد، واحد وقوله تحرك، وقوله‏:‏ لا تسكن واحد، ولو قال‏:‏ لا تسكن، لزمت الحركة دائما، فقوله‏:‏ تحرك، تضمن قوله‏:‏ لا تسكن، قلنا‏:‏ أما قولكم أن الامر بالشئ نهي عن ضده، فقد أبطلناه في القطب الأول، وإن سلمنا فعموم النهي الذي هو ضمن بحسب الامر المتضمن، لانه تابع له، فلو قال‏:‏ تحرك مرة واحدة كان السكون المنهي عنه مقصورا على المرة، وقوله‏:‏ تحرك، كقوله‏:‏ تحرك مرة واحدة، كما سبق تقريره، وأما قياسهم الامر على النهي فباطل من خمسة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن القياس باطل في اللغات لانها تثبت توقيفا‏.‏ الثاني‏:‏ أنا لا نسلم في النهي لزوم الانتهاء مطلقا بمجرد اللفظ، بل لو قيل للصائم لا تصم، يجوز أن تقول‏:‏ نهاني عن صوم هذا اليوم أو عن الصوم أبدا، فيستفسر بل التصريح أن يقول‏:‏ لا تصم أبدا، ولا تصم يوما واحدا، فإذا اقتصر على قوله‏:‏ لا تصم، فانتهى يوما واحدا جاز أن يقال‏:‏ قضى حق النهي ولا يغنيهم عن هذا الاسترواح إلى المناهي الشرعية والعرفية وحملها على الدوام‏.‏ فإن هذا القائل يقول‏:‏ عرفت ذلك بأدلة أفادت علما ضروريا بأن الشرع يريد عدم الزنا والسرقة وسائر الفواحش مطلقا، وفي كل حال‏:‏ لا بمجرد صيغة النهي، وهذا كما أنا نوجب الايمان دائما لا بمجرد قوله‏:‏ آمنوا لكن الأدلة دلت على أن دوام الايمان مقصود‏.‏ الثالث‏:‏ أنا نفرق، ولعله الاصح، فنقول‏:‏ إن الامر يدل على أن المأمور ينبغي أن يوجد مطلقا، والنهي يدل على أنه ينبغي أن لا يوجد مطلقا، والنفي المطلق يعم، والوجود المطلق لا يعم، فكل ما وجد مرة فقد وجد مطلقا، وما انتفى مرة فما انتفى مطلقا، ولذلك إذا قال في اليمين‏:‏ لافعلن، بر بمرة، ولو قال‏:‏ لا أفعل، حنث بمرة، ومن قال‏:‏ لاصومن صدق وعده بمرة، ومن قال‏:‏ لا أصوم، كان كاذبا مهما صام مرة‏.‏ الرابع‏:‏ أنه لو حمل الامر على التكرار لتعطلت الاشغال كلها، وحمل النهي على التكرار لا يفضي إليه إذ يمكن الانتهاء في حال واحدة عن أشياء كثيرة مع الاشتغال بشغل ليس ضد المنهي عنه، وهذا فاسد، لانه تفسير للغة بما يرجع إلى المشقة والتعذر، ولو قال افعل دائما، لم يتغير موجب اللفظ بتعذره، وإن كان التعذر هو المانع فليقتصر على ما يطاق ويشق دون ما يتيسر‏.‏ الخامس‏:‏ أن النهي يقتضي قبح المنهي عنه، ويجب الكف عن القبيح كله، والامر يقتضي الحسن، ولا يجب الاتيان بالحسن كله، وهذا أيضا فاسد‏.‏ فإن الامر والنهي لا يدلان على الحسن والقبح، فإن الامر بالقبيح تسميه العرب أمرا فتقول أمر بالقبيح، وما كان ينبغي أن يأمر به، وأما الامر الشرعي فقد ثبت أنه لا يدل على الحسن، ولا النهي على القبح فإنه لا معنى للحسن والقبح بالاضافة إلى ذوات الاشياء بل الحسن ما أمر به، والقبيح ما نهى عنه فيكون الحسن والقبح تابعا للامر والنهي لا علة ولا متبوعا‏.‏ الشبهة الثالثة‏:‏ أن أوامر الشرع في الصوم والصلاة والزكاة حملت على التكرار فتدل على أنه موضوع له، قلنا‏:‏ وقد حمل في الحج على الاتحاد فليدل على أنه موضوع له، فإن كان ذلك بدليل فكذلك هذا بدليل وقرائن‏.‏ بل بصرائح سوى مجرد الامر وقد أجاب قوم عن هذا‏:‏ بأن القرينة فيه إضافتها إلى أسباب وشروط، وكل ما أضيف إلى شر وتكرر الشرط تكرر الوجوب، وسنبين ذلك في المسألة الثانية‏:‏

مسألة ‏(‏تكرار الامر المضاف لشرط‏)‏

اختلف الصائرون إلى أن الامر ليس للتكرار في الامر المضاف إلى شرط، فقال قوم‏:‏ لا أثر للاضافة، وقال قوم‏:‏ يتكرر بتكرر الشرط، والمختار أنه لا أثر للشرط، لان قوله‏:‏ اضربه، أمر ليس يقتضي التكرار، فقوله‏:‏ اضربه، إن كان قائما، أو إذا كان قائما لا يقتضيه أيضا، بل لا يريد إلا اختصاص الضرب الذي يقتضيه الاطلاق بحالة للقيام، وهو كقوله لوكيله‏:‏ طلق زوجتي إن دخلت الدار، لا يقتضي التكرار بتكرر الدخول، بل لو قال‏:‏ إن دخلت الدار فأنت طالق لم يتكرر بتكرر الدخول إلا أن يقول‏:‏ كلما دخلت الدار، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏من شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 581‏)‏، وإذا زالت الشمس‏.‏

فصل

قوله لزوجاته‏:‏ فمن شهد منكن الشهر فهي طالق، ومن زالت عليها الشمس فهي طالق، ولهم شبهتان‏:‏ الأولى‏:‏ أن الحكم يتكرر بتكرر العلة، والشرط كالعلة، فإن علل الشرع علامات، قلنا‏:‏ العلة إن كانت عقلية فهي موجبة لذاتها، ولا يعقل وجود ذاتها دون المعلول، وإن كانت شرعية فلسنا نسلم تكرر الحكم بمجرد إضافة الحكم إلى العلة ما لم تقترن به قرينة أخرى وهو التعبد بالقياس، ومعنى التعبد بالقياس الامر باتباع العلة، وكأن الشرع يقول‏:‏ الحكم يثبت بها فاتبعوها‏.‏ الشبهة الثانية‏:‏ إن أوامر الشرع إنما تتكرر بتكرر الاسباب، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كنتم جنبا فاطهروا‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 6‏)‏‏.‏ و ‏{‏إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 6‏)‏ قلنا‏:‏ ليس ذلك بموجب اللغة‏:‏ ومجرد الاضافة بل بدليل شرعي في كل شرط، فقد قال تعالى‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 79‏)‏ ولا يتكرر الوجوب بتكرر الاستطاعة، فإن أحالوا ذلك على الدليل أحلنا ما يتكرر أيضا على الدليل، كيف ومن قام إلى الصلاة غير محدث فلا يتكرر عليه، ومن كان جنبا فليس عليه أن يتطهر إذا لم يرد الصلاة فلم يتكرر مطلقا، لكن اتبع فيه موجب الدليل‏.‏

مسألة ‏(‏هل الامر على الفور أم لا‏؟‏‏)‏

مطلق الامر يقتضي الفور عند قوم ولا يقتضيه عند قوم وتوقف فيه من الواقفية قوم، ثم منهم من قال‏:‏ التوقف في المؤخر هل هو ممتثل أم لا، أما المبادر فممتثل قطعا، ومنهم من غلا وقال‏:‏ يتوقف في المبادر أيضا، والمختار أنه لا يقتضي إلا الامتثال، ويستوي فيه البدار والتأخير، وندل على بطلان الوقف أولا فنقول للمتوقف‏:‏ المبادر ممتثل أم لا‏؟‏ فإن توقفت فقد خالفت إجماع الامة قبلك، فإنهم متفقون على أن المسارع إلى الامتثال مبالغ في الطاعة مستوجب جميل الثناء، والمأمور إذا قيل له‏:‏ قم فقام يعلم نفسه ممتثلا، ولا يعد به مخطئا باتفاق أهل اللغة قبل ورود الشرع، وقد أثنى الله تعالى على المسارعين، فقال عز من قائل‏:‏ ‏{‏سارعوا إلى مغفرة من ربكم‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 331‏)‏ وقال‏:‏ ‏{‏أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون‏}‏ ‏(‏المؤمنون‏:‏ 16‏)‏ وإذا بطل هذا التوقف فنقول‏:‏ لا معنى للتوقف في المؤخر لان قوله‏:‏ اغسل هذا الثوب‏:‏ مثلا لا يقتضي إلا طلب الغسل والزمان من ضرورة الغسل كالمكان، وكالشخص في القتل والضرب والسوط والسيف في الضرب، ثم لا يقتضي الامر بالضرب مضروبا مخصوصا، ولا سوطا ولا مكانا للامر، فكذلك الزمان، لان اللافظ ساكت عن التعرض للزمان والمكان، فهما سيان، ويعتضد هذا بطريق ضرب المثال لا بطريق القياس بصدق الوعد‏.‏ إذا قال‏:‏ أغسل وأقتل فإنه صادق، بادر أو أخر، ولو حلف‏:‏ لادخلن الدار، لم يلزمه البدار، وتحقيقه أن مدعي الفور متحكم، وهو محتاج إلى أن ينقل عن أهل اللغة أن قولهم افعل للبدار، ولا سبيل إلى نقل ذلك لا تواترا ولا آحادا‏.‏ ولهم شبهتان‏:‏ الأولى‏:‏ أن الامر للوجوب، وفي تجويز التأخير ما ينافي الوجوب، إما بالتوسع وإما بالتخيير في فعل لا بعينه من جملة الافعال الواقعة في الاوقات والتوسع والتخيير كلاهما يناقض الوجوب‏.‏ قلنا‏:‏ قد بينا في القطب الأول أن الواجب المخير والموسع جائز، ويدل عليه أنه لو صرح وقال‏:‏ اغسل الثوب أي وقت شئت، فقد أوجبته عليك لم يتناقض، ثم لا نسلم أن الامر للوجوب، ولو كان للوجوب أما بنفسه أو بقرينة فالتوسع لا ينافيه كما سبق‏.‏ الشبهة الثانية‏:‏ أن الامر يقتضي وجوب الفعل، واعتقاد الوجوب والعزم على الامتثال ثم وجوب الاعتقاد والعزم على الفور، فليكن كذلك الفعل، قلنا‏:‏ القياس باطل في اللغات، ثم هو منقوض بقوله‏:‏ افعل أي وقت شئت، فإن الاعتقاد والعزم فيه على الفور دون الفعل، ثم نقول‏:‏ وجوب الفور في العزم والاعتقاد معلوم بقرينة وأدلة دلت على التصديق للشارع، والعزم على الانقياد له ولم يحصل ذلك بمجرد الصيغة‏.‏

مسألة ‏(‏قضاء العبادات‏)‏

مذهب بعض الفقهاء أن وجوب القضاء لا يفتقر إلى أمر مجدد، ومذهب المحصلين أن الامر بعبادة في وقت لا يقتضي القضاء، لان تخصيص العبادة بوقت الزوال أو شهر رمضان، كتخصيص الحج بعرفات، وتخصيص الزكاة بالمساكين، وتخصيص الضرب والقتل بشخص، وتخصيص الصلاة بالقبلة، فلا فرق بين الزمان والمكان والشخص فإن جميع ذلك تقييد للمأمور بصفة، والعاري عن تلك الصفة لا يتناوله اللفظ، بل يبقى على ما كان قبل الامر، فإن قيل‏:‏ الوقت للعبادة كالاجل للدين، فكما لا يسقط الدين بانقضاء الاجل لا تسقط الصلاة الواجبة في الذمة بانقضاء المدة، قلنا‏:‏ مثال الاجل الحول في الزكاة لا جرم لا تسقط الزكاة بانقضائه، لان الاجل مهلة لتأخير المطالبة حتى ينجز بعد المدة، وأما الوقت فقد صار وصفا للواجب، كالمكان والشخص، ومن أوجب عليه شئ بصفة، فإذا أتى به لا على تلك الصفة لم يكن ممتثلا، نعم يجب القضاء في الشرع إما بنص، كقوله‏:‏ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها أو بقياس، فإنا نقيس الصوم، إذا نسيه على الصلاة إذا نسيها، ونراه في معناها، ولا نقيس عليه الجمعة ولا الاضحية، فإنهما لا يقضيان في غير وقتهما، وفي رمي الجمار تردد أنه بأي الأصلين أشبه، ولا نقيس صلاة الحائض على صومها في القضاء، لفرق النص، ولا نقيس صلاة الكافر وزكاته على صلاة المرتد وإن تساويا في أصل الامر والوجوب عندها‏.‏

مسألة ‏(‏في موضوع القضاء أيضا‏)‏

ذهب بعض الفقهاء إلى أن الامر يقتضي وقوع الاجزاء بالمأمور به إذا امتثل، وقال بعض المتكلمين‏:‏ لا يدل على الاجزاء لا بمعنى أنه لا يدل على كونه طاعة وقربة وسبب ثواب وامتثالا، لكن بمعنى أنه لا يمنع الامتثال من وجوب القضاء، ولا يلزم حصول الاجزاء بالاداء، بدليل أن من أفسد حجه فهو مأمور بالاتمام، ولا يجزئه، بل يلزمه القضاء، ومن ظن أنه متطهر فهو مأمور بالصلاة وممتثل إذا صلى ومطيع ومتقر ب ويلزمه القضاء، فلا يمكن إنكار كونه مأمورا ولا إنكار كونه ممتثلا حتى يسقط العقاب، ولا إنكار كونه مأمورا بالقضاء، فهذه أمور مقطوع بها، والصواب عندنا أن نفصل ونقول‏:‏ إذا ثبت أن القضاء يجب بأمر متجدد وأنه مثل الواجب الأول فالامر بالشئ لا يمنع إيجاب مثله بعد الامتثال، وهذا لا شك فيه، ولكن ذلك المثل إنما يسمى قضاء‏.‏ إذا كان فيه تدارك لفائت من أصل العبادة أو وصفها، وإن لم يكن فوات وخلل استال تسميته قضاء فنقول الامر يدل على أجزاء المأمور‏.‏ إذا أدى بكمال وصفه وشرطه من غير خلل، وإن تطرق إليه خلل كما في الحج الفاسد والصلاة على غير الطهارة فلا يدل الامر على أجزائه بمعنى منع إيجاب القضاء، فإن قيل‏:‏ فالذي ظن أنه متطهر مأمور بالصلاة على تلك الحالة أو مأمور بالطهارة، فإن كان مأمور بالطهارة مع تنجز الصلاة، فينبغي أن يكون عاصيا، وإن كان مأمورا بالصلاة على حالته فقد امتثل من غير خلل، فبم عقل إيجاب القضاء‏؟‏ وكذلك المأمور بإتمام الحج الفاسد أتم كما أمر، قلنا‏:‏ هذا مأمور بالصلاة مع الخلل بضرورة نسيانه، فقد أتى بصلاة مختلة فاقدة شرطها لضرورة حاله، فعقل الامر لتدارك الخلل، أما إذا لم يكن الخلل لا عن قصد ولا عن نسيان فلا تدارك فيه، فلا يعقل إيجاب قضائه، وهو المعني بأجزائه، وكذلك مفسد الحج مأمور بحج خال عن فساد، وقد فوت على نفسه ذلك فيقضيه‏.‏

مسألة ‏(‏دليل الامر‏)‏

الامر بالامر بالشئ ليس أمرا بالشئ ما لم يدل عليه دليل، مثاله قوله تعالى لنبيه عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏{‏خذ من أموالهم صدقة تطهرهم‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 301‏)‏ لا يدل على وجوب الاداء بمجرده على الامة، وربما ظن ظان أنه يدل على الوجوب، وليس الامر كذلك، لكن دل الشرع على أن أمر النبي عليه الصلاة والسلام، واجب الطاعة، وأنهم لو كانوا مأذونين في المنع لكان ذلك تحقيرا للنبي عليه السلام وتنفيرا للامة عنه، وذلك يغض من قدره، ويشوش مقصود الشرع، وإلا فلا يستحيل أن يقال للزوج الشافعي إذا قال لزوجته‏:‏ أنت بائن علي نية الطلاق راجعها وطالبها بالوطئ ويقال للحنفية التي ترى أنها بائنة‏:‏ يجب عليك المنع، ويقال للولي الذي يرى أن لطفله على طل غيره شيئا أطلبه، ويقال للمدعي عليه إذا عرف أنه لا شئ على طفله لا تعطه ومانعه، ويقول السيد لاحد العبدين، أوجبت عليك أن تأمر العبد الآخر، ويقول للآخر‏:‏ أوجبت عليك العصيان له، وبهذا تعرف أن قوله عليه السلام‏:‏ مروهم بالصلاة لسبع ليس خطابا من الشرع مع الصبي ولا إيجابا عليه مع أن الامر واجب على الولي، فإن قيل‏:‏ فلو قال للنبي‏:‏ أوجبت عليك أن توجب على الامة، وقال للامة‏:‏ أوجبت عليكم خلافه‏:‏ قلنا ذلك يدل على أن الواجب على النبي أن يقول‏:‏ أوجبت لا على حقيقة الايجاب، فإن أراد حقيقة الايجاب فهو متناقض، بخلاف قوله‏:‏ ‏{‏خذ من أموالهم صدقة‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 301‏)‏ فإن ذلك لا يناقضه أمرهم بالمنع، فإن قيل‏:‏ ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، والتسلم لا يتم إلا بالتسليم، قلنا‏:‏ لا يجب التسلم، بل يجب الطلب فقط، ثم إن وجب التسلم فذلك يتم بالتسليم المحرم، وإنما يناقض التسلم أنتفاء التسليم في نفسه لانتفاء علته وحكمه، وبالجملة‏:‏ كما أن من أمر زيدا بضرب عمرو فلا يطلب من عمرو شيئا، فكذلك إذا أمره يأمر عمرا فلا يطلب من عمرو شيئا‏.‏

مسألة ‏(‏خطاب الجماعة بالامر‏)‏

ظاهر الخطاب مع جماعة بالامر يقتضي وجوبه على كل واحد، إلا أن يدل دليل على سقوط الفرض عن الجميع بفعل واحد، أو يرد الخطاب بلفظ لا يعم الجميع، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 401‏)‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 221‏)‏ فإن هذا لا يدل على الوجوب في حق كل واحد على التعيين، فإن قيل‏:‏ فما حقيقة فرض الكفاية‏:‏ أهو فرض على الجميع ثم يسقط الفرض بفعل البعض، أو هو فرض على واحد لا بعينه، أي واحد كان، كالواجب المخير في خصال الكفارة، أو هو واجب على من حضر وتعين أعني حضر الجنازة أو المنكر، أما من لم يتعين فهو ندب في حقه، قلنا‏:‏ الصحيح من هذه الاقسام الأول وهو عموم الفرضية، فإن سقوط الفرض دون الاداء يمكن، إما بالنسخ أو بسبب آخر‏.‏ ويدل عليه أنهم لو فعلوا بأجمعهم نال كل واحد منهم ثواب الفرض وإن امتنعوا عم الحرج الجميع، ولو خلا بعضهم عن الوجوب لا نفك عن الاثم‏.‏ أما الايجاب على واحد لا بعينه فمحال‏:‏ لان المكلف ينبغي أن يعلم أنه مكلف، وإذا أبهم الوجوب تعذر الامتثال كما حققناه في بيان الواجب المخير‏.‏

مسألة ‏(‏متى يعلم الامر والامتثال‏)‏

ذهبت المعتزلة إلى أن المأمور لا يعلم كونه مأمورا قبل التمكن من الامتثال، وذهب القاضي وجماهير أهل الحق إلى أنه يعلم ذلك، وفي تفهيم حقيقة المسألة غموض، وسبيل كشف الغطاء عنه أن نقول‏:‏ إنما يعلم المأمور كونه مأمورا مهما كان مأمورا، لان العلم يتبع المعلوم‏.‏ وإنما يكون مأمورا إذا توجه الامر عليه ولا خلاف أنه يتصور أن يقول السيد لعبده‏:‏ صم غدا، وأن هذا أمر مقق ناجز في الحال، وإن كان مشروطا ببقاء العبد إلى غد، ولكن اتفقت المعتزلة على أن الامر المقيد بالشرط أمر حاصل ناجز في الحال، لكن يشترط أن يكون تحقق الشرط مجهولا عند الآمر والمأمور، أما إذا كان معلوما فلا، فإنه لو قال‏:‏ صم إن صعدت إلى السماء أو إن عشت ألف سنة، فليس هذا بأمر، أي هذه الصيغة، ليست عبارة عن حقيقة عن حقيقة المعنى الذي يقوم بالنفس ويسمى أمرا، ولو قل‏:‏ صم إن كان العالم مخلوقا أو كان الله موجودا، فهذا أمر، ولكن ليس بمقيد بشرط، وليس هذا من الشرط في شئ فإن الشرط هو الذي يمكن أن يوجد ولا يوجد، فلما كان العلم بوجود الشرط أو عدمه منافيا وجود الامر المقيد بالشرط زعموا أن الله عالم بعواقب الامر، فالشرط في أمره محال ونحن نسلم أن جهل المأمور شرط، أما جهل الآمر فليس بشرط، حتى لو علم السيد بقول نبي صادق أن عبده يموت قبل رمضان، فيتصور أن يأمره بصوم رمضان مهما جهل العبد ذلك، وربما كان له فيه لطف يدعوه إلى الطاعات ويزجره عن المعاصي، وربما كان لطفا لغير المأمور بحث أو زجر وربما كان امتحانا له ليشتغل بالاستعداد، فيثاب على العزم على الامتثال، ويعاقب على العزم على الترك، والمعتزلة أحالوا ذلك وقالوا‏:‏ إذا شهد العبد هلال رمضان توجه عليه الامر بحكم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 581‏)‏ لكن ذلك بناء على ظن البقاء ودوام القدرة فإن الحياة والقدرة شرط في التكليف فإذا مات في منتصف الشهر تبينا أنه كان مأمورا بالنصف الأول، وأنه لم يكن مأمورا بالنصف الثاني‏.‏ ويدلك على بطلان مذهبهم مسالك‏:‏ المسلك الأول‏:‏ أن الامة مجمعة قبل ظهور المعتزلة أن الصبي كما يبلغ يجب عليه أن يعلم ويعتقد كونه مأمورا بشرائع الاسلام منهيا عن الزنا والسرقة والقتل في الحال وإن لم يحضره وقت صلاة ولا زكاة، ولا حضر من يمكن قتله والزنا به، ولا حضر مال تمكن سرقته، ولكن يعلم نفسه مأمورا منهيا بشرط التمكن، لانه جاهل بعواقب أمره، وعلمه بأن الله تعالى عالم بها لا يدفع عنه وجوب هذا الاعتقاد‏.‏ المسلك الثاني‏:‏ أن الامة مجمعة على أن من عزم على ترك ما ليس منهيا عنه، فليس بمتقرب إلى الله تعالى، ومن عزم على ترك المنهيات، و الاتيان بالمأمورات، كان متقربا إلى الله تعالى، وإن احتمل أن لا يكون مأمورا أو منهيا، لعلم الله بأنه لا يساعده التمكن، فينبغي أن نشك في كونه متقربا، ونتوقف ونقول‏:‏ إن مت بعد هذا العزم وقبل التمكن فلا ثواب لك، لانه لا تقرب منك، وإن عشت وتمكنت تبينا عند ذلك كونك متقربا، وهذا خلاف الإجماع‏.‏ المسلك الثالث‏:‏ إجماع الامة على أن صلاة الفرض لا تصح إلا بنية الفرضية، ولا يعقل تثبيت نية الفرضية إلا بعد معرفة الفرضية، والعبد ينوي في أول وقت الصلاة فرض الظهر، وربما يموت في أثناء وقت الصلاة، فيتبين عند المعتزلة أنه لم يكن فرضا، فليكن شاكا في الفرضية، وعند ذلك تمتنع النية، فإن النية قصد لا يتوجه إلا إلى معلوم فإن قيل‏:‏ إن نوى فرضية أربع ركعات، فلو مات بعد ركعتين يعلم أنه لم تكن إلا ربع فريضة، وهو مجوز للموت، فكيف ينوي فرض ما هو شاك فيه‏؟‏ قلنا‏:‏ ليس شاكا فيه، بل هو قاطع بأن الاربع فرض بشرط البقاء، فالامر بالشرط أمر في الحال، وليس بمعلق، والفرض بالشرط فرض، أي أنه مأمور أمر إيجاب، من عزم عليه يثاب ثواب من عزم على واجب‏.‏ وإذا قال السيد لعبده‏:‏ صم غدا، فهو أمر في الحال يصوم في الغد، لا أنه أمر في الغد‏.‏ وإذا قال له‏:‏ أوجبت عليك بشرط بقائك وقدرتك، فهو موجب في الحال، لكن إيجابا بشرط، فهكذا ينبغي أن تفهم حقيقة هذه المسألة، وكذلك إذا قال لوكيله‏:‏ بع داري غدا، فهو موكل وآمر في الحال، والوكيل مأمور، ووكيل في الحال، حتى يعقل أن يعزل قبل مجئ الغد، فإذا قال الوكيل وكلني ثم عزلني، وأمرني ثم منعني، كان صادقا، فلو مات قبل مجئ الغد لا يتبين أنه كان كاذبا، وقد حققنا هذا في مسألة نسخ الامر قبل التمكن من الامتثال، وفي نسخ الذبح عن إبراهيم عليه السلام، ولهذا فرق الفقهاء بين أن يقول‏:‏ إذا جاء رأس الشهر فأنت وكيلي، وبين أن يقول‏:‏ وكلتك ببيع داري لكن تبيعها عند رأس الشهر، فإن الأول تعليق، ومن منع تعليق الوكالة ربما جوز تنجيز الوكالة مع تأخير التنفيذ إلى رأس الشهر‏.‏ المسلك الرابع‏:‏ إجماع الامة على لزوم الشروع في صوم رمضان، أعني أول يوم مثلا، ولو كان الموت في أثناء النهار يبين عدم الامر فالموت مجوز، فيصير الامر مشكوكا فيه، ولا يلزمه الشروع بالشك، فإن قيل، لانه إن بقي كان واجبا، والظاهر بقاؤه والحاصل في الحال يستصحب، والاستصحاب أصل تبنى عليه الامور، كما أن من أقبل عليه سبع يهرب، وإن كان يحتمل موت السبع قبل الانتهاء إليه، لكن الأصل بقاؤه فيستصحبه، ولانه لو فتح هذا الباب لم يتصور امتثال الاوامر المضيقة أوقاتها كالصوم، فإنه إنما يعلم تمام التمكن بعد انقضاء اليوم ويكون قد فات، قلنا‏:‏ هذا يلزمكم في الصوم، ومذهبكم هو الذي يفضي إلى هذا المحال، وما يفضي إلى المحال فهو محال، وأما الهرب من السبع فحزم وأخذ بأسوأ الاحوال، ويكفي فيه الاحتمال البعيد، فإن من شك في سبع على الطريق أو سارق فيحسن منه الحزم والاحتراز، أما الوجوب فلا يثبت بالشك والاحتمال، وينبغي أن يقال‏:‏ من أعرض عن الصوم، ومات قبل الغروب لم يكن عاصيا، لانه أخذ بالاحتمال الآخر، وهو احتمال الموت، فليكن معذورا به‏.‏ فإن زعموا أن ظن البقاء بالاستصحاب أورث ظن الوجوب، وظن الوجوب اقتضى تحقق الوجوب من الشرع جزما قطعا فهذا تعسف وتناقض‏.‏ المسلك الخامس‏:‏ أن الإجماع منعقد على أن من حبس المصلي في أول الوقت وقيده ومنعه من الصلاة متعد عاص بسبب منعه من الصلاة الواجبة، فإن كان التكليف يندفع به فقد أحسن إليه إذ منع التكليف عنه فلم عصي، وهذا فيه نظر، لانه عصي، لان التصرف في الغير بضبطه ومنعه حرام، وإن منعه غير مباح أيضا، ولان منعه صار سببا لوجوب القضاء في ذمته وهو على خطر من فواته، أو يحرم لانه أخرجه عن أن يكلفه، وفي التكليف مصلحة وقد فوتها عليه، بدليل أنه لو قيده قبل وقت الصلاة أو قبل وقت الصلاة أو قبل البلوغ إلى أن بلغ ودخل وقت الصلاة عصى، ولم يكن على الصبي أمر ناجز لا بشرط ولا بغير شرط‏.‏ شبه المعتزلة الأولى‏:‏ قولهم‏:‏ إثبات الامر بشرط يؤدي إلى أن يكون وجود الشئ مشروطا بما يوجد بعده، والشرط ينبغي أن يقارن أو يتقدم أما تأخير الشرط عن المشروط فمحال، قلنا‏:‏ ليس هذا شرطا لوجود ذات الامر، وقيامه بذات الآمر بل الامر موجود قائم بذات الآمر وجد الشرط أو لم يوجد، وإنما هو شرط لكون الامر لازما واجب التنفيذ، وليس ذلك من شرط كونه موجودا بسبيل، ولهذا قلنا‏:‏ الامر أمر للمعدوم بتقدير الوجود، وإن لم يبلغه بشرط بلوغه فليس البلوغ شرطا لقيام نفس الامر بذات الآمر بل للزوم تنفيذه، فإن قال قائل اختلاف قول الشافعي في أن من جامع في نهار رمضان ثم مات أو جن قبل الغروب هل يلزمه الكفارة‏؟‏ هل يلتفت إلى هذا الأصل‏؟‏ قلنا‏:‏ أما من ذهب إلى أنا نتبين عند زوال الحياة انتفاء الامر من أصله فلا يمكنه إيجاب الكفارة، وأما من ذهب إلى أنا لا نتبين عدم الامر فيحتمل منه التردد، إذ يحتمل أن يقول‏:‏ قد أفسد بالجماع الصوم الذي كان واجبا عليه، وقطع الصوم الواجب بحكم الوقت وإفساده يوجب الكفارة، يحتمل أن يقال‏:‏ وجبت الكفارة بإفساد صوم لا يتعرض للفساد والانقطاع قبل الغروب، وهذا متعرض له، فيكون هذا مانعا من الالحاق بالصوم، الذي يتعين الجماع لافساده، فإن قال قائل‏:‏ فلو علمت المرأة بالعادة أنها تحيض في أثناء النهار أو بقول نبي صادق حيضا أو جنونا أو موتا، فهل يلزمها الصوم حتى تصوم بعض اليوم‏؟‏ قلنا‏:‏ على مذهب المعتزلة لا ينبغي أن يلزم لان بعض اليوم غير مأمور به، وهي غير مأمورة بالكل، أما عندنا فالاظهر وجوبه، لان المرخص في الافطار لم يوجد، والامر قائم في الحال، والميسور لا يسقط بالمعسور، فإن قال قائل‏:‏ لو قال‏:‏ إن صليت أو شرعت في الصلاة أو الصوم فزوجتي طالق ثم شرع ثم أفسد أو مات أو جن قبل الاتمام فقد اختلفوا في وقوع الطلاق، فهل يلتفت هذا إلى هذا الأصل‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم، قياس مذهب المعتزلة أن لا يحنث، لان بعض الصوم ليس بصوم، والفاسد ليس بصوم، وقد تبين ذلك بالآخرة، وعلى مذهبنا ينبغي أن يحنث، وهذه صلاة في الحال، وتمامها مقيد بالشرط، حتى لو قال‏:‏ والله لاعتكفن صائما، أوان اعتكفت صائما فزوجتي طالق ثلاثا، فاعتكف ساعة صائما ثم جن أو مات لم تجب الكفارة في تركته ولم ترثه زوجته‏.‏ ولا تخلو هذه المسائل عن الالتفات إلى هذا الأصل، ولو قال‏:‏ إن أمرت عبدي فزوجتي طالق، ثم قال‏:‏ صم غدا، طلقت زوجته، فإن مات قبل الغد فلا يتبين انتفاء الطلاق، ولو قال‏:‏ إن وكلت وكيلا فزوجتي طالق، وإن عزلت وكيلا فعبدي حر‏.‏ ثم وكل من يبيع داره غدا ثم عزل قبل الغد طلقت زوجته وعتق عبده‏.‏ الشبهة الثانية‏:‏ وهي الاقوى، قولهم‏:‏ إن الامر طلب، فلا يقوم بذات من يعلم امتناع وجود المأمور، فكيف يقوم بذات السيد طلب الخياطة إن صعد العبد إلى السماء، وهو يعلم أنه لا يصعد، نعم يمكن أن يقول‏:‏ خط إن صعدت إلى السماء، لكنه صيغة أمر، ولا يقوم الطلب بذاته، كما لو قال له‏:‏ اصعد إلى السماء، لم يكن أمرا لعجزه، وعلم الآمر بامتناعه إلا على مذهب من يجوز تكليف ما لا يطاق، وأنتم قد ملتم إلى منع تكليف المحال، وبه يفارق الآمر الجاهل فإن من لا يعرف عجز عبده عن القيام يتصور أن يقول‏:‏ قم ويقوم بذاته الطلب، أما إذا علم عجزه فلا يقوم بذاته طلب الممتنع، وهذا التحقيق، وهو أن الجهل إذا كان شرطا لقيام هذا الامر بذاته فالمؤثر في صفة ذاته جهله لا جهل المأمور، فهما علم الآمر عدم الشرط، فكيف يكون طالبا، وإذا لم يكن طالبا فكيف يكون آمرا، والآمر هو الطلب، هذا واقع، والجواب‏:‏ أن هذا لا يصح من المعتزلة مع إنكارهم كلام النفس، أما عندنا فليس المراد بالطلب الذي هو معنى الامر إرادة وتشوقا، لان المعاصي عندنا مرادة وهي غير مأمور بها، والطاعات مأمور بها، وقد لا تكون مرادة، فإن ما أراد الله واقع، والتشوق على الله محال، وإنما معناه اقتضاء فعله لمصلحة العبد، ولكنه يكون توطئة للنفس على عزم الامتثال أو الترك لما يخالفه لطفا به في الاستعداد والانحراف عن الفساد، وهذا لطف متصور من الله تعالى، ويتصور أيضا من السيد أن يستصلح عبده بأوامر ينجزها عليه، مع عزمه على نسخ الامر قبل الامتثال، امتحانا للعبد واستصلاحا له، وكل أمر مقيد بشرط أن لا ينسخ، وكوكالة مقيدة بشرط أن لا يعزل الوكيل، وقوله‏:‏ وكلتك ببيع العبد غدا، مع العلم بأنه سيعتق العبد قبل الغد وكالة في الحال يقصد بها استمالة الوكيل مثلا وامتحانه في إظهار الاستبشار بأمره أو الكراهية، فكل ذلك معقول لهذه الفائدة، وليس تحت الامر إلا أنه اقتضاء من هذا الجنس والله أعلم‏.‏ لقول في صيغة النهي اعلم أن ما ذكرناه من مسائل الاوامر تتضح به أحكام النواهي، إذ لكل مسألة وزان من النهي على العكس، فلا حاجة إلى التكرار، ولكنا نتعرض لمسائل لابد من افرادها بالكلام‏.‏

مسألة ‏(‏هل النهي يقتضي الفساد‏)‏

اختلفوا في أن النهي عن البيع والنكاح والتصرفات المفيدة للاحكام هل يقتضي فسادها‏؟‏ فذهب الجماهير إلى أنه يقتضي فسادها، وذهب قوم إلى أنه إن كان نهيا عنه لعينه دل على الفساد، وإن كان لغيره فلا، والمختار أنه لا يقتضي الفساد، وبيانه أنا نعني بالفساد تخلف الاحكام عنها وخروجها عن كونها أسبابا مفيدة للاحكام، ولو صرح الشارع وقال‏:‏ حرمت عليك إستيلاد جارية الابن ونهيتك عنه لعينه، لكن إن فعلت ملكت الجارية، ونهيتك عن الطلاق في الحيض لعينه لكن إن فعلت بانت زوجتك، ونهيتك عن إزالة النجاسة عن الثوب بالماء المغصوب لكن إن فعلت طهر الثوب، ونهيتك عن ذبح شاة الغير بسكين الغير من غير إذن، لكن إن فعلت حلت الذبيحة، فشئ من هذا ليس يمتنع ولا يتناقض، بخلاف قوله‏:‏ حرمت عليك الطلاق وأمرتك به، أو أبحثه لك، وحرمت عليك الاستيلاد لجارية الابن وأوجبته عليك، فإن ذلك متناقض لا يعقل، لان التحريم يضاد الايجاب ولا يضاده كون المحرم منصوبا علامة على حصول الملك والحل وسائر الاحكام، إذ يتناقض أن يقول‏:‏ حرمت الزنا وأبحته، ولا يتناقض أن يقول‏:‏ حرمت الزنا وجعلت الفعل الحرام في عينه سببا لحصول الملك في العوضين، فإن شرط التحريم التعرض لعقاب الآخرة فقط دون تخلف الثمرات والاحكام عنه، فإذا ثبت هذا فقوله‏:‏ لا تبع، ولا تطلق، ولا تنكح لو دل على تخلف الاحكام وهو المراد بالفساد فلا يخلو إما أن يدل من حيث اللغة أو من حيث الشرع، ومحال أن يدل من حيث اللغة، لان العرب قد تنهى عن الطاعات وعن الاسباب المشروعة وتعتقد ذلك نهيا حقيقيا دالا على أن المنهي ينبغي أن لا يوجد، أما الاحكام فإنها شرعية لا يناسبها اللفظ من حيث وضع اللسان، إذ يعقل أن يقول العربي‏:‏ هذا العقد الذي يفيد الملك والاحكام إياك أن تفعله وتقدم عليه، ولو صرح به الشارع أيضا لكان منتظما مفهوما، أما من حيث الشرع فلو قام دليل على أن النهي للافساد ونقل ذلك عن النبي عليه السلام صريحا لكان ذلك من جهة الشرع تصرفا في اللغة بالتغيير، أو كان النهي من جهته منصوبا علامة على الفساد، ويجب قبول ذلك ولكن الشأن في إثبات هذه الحجة ونقلها، وشبههم الشرعية أربع‏:‏ الشبهة الأولى‏:‏ قولهم إن المنهي عنه قبيح ومعصية، فكيف يكون مشروعا‏؟‏ قلنا‏:‏ إن أردتم بالمشروع كونه مأمورا به أو مباحا أو مندوبا فذلك محال، ولسنا نقول به، وإن عنيتم به كونه منصوبا علامة للملك أو الحال أو حكم من الاحكام ففيه وقع النزاع، فلم ادعيتم استحالته ولم يستحل أن يحرم الاستيلاد وينصب سببا لملك الجارية ويحرم الطلاق وينصب سببا للفراق، بل لا يستحيل أن ينهي عن الصلاة في الدار المغصوبة وتنصب سببا لبراءة الذمة وسقوط الفرض‏.‏ الشبهة الثانية‏:‏ قولهم إن النهي لا يرد من الشارع في البيع والنكاح إلا لبيان خروجه عن كونه مملكا أو مشروعا، قلنا‏:‏ في هذا وقع النزاع الدليل عليه، وكم من بيع ونكاح ونهي عنه وبقي سببا للافادة، فما هذا التحكم‏؟‏ الشبهة الثالثة‏:‏ قوله عليه السلام‏:‏ كل عمل ليس عليه أمرنا فهو ردو من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد قلنا‏:‏ معنى قوله‏:‏ رد، أي غير مقبول طاعة وقربة ولا شك في أن المجرم لا يقع طاعة‏.‏ أما أن لا يكون سببا للحكم فلا، فإن الاستيلاد والطلاق وذبح شاة الغير ليس عليه أمرنا، ثم ليس برد بهذا المعنى‏.‏ الشبهة الرابعة‏:‏ قولهم أجمع سلف الامة على الاستدلال بالمناهي على الفساد ففهموا فساد الربا من قوله‏:‏ ‏{‏وذروا ما بقي من الربا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 122‏)‏ واحتج ابن عمر رضي الله عنه في فساد نكاح المشركات بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا المشركات حتى يؤمن‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 322‏)‏ وفي نكاح المحارم بالنهي، قلنا‏:‏ هذا يصح من بعض الامة أما من جميع الامة فلا يصح، ولا حجة في قول البعض، نعم‏:‏ يتمسك به في التحريم والمنع أما في الافساد فلا‏.‏

مسألة ‏(‏الفرق بين الفساد والبطلان‏)‏

الذين اتفقوا على أن النهي عن التصرفات لا يدل على فسادها، اختلفوا في أنه هل يدل على صحتها‏؟‏ فنقل أبو زيد عن محمد بن الحسن وأبي حنيفة أنه يدل على الصحة، وأنه يستدل بالنهي عن صوم يوم النحر على انعقاده، فإنه لو استحال انقعاد لما نهي عنه فإن المحال لا ينهي عنه، كما لا يؤمر، فلا يقال للاعمى‏:‏ لا تبصر، كما لا يقال له‏:‏ أبصر فزعموا أن النهي عن الزنا يدل على انعقاده، وهذا فاسد، لانا بينا أن الامر بمجرده لا يدل على الاجزاء والصحة، فكيف يدل عليه النهي‏؟‏ بل الامر والنهي يدل على اقتضاء الفعل واقتضاء الترك فقط، أو على الوجوب والتحريم فقط، أما حصول الاجزاء والفائدة أو نفيهما فيحتاج إلى دليل آخر، واللفظ من حيث اللغة غير موضوع لهذه القضايا بالشرعية، وأما من حيث الشرع فلو قال الشارع‏:‏ إذا نهيتكم عن أمر أردت به صحته لتلقيناه منه، ولكنه لم يثبت ذلك صريحا لا بالتواتر ولا بنقل الآحاد، وليس من ضرورة المأمور أن يكون صحيحا مجزئا فكيف يكون من ضرورة المنهي ذلك، فإذا لم يثبت ذلك شرعا ولغة وضرورة بمقتضى اللفظ فالمصير إليه تحكم، بل الاستدلال به على فساده أقرب من الاستدلال به على صحته، فإن قيل‏:‏ المحال لا ينهي عنه، لان الامر كما يقتضي مأمورا يمكن امتثاله، فالنهي يقتضي منهيا يمكن ارتكابه، فصوم يوم النحر إذا نهى عنه ينبغي أن يصح ارتكابه ويكون صوما، فاسم الصوم للصوم الشرعي لا للامساك‏.‏ فإنه صوم لغة لا شرعا، والاسامي الشرعية تحمل على موضوع الشرع هذا هو الأصل، ولا يلزم عليه قوله‏:‏ دعي الصلاة أيام أقرائك وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏}‏ النساء‏:‏ 22‏)‏ لانه حمل النكاح والصلاة بالمعنى اللغوي على خلاف الوضعي بدليل دل عليه، ولا يلزم عليه قوله عليه السلام‏:‏ لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بشهود، لان ذلك نفي، وليس نهيا، قلنا‏:‏ الأصل أن الاسم لموضوعه اللغوي إلا ما صرفه عنه عرف الاستعمال في الشرع وقد ألفينا عرف الشرع في الاوامر أنه يستعمل الصوم والنكاح والبيع لمعانيها الشرعية، أما في المنهيات فلم يثبت هذا العرف المغير للوضع، بدليل قوله‏:‏ دعي الصلاة أيام أقرائك ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏}‏ وأمثال هذه المناهي مما لا ينعقد أصلا، ولم يثبت فيه عرف استعمال الشرع، فيرجع إلى أصل الوضع، ونقول‏:‏ إذا تعارض فيه عرف الشرع والوضع فمن صام يوم النحر فقد ارتكب النهي وإن لم ينعقد صومه، ويكون هذا أولى، لان مذهبهم يفضي إلى صرف النهي عن ذلك المنهي عنه إلى غيره‏.‏ فإنه لو كان منهيا في عينه استحال أن يكون عبادة منعقدة، ومطلق النهي عن الشئ يدل على النهي عن عينه إلا أن يدل دليل، فلا معنى لترك الظاهر من غير ضرورة، فإن قيل‏:‏ فإذا اخترتم أن النهي لا يدل على الصحة ولا على الفساد في أسباب المعاملات، فما قولكم في النهي عن العبادات‏؟‏ قد بينا أن النهي يضاد كون المنهي عنه قربة وطاعة، لان الطاعة عبارة عما يوافق الامر، والامر والنهي متضادان، فعلى هذا صوم يوم النحر لا يكون منعقدا إن أريد بانعقاده كونه طاعة وقربة وامتثالا، لان النهي يضاده، وإذالم يكن قربة لم يلزم بالنذر، إذ لا يلزم بالنذر ما ليس بقربة نعم‏:‏ لو أمكن صرف النهي عن عين الصوم إلى ترك إجابة دعوة الله تعالى فذلك لا يمنع انعقاده، ولكن ذلك أيضا فاسد كما سبق في القطب الأول، وإن قيل فقد حمل بعض المناهي في الشرع على الفساد دون البعض، فما الفصل‏؟‏ قلنا‏:‏ النهي لا يدل على الفساد وإنما يعرف فساد العقد والعبادة بفوات شرطه وركنه، ويعرف فوات الشرط إما بالإجماع كالطهارة في الصلاة وستر العورة واستقبال القبلة، وإما بنص، وإما بصيغة النفي كقوله لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بشهود فذلك ظاهر في النفي عند عدم الشرط، وأما القياس على منصوص فكل نهي يتضمن ارتكابه الاخلال بالشرط فيدل على الفساد من حيث الاخلال بالشرط لا من حيث النهي، وشرط المبيع أن يكون مالا متقوما مقدورا على تسليمه معينا، أما كونه مرئيا ففي اشتراطه خلاف، وشرط الثمن أن يكون مالا معلوم القدر والجنس، وليس من شرط النكاح الصداق، فلذلك لم يفسد بكون النكاح على خمر أو خنزير أو مغصوب وإن كان منهيا عنه، ولا فرق بين الطلاق السني والبدعي في شرط النفوذ وإن اختلفا في التحريم، فإن قيل‏:‏ فلو قال قائل‏:‏ كل نهي رجع إلى عين الشئ فهو دليل الفساد دون ما يرجع إلى غيره، فهل يصح‏؟‏ قلنا‏:‏ لا، لانه لا فرق بين الطلاق في حال الحيض والصلاة في الدار المغصوبة، لانه إن أمكن أن يقال‏:‏ ليس منهيا عن الطلاق لعينه ولا عن الصلاة لعينها بل لوقوعه في حال الحيض، ولوقوعها في الدار المغصوبة، أمكن تقدير مثله في الصلاة في حال الحيض، فلا اعتماد إلا على فوات الشرط، ويعرف الشرط بدليل يدل عليه وعلى ارتباط الصحة به، ولا يعرف بمجرد النهي، فإنه لا يدل عليه وضعا وشرعا كما سبق في المسألة التي قبلها، وهذا القدر كاف في صيغة الامر والنهي فإن ما يتعلق منه بحقيقة الوجوب والتحريم ويضادهما ويوافقهما فقد ميزناه عما يتعلق بمقتضى الصيغة وقررناه في القطب الأول عند البحث عن حقيقة الحكم، فإن ذلك نظر عقلي وهذا نظر لغوي من حيث دلالة الالفاظ فلذلك ميزناه على خلاف عادة الاصوليين‏.‏

القسم الرابع من النظر في الصيغة القول في العام والخاص

ويشتمل على مقدمة وخمسة أبواب‏:‏

المقدمة

القول في حد العام والخاص ومعناهما أعلم أن العموم والخصوص من عوارض الالفاظ لامن عوارض المعاني والافعال‏.‏ والعام عبارة عن اللفظ الواحد الدال من جهة واحدة على شيئين فصاعدا مثل الرجال والمشركين ومن دخل الدار فأعطه درهما، ونظائره كما سيأتي تفصيل صيغ العموم، واحترزنا بقولنا‏:‏ من جهة واحدة، عن قولهم‏:‏ ضرب زيد عمرا، وعن قولهم‏:‏ ضرب زيدا عمرو، فإنه يدل على شيئين، ولكن بلفظين لا بلفظ واحد، ومن جهتين لا من جهة واحدة، وأعلم أن اللفظ إما خاص في ذاته مطلقا كقولك‏:‏ زيد وهذا الرجل، وإما عام مطلقا كالمذكور والمعلوم، إذ لا يخرج منه موجود ولا معدوم، وإما عام بالاضافة كلفظ المؤمنين، فإنه عام بالاضافة إلى آحاد المؤمنين خاص بالاضافة إلى جملتهم، إذ يتناولهم دون المشركين فكأنه يسمى عاما من حيث شموله لما شمله خاصا من حيث اقتصاره على ما شمله وقصوره عما لم يشمله، ومن هذا الوجه يمكن أن يقال‏:‏ ليس في الالفاظ عام مطلق، لان لفظ المعلوم لا يتناول المجهول، والمذكور لا يتناول المسكوت عنه، فإن قيل‏:‏ فلم قلتم، إن العموم من عوارض الالفاظ لا من عوارض المعاني والافعال، والعطاء فعل، وقد يعطي عمرا وزيدا وتقول عممهما بالعطاء، والوجود معنى، وهو يعم الجواهر والاعراض، قلنا‏:‏ عطاء زيد متميز عن عطاء عمرو من حيث أنه فعل، فليس في الوجود فعل واحد هو عطاء، وتكون نسبته إلى زيد وعمرو واحدة، وكذلك وجود السواد يفارق وجود البياض، وليس الوجود معنى واحدا حاصلا مشركا بينهما وإن كانت حقيقته واحدة في العقل وعمو الناس وقدرهم وإن كانت مشتركة في كونها علما وقدرة لا يوصف بأنه عموم، فقولنا‏:‏ الرجل له وجود في الاعيان وفي الاذهان وفي اللسان، أما وجوده في اللسان فلقط الرجل قد وضع للدلالة ونسبته في الدلالة إلى زيد وعمرو واحدة يسمى عاما باعتبار نسبة الدلالة إلى المدلولات الكثيرة، وأما ما في الاذهان من معنى الرجل فيسمى كليا من حيث أن العقل يأخذ من مشاهدة زيد حقيقة الانسان وحقيقة الرجل، فإذا رأى عمرا لم يأخذ منه صورة أخرى، وكان ما أخذه من قبل نسبته إلى عمرو والذي حدث الآن كنسبته إلى زيد الذي عهده أولا، فهذا معنى كليته، فإن سمي عاما بهذا فلا بأس، فإن قيل‏:‏ فهل يجوز أن يقال‏:‏ هذا عام مخصوص، وهذا عام قد خصص‏؟‏ قلنا‏:‏ لا، لان المذاهب ثلاثة‏:‏ مذهب أرباب الخصوص، ومذهب أرباب العموم، ومذهب الواقفية‏.‏ أما أرباب الخصوص‏:‏ فإنهم يقولون‏:‏ لفظ المشركين مثلا موضوع لاقل الجمع، وهو للخصوص، فكيف يقولون إنه عموم قد خصص‏.‏ وأما أرباب العموم‏:‏ فيقولون‏:‏ هو الاستغراق، فإن أريد به البعض فقد تجوز به عن حقيقته ووضعه، فلم يتصرف في الوضع ولم يغير حتى يقال إنه خصص العام أو هو عام مخصوص‏.‏ وأما الواقفية‏:‏ فإنهم يقولون‏:‏ إن اللفظ مشترك، وإنما ينزل على خصوص أو عموم بقرينة وإرادة معينة، كلفظ العين، فإن أريد به الخصوص فهو موضوع له، لا أنه عام قد خصص، وإن أريد به العموم فهو موضوع له، لا أنه خاص قد عمم فإذا هذا اللفظ مؤول، على كل مذهب، فيكون معناه أنه كان يصلح أن يقصد به العموم فقصد به الخصوص، وهذا على مذهب الوقف، وعلى مذهب الاستغراق أن وضعه للعموم واستعمل في غير وضعه مجازا فهو عام بالوضع، خاص بالارادة والتجوز، وإلا فالعام والخاص بالوضع لا ينقلب عن وضعه بإرادة المتكلم فإن قيل‏:‏ فما معنى قولهم‏:‏ خصص فلان عموم الآية والخبران كان العام لا يقبل التخصيص‏؟‏ قلنا‏:‏ تخصيص العام محال كما سبق، وتأويل هذا اللفظ أن يعرف أنه أريد باللفظ العام بالوضع أو الصالح لارادة العموم الخصوص، فيقال على سبيل التوسع لمن عرف ذلك أنه خصص العموم، أي عرف أنه أريد به الخصوص، ثم من لم يعرف ذلك لكن اعتقده أو ظنه أو أخبر عنه بلسانه أو نصب الدليل عليه يسمى مخصصا، وإنما هو معرف ومخبر عن إرادة المتكلم، ومستدل عليه بالقرائن، لا أنه مخصص بنفسه، هذه هي المقدمة‏.‏ أما الابواب فهي خمسة‏:‏ الباب الأول‏:‏ في أن العموم هل له صيغة أم لا واختلاف المذاهب فيه‏.‏ الباب الثاني‏:‏ في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن‏.‏ الباب الثالث‏:‏ في تفصيل الأدلة المخصصة‏.‏ الباب الرابع‏:‏ في تعارض العمومين‏.‏ الباب الخامس‏:‏ في الاستثناء والشرط‏.‏

الباب الأول في أن العموم هل له صيغة في اللغة أم لا‏؟‏

ولنشرح أولا صيغ العموم عند القائلين بها، ثم اختلاف المذاهب، ثم أدلة أرباب الخصوص، ثم أدلة أرباب العموم، ثم أدلة أرباب الوقف، ثم المختار فيه عندنا، ثم حكم العام عند القائلين به إذا دخله التخصيص فهذه سبعة فصول في صيغ العموم‏.‏ وأعلم أنها عند القائلين بها خمسة أنواع‏:‏ الأول‏:‏ ألفاظ الجموع، أما المعرفة كالرجال والمشركين، وأما المنكرة كقولهم‏:‏ رجال ومشركون، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏ما لنا لا نرى رجالا‏}‏ ‏(‏ص‏:‏ 26‏)‏ والمعرفة للعموم إذا لم يقصد بها تعريف المعهود كقولهم‏:‏ أقبل الرجل والرجال، أي المعهودون المنتظرون‏.‏ الثاني‏:‏ من وما إذا ورد للشرط والجزاء، كقوله عليه السلام‏:‏ من أحيا أرضا ميتة فهي له‏.‏ وعلى اليد ما أخذت حتى تؤديه وفي معناه متى وأين للمكان والزمان، كقوله‏:‏ متى جئتني أكرمتك، وأينما كنت أتيتك‏.‏ الثالث‏:‏ ألفاظ النفي، كقولك‏:‏ ما جاءني أحد، وما في الدار ديار‏.‏ الرابع‏:‏ الاسم المفرد إذا دخل عليه الالف واللام لا للتعريف، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الانسان لفي خسر‏}‏ ‏(‏العصر‏:‏ 2‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 83‏)‏ أما النكرة، كقولك‏:‏ مشرك وسارق، فلا يتناول إلا واحدا‏.‏ الخامس‏:‏ الالفاظ المؤكدة، كقولهم‏:‏ كل وجميع وأجمعون وأكتعون‏.‏ تفصيل المذاهب‏:‏ أعلم أن الناس اختلفوا في هذه الانواع الخمسة على ثلاثة مذاهب‏:‏ فقال قوم يلقبون بأرباب الخصوص‏:‏ إنه موضوع لاقل الجمع، وهو إما اثنان وإما ثلاثة على ما سيأتي الخلاف فيه، وقال أرباب العموم‏:‏ هو للاستغراق بالوضع، إلا أن يتجوز به عن وضعه، وقالت الواقفية‏:‏ لم يوضع لا لخصوص ولا لعموم، بل أقل الجمع داخل فيه لضرورة صدق اللفظ بحكم الوضع، وهو بالاضافة إلى الاستغراق للجميع أو الاقتصار على الاقل، أو تناول صنف أو عدد بين الاقل، والاستغراق مشترك يصلح لكل واحد من الاقسام كاشتراك لفظ الفرقة والنفر بين الثلاثة والخمسة والستة، إذ يصلح لكل واحد منهم، فليس مخصوصا في الوضع بعدد، وإن كنا نعلم أن أقل الجمع لا بد منه ليجوز إطلاقه ثم أرباب العموم اختلفوا في التفصيل في ثلاث مسائل‏:‏ الأولى‏:‏ الفرق بين المعرف والمنكر، فقال الجمهور‏:‏ لا فرق بين قولنا‏:‏ اضربوا الرجال، وبين قولنا‏:‏ اضربوا رجالا واقتلوا المشركين وأقتلوا مشركين، وإليه ذهب الجبائي، وقال قوم‏:‏ يدل المنكر على جمع غير معين ولا مقدر، ولا يدل على الاستغراق وهو الاظهر‏.‏ الثاني‏:‏ اختلفوا في الجمع المعرف بالالف واللام، كالسارقين والمشركين والفقراء والمساكين والعاملين، فقال قوم‏:‏ هو للاستغراق، وقال قوم‏:‏ هو لاقل الجمع، ولا يحمل على الاستغراق إلا بدليل، والأول أقوى وأليق بمذاهب أرباب العموم‏.‏ الثالثة‏:‏ الاسم المفرد إذا دخل عليه الالف واللام، كقولهم‏:‏ الدينار خير من الدرهم، فمنهم من قال‏:‏ هو لتعريف الواحد فقط، وذلك في تعريف المعهود، وقال قوم‏:‏ هو للاستغراق، وقال قوم‏:‏ يصلح للواحد والجنس ولبعض الجنس، فهو مشترك، ومذهب الواقفية أن جميع هذه الالفاظ مشتركة، ولم يبق منها شئ للاستغراق حتى كل وكلما وأي والذي ومن وما، واختلفوا في مسألة واحدة، فقال قوم‏:‏ إنما التوقف في العموم الواردة في الاخبار والوعد والوعيد، أما الامر والنهي فلا‏.‏ فإنا متعبدون بفهمه ولو كان مشتركا لكان مجملا غير مفهوم، وهذا فاسد لا يليق بمذهب الواقفية، لان دليلهم لا يفرق بين جنس وجنس، إذ العرب تريد بصيغ الجمع البعض في كل جنس كما تريد الكل، ويستوي في ذلك قولهم، فعلوا وافعلوا، وقولهم‏:‏ قتل المشركون واقتلوا المشركين، ولان من الاخبار ما تعبد بفهمه، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو بكل شئ عليم‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 92‏)‏، ‏(‏الانعام‏:‏ 101‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها‏}‏ ‏(‏هود‏:‏ 6‏)‏ ‏(‏تنبيه‏)‏‏:‏ لا ينبغي أن يقول الواقفية الوقف في ألفاظ العموم جائز وفيما مخرجه مخرج العموم واجب، فقد أطلق ذلك الشيخ أبو الحسن الاشعري وجماعة، لان المتوقف لا يسلم أنه لفظ العموم كما لا يسلم أنه لفظ الخصوص إلا أن يعني به أنه لفظ العموم عند معتقدي العموم بل ينبغي أن يقول‏:‏ التوقف في صيغ الجموع وأدوات الشرط واجب‏.‏ القول في أدلة أرباب العموم ونقضهاوهي خمسة‏:‏ الدليل الأول‏:‏ أن أهل اللغة بل أهل جميع اللغات كما عقلوا الاعداد والانواع والاشخاص والاجناس ووضعوا لكل واحدا اسما لحاجتهم إليه، عقلوا أيضا معنى العموم واستغراق الجنس واحتاجوا إليه، فكيف لم يضعوا له صيغة ولفظا‏؟‏ الاعتراض من أربعة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن هذا قياس واستدلال في اللغات، واللغة تثبت توقيفا ونقلا لا قياسا واستدلالا، بل هي كسنن الرسول عليه السلام، وليس لقائل أن يقول‏:‏ الشارع كما عرف الاشياء الستة وجريان الربا فيها ومست إليه حاجة الخلق ونص عليها فينبغي أن يكون قد نص على سائر الربويات، وهذا فاسد‏.‏ الثاني‏:‏ أنه وإن سلم أن ذلك واجب في الحكمة، فمن يسلم عصمة واضعي اللغة حتى لا يخالفوا الحكمة في وضعها، وهم في حكم من يترك مالا تقتضي الحكمة تركه‏.‏ الثالث‏:‏ إن هذا منقوض، فإن العرب عقلت الماضي والمستقبل والحال، ثم لم تضع للحال لفظا مخصوصا حتى لزم استعمال المستقبل أو اسم الفاعل فيها، فتقول‏:‏ رأيته يضرب أو ضاربا، ثم كما عقلت الالوان عقلت الروائح، ثم لم تضع للروائح أسامي حتى لزم تعريفها بالاضافة فيقال‏:‏ ريح المسك، وريح العود، ولا يقال‏:‏ لون الدم ولون الزعفران، بل أصفر أو أحمر‏.‏ الرابع‏:‏ أنا لا نسلم أنهم لم يضعوا للعموم لفظا، كما لا نسلم أنهم لم يضعوا للعين الباصرة لفظا، وإن كان العين مشتركا بين أشياء لم يخرج عن كونه موضوعا له، وإن لم يكن وقفا عليه بل صالحا له ولغيره، وكذلك صيغ الجموع مشتركة بين العموم والخصوص‏.‏ الدليل الثاني‏:‏ أنه يحسن أن تقول‏:‏ اقتلوا المشركين إلا زيدا، ومن دخل الدار فأكرمه إلا الفاسق، ومن عصاني عاقبته إلا المعتذر، ومعنى الاستثناء‏:‏ إخراج ما لولاه لوجب دخوله تحت اللفظ، إذ لا يجوز أن تقول‏:‏ اكرم الناس إلا الثور، الاعتراض أن للاستثناء فائدتين إحداهما‏:‏ ما ذكرتموه، وهو إخراج ما يجب دخوله تحت اللفظ، كقوله‏:‏ علي عشرة إلا ثلاثة، والثاني‏:‏ ما يصلح أن يدخل تحته ويتوهم أن يكون مرادا به وهذا صالح لان يدخل تحت اللفظ، والاستثناء لقطع صلاحيته لا لقطع وجوبه، بخلاف الثور، إن لفظ الناس لا يصلح لارادته‏.‏ الدليل الثالث‏:‏ أن تأكيد الشئ ينبغي أن يكون موافقا لمعناه ومطابقا له وتأكيدا لخصوص غير تأكيد العموم، إذ يقال‏:‏ اضرب زيدا نفسه، واضرب الرجال أجمعين أكتعين، ولا يقال‏:‏ اضرب زيدا كلهم‏.‏ الاعتراض أن الخصم يسلم أن لفظ الجمع يتناول قوما، وهو أقل الجمع فما زاد، ويجوز أن يقال‏:‏ اضرب القوم كلهم، لان للقوم كلية وجزئية، أما زيد والواحد المعين ليس له بعض، فليس فيه كل، وكما أن الفظ العموم لا يتعين مبلغ المراد منه بعد مجاوزة أقل الجمع، فكذلك لفظ المشركين والمؤمنين، والكلام في أنه لاستغراق الجنس أو لاقل الجمع أو لعدد بين الدرجتين وكيفما كان، فلفظ الكلية لائق به، فإن قيل‏:‏ فإذا قال‏:‏ أكرم الناس أكتعين أجمعين كلهم وكافتهم ينبغي أن يدل هذا على الاستغراق، ثم يكون الدال هو المؤكد دون التأكيد، فإن التأكيد تابع، وإنما يؤكد بالاستغراق ما يدل على استغراق الجماعة الذين أرادهم بلفظ الناس، قلنا‏:‏ لا يشعر بالاستغراق، كما لو قال‏:‏ أكرم الفرقة والطائفة كلهم وكافتهم وجملتهم، لم يتغير به مفهوم لفظ الفرقة، ولم يتعين للاكثر، بل نقول‏:‏ لو كان لفظ الناس يدل على الاستغراق لم يحسن أن يقول‏:‏ كافتهم وجملتهم فإنما تذكر هذه الزيادة لمزيد فائدة فهو مشعر بنقيض غرضهم‏.‏ الدليل الرابع‏:‏ أن صيغ العموم باطل أن تكون لاقل الجمع خاصة كما سيأتي، وباطل أن تكون مشتركا، إذ يبقى مجهولا، ولا يفهم إلا بقرينة، وتلك القرينة لفظ أو معنى، فإن كان لفظا فالنزاع في ذلك اللفظ قائم، فإن الخلاف في أنه‏:‏ هل وضع العرب صيغة تدل على الاستغراق أم لا‏؟‏ وإن كان معنى فالمعنى تابع للفظ، فكيف تزيد دلالته على اللفظ‏؟‏ الاعتراض‏:‏ إن قصد الاستغراق يعلم بعلم ضروري يحصل عن قرائن أحوال ورموز وإشارات وحركات من المتكلم وتغيرات في وجهه، وأمور معلومة من عادته ومقاصده، وقرائن مختلفة لا يمكن حصرها في جنس ولا ضبطها بوصف، بل هي كالقرائن التي يعلم بها خجل الخجل ووجل الوجل وجبن الجبان، وكما يعلم قصد المتكلم إذا قال‏:‏ السلام عليكم، أنه يريد التحية، أو الاستهزاء واللهو، ومن جملة القرائن فعل المتكلم، فإنه إذا قال‏:‏ على المائدة هات الماء، فهم أنه يريد الماء العذب البارد دون الحار الملح، وقد تكون دليل العقل كعموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو بكل شئ عليم‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 92‏)‏، ‏(‏الانعام‏:‏ 101‏)‏، ‏{‏وما من دابة في الارض إلا على الله رزقها‏}‏ وخصوص قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الله خالق كل شئ وهو على كل شئ وكيل‏}‏ ‏(‏الزمر‏:‏ 62‏)‏ إذ لا يدخل فيه ذاته وصفاته، ومن جملته تكرير الالفاظ المؤكدة، كقوله‏:‏ اضرب الجناة، وأكرم المؤمنين كافتهم، صغيرهم وكبيرهم، شيخهم وشابهم، ذكرهم وأنثاهم، كيف كانوا وعلى أي وجه وصورة كانوا، ولا تغادر منهم أحدا بسبب من الاسباب ووجه من الوجوه، ولا يزال يؤكد حتى يحصل علم ضروري بمراده، أما قولهم ما ليس بلفظ فهو تابع للفظ فهو فاسد، فمن سلم أن حركة المتكلم وأخلاقه وعادته وأفعاله وتغير لونه وتقطيب وجهه وجبينه وحركة رأسه وتقليب عينيه تابع للفظه، بل هذه أدلة مستقلة يفيد اقتران جملة علوما ضرورية، فإن قيل‏:‏ فبم عرفت الامة عموم ألفاظ الكتاب والسنة وإن لم يفهموه من اللفظ، وبم عرف الرسول من جبريل، وجبريل من الله تعالى، حتى عمموا الاحكام‏؟‏ قلنا‏:‏ أما الصحابة رضوان الله عليهم فقد عرفوه بقرائن أحوال النبي عليه السلام وتكريراته وعادته المتكررة، وعلم التابعون بقرائن أحوال الصحابة وإشاراتهم، ورموزهم وتكريراتهم المختلفة، وأما جبريل عليه السلام فإن سمع من الله بغير واسطة، فالله تعالى يخلق له العلم الضروري بما يريده بالخطاب بكلامه المخالف لاجناس كلام الخلق، وإن رآه جبريل في اللوح المحفوظ فبأن يراه مكتوبا بلغة ملكية ودلالة قطعية لا احتمال فيها‏.‏ الدليل الخامس‏:‏ وهو عمدتهم‏:‏ إجماع الصحابة فإنهم وأهل اللغة بأجمعهم أجروا ألفاظ الكتاب والسنة على العموم، إلا ما دل الدليل على تخصيصه، وإنهم كانوا يطلبون دليل الخصوص لا دليل العموم، فعملوا بقول الله تعالى‏:‏ ‏{‏يوصيكم الله في أولادكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 11‏)‏ واستدلوا به على إرث فاطمة رضي الله عنها، حتى نقل أبو بكر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ نحن معاشر الانبياء لا نورث وقوله‏:‏ ‏{‏الزانية والزاني‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 2‏)‏، ‏{‏والسارق والسارقة‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 83‏}‏ ‏(‏ومن قتل مظلوما‏}‏ ‏(‏الاسراء‏:‏ 33‏}‏ ‏(‏وذروا ما بقي من الربا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 872‏}‏ ‏(‏ولا تقتلوا أنفسكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏}‏ ‏(‏لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 59‏)‏ ولا وصية لوارث ولا تنكح المرأة على عمتها وخالتها ومن ألقى سلاحه فهو آمن ولا يرث القاتل ولا يقتل والد بولده إلى غير ذلك مما لا يحصى، ويدل عليه‏:‏ أنه لما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لا يستوي القاعدون من المؤمنين‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 59‏)‏ الآية قال ابن أم مكتوم ما قال، وكان ضريرا فنزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏غير اولى الضرر‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 59‏)‏ فشمل الضرير وغيره عموم لفظ المؤمنين ولما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون‏}‏ ‏(‏الانبياء‏:‏ 89‏)‏ قال بعض اليهود‏:‏ أنا أخصم لكم محمدا، فجاءه وقال‏:‏ قد عبدت الملائكة وعبد المسيح، فيجب أن يكونوا من حطب جهنم، فأنزل الله عزوجل‏:‏ ‏{‏إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون‏}‏ ‏(‏الانبياء‏:‏ 101‏)‏ تنبيها على التخصيص، ولم ينكر النبي عليه السلام والصحابة رضي الله عنهم تعلقه بالعموم، وما قالوا له‏:‏ لم استدللت بلفظ مشترك مجمل‏؟‏ ولما نزل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 28‏)‏ قالت الصحابة‏:‏ فأينا لم يظلم، فبين أنه إنما أراد ظلم النفاق والكفر، واحتج عمر رضي الله عنه على أبي بكر الصديق رضي الله عنه بقوله عليه السلام‏:‏ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا‏:‏ لا إله إلا الله، فدفعه أبو بكر بقوله‏:‏ إلا بحقها ولم ينكر عليه التعلق بالعموم، وهذا وأمثاله لا تنحصر حكايته الاعتراض من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن هذا إن صح من بعض الامة فلا يصح من جميعهم، فلا يبعد من بعض الامة اعتقاد العموم، فإنه الاسبق إلى أكثر الافهام، ولا يسلم صحة ذلك على كافة الصحابة‏.‏ الثاني‏:‏ إنه لو نقل ما ذكروه عن جملة الصحابة، فلم ينقل عنهم قولهم على التواتر إنا حكمنا في هذه المسائل بمجرد العموم لاجل اللفظ من غير التفات إلى قرينة، فلعل بعضهم قضى باللفظ مع القرينة المسوية بين المراد باللفظ وبين بقية المسميات، لعلمه بأنه لا مدخل في التأثير للفارق بين محل القطع ومحل الشك، والخلاف راجع إلى أن العموم متمسك به بشرط انتفاء قرينة مخصصة أو بشرط اقتران قرينة مسوية بين المسميات، ولم يصرح الصحابة بحقيقة هذه المسألة ومجرى الخلاف فيها، وأنه متمسك به بشرط انتفاء المخصص لا بشرط وجود القرينة المسوية‏.‏ شبه أرباب الخصوص ذهب قوم إلى أن لفظ الفقراء والمساكين والمشركين ينزل على أقل الجمع، واستدلوا بأنه القدر المستيقن دخوله تحت اللفظ‏.‏ والباقي مشكوك فيه، ولا سبيل إلى إثبات حكم بالشك، وهذا استدلال فاسد، لان كون هذا القدر مستيقنا لا يدل على كونه مجازا في الزيادة، والخلاف في أنه لو أريد به الزيادة لكان حقيقة أو مجازا، فإن الثلاثة مستيقنة من لفظ العشرة، ولا يوجب كونه مجازا في الباقي وكون ارتفاع الحرج معلوما من صيغة الامر لا يوجب كونه مجازا في الوجوب والندب، وكون الواحد مستيقنا من لفظ الناس لا يوجب كونه مجازا في الباقي، وكون الندب مستقينا من الامر لا يوجب كونه مجازا في الوجوب، وكون الفعلة الواحدة مستيقنة في الامر لا يوجب كونه مجازا في التكرار، وكون البدار معلوما في الامر لا يوجب كونه مجازا في التراخي، ثم نقول‏:‏ هذا متناقض، لان قولهم‏:‏ إن الثلاثة هو المفهوم فقط، يناقض قولهم‏:‏ الباقي مشكوك، لانه إن كان هو المفهوم فقط فالباقي غير داخل قطعا‏.‏ وإن كانوا شاكين في الباقي، فقد شكوا في نفس المسألة، فإن الخلاف في الباقي وأخطأوا في قولهم إن الثلاثة مفهومه فقط‏.‏ شبه أرباب الوقف قد ذهب القاضي والاشعري وجماعة من المتكلمين إلى الوقف، ولهم شبه ثلاث‏:‏ الأولى‏:‏ أن كون هذه الصيغ موضوعة للعموم لا يخلو إما أن تعرف بعقل أو نقل، والنقل إما نقل عن أهل اللغة أو نقل عن الشارع، وكل واحد إما آحاد وإما تواتر، والآحاد لا حجة فيها، والتواتر لا يمكن دعواه، فإنه لو كان لافاد علما ضروريا، والعقل لا مدخل له في اللغات وهلم جرا، إلى تمام الدليل الذي سقناه في بيان أن صيغة الامر مترددة بين الايجاب والندب، الاعتراض‏:‏ أن هذا مطالبة بالدليل، وليس بدليل، ومسلم أنه إن لم يدل دليل، فلا سبيل إلى القول به، وسنذكر وجه الدليل عليه إن شاء الله‏.‏ الثانية‏:‏ إنا لما رأينا العرب تستعمل لفظ العين في مسمياته، ولفظ اللون في السواد والبياض والحمرة، استعمالا واحدا متشابها، قضينا بأنه مشترك، فمن ادعى أنه حقيقة في واحد ومجاز في الآخر فهو متحكم، وكذلك رأيناهم يستعملون هذه الصيغ للعموم والخصوص جميعا بل استعمالهم لها في الخصوص أكثر، فقلما وجد في الكتاب والسنة والكلمات المطلقة في المحاورات ما لا يتطرق إليه التخصيص، فمن زعم أنه مجاز في الخصوص حقيقة، في العموم كان كمن قال‏:‏ هو حقيقة في الخصوص مجاز في العموم، والقولان متقابلان فيجب تدافعهما والاعتراف بالاشتراك‏.‏ الاعتراض‏:‏ إن هذا أيضا يرجع إلى المطالبة بالدليل وليس بدليل، لان العرب تستعمل المجاز والحقيقة كما تستعمل اللفظ المشترك، ولم تقيموا دليلا على أن هذا ليس من قبيل المجاز والحقيقة بل طالبتم بالدليل على أن هذا ليس من المشترك‏.‏ الشبهة الثالثة‏:‏ قولهم‏:‏ إنه كم يحسن الاستفهام في قوله‏:‏ افعل إنه للوجوب أو الندب، فيحسن الاستفهام في صيغ الجمع أنه أريد به البعض أو الكل، فإنه إذا قال السيد لعبده من أخذ مالي فأقتله، يحسن أن يقول‏:‏ وإن كان إباك أو ولدك، فيقول‏:‏ لا أو نعم، ويقول‏:‏ من أطاعني فأكرمه، فيقول وإن كان كافرا أو فاسقا فيقول‏:‏ لا أو نعم، فكل ذلك مما يحسن، فلو قال اقتل كل مشرك، فيقول‏:‏ والمؤمن أيضا اقتله أم لا‏؟‏ فلا يحسن هذا الاستفهام لظهور التجوز به عن الخصوص، قلنا‏:‏ المجاز إذا كثر استعماله كان للمستفهم الاحتياط في طلبه، أو يحسن إذا عرف من عادة المتكلم أنه يهين الفاسق والكافر وإن أطاعه، ويسامح الاب في بذل المال والقرينة تشهد للخصوص واللفظ يشهد للعموم ويتعارض ما يورث الشك فيحسن الاستفهام‏.‏ بيان الطريق المختار عندنا في إثبات العموم أعلم أن هذ النظر لا يختص بلغة العرب، بل هو جار في جميع اللغات، لان صيغ العموم محتاج إليها في جميع اللغات، فيبعد أن يغفل عنها جميع أصناف الخلق، فلا يضعونها مع الحاجة إليها، ويدل على وضعها توجه الاعتراض على من عصى الامر العام، وسقوط الاعتراض عمن أطاع، ولزوم النقض والخلف عن الخبر العام، وجواز بناء الاستحلال على المحللات العامة، فهذه أمور أربعة تدل على الغرض، وبيانها‏:‏ أن السيد إذا قال لعبده‏:‏ من دخل اليوم داري فأعطه درهما أو رغيفا، فأعطى كل داخل لم يكن للسيد أن يعترض عليه، فإن عاتبه في إعطائه واحدا من الداخلين مثلا وقال‏:‏ لم أعطيت هذا من جملتهم وهو قصير، وإنما أردت الطوال أو هو أسود، وإنما أردت البيض فللعبد أن يقول ما أمرتني بإعطاء الطوال ولا البيض، بل بإعطاء من دخل، وهذا داخل، فالعقلاء إذا سمعوا هذا الكلام في اللغات كلها أو إعتراض السيد ساقطا وعذر العبد متوجها، وقالوا للسيد‏:‏ أنت أمرته بإعطاء من دخل وهذا قد دخل ولو أنه أعطى الجميع إلا واحدا فعاتبه السيد وقال‏:‏ لم لم تعطه‏؟‏ فقال العبد‏:‏ لان هذا طويل أو أبيض، وكان لفظك عاما فقلت‏:‏ لعلك أردت القصار أو السود، استوجب التأديب بهذا الكلام، وقيل له‏:‏ مالك وللنظر إلى الطول واللون، وقد أمرت بإعطاء الداخل، فهذا معنى سقوط الاعتراض عن المطيع وتوجهه على العاصي، وأما النقض على الخبر فإذا قال ما رأيت اليوم أحدا وكان قد رأى جماعة كان كلامه خلفا منقوضا وكذبا، فإن أردت أحدا غير تلك الجماعة كان مستنكرا، وهذه كصيغ الجميع فإن النكرة في النفي تعم عند القائلين بالعموم، ولذلك قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شئ قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 19‏)‏ وإنما أورد هذا نقضا على كلامهم، فإن لم يكن عاما فلم ورد النقض عليهم‏؟‏ فإن هم أرادوا غير موسى فلم لزم دخول موسى تحت اسم البشر، وأما الاستحلال بالعموم، فإذا قال الرجل‏:‏ أعتقت عبيدي وإمائي ومات عقيبه، جاز لمن سمعه أن يزوج من أي عبيده شاء، ويتزوج من أي جواريه شاء بغير رضا الورثة، وإذا قال العبيد الذين هم في يدي ملك فلان، كان ذلك إقرارا محكوما به في الجميع وبناء الاحكام على أمثال هذه العمومات في سائر اللغات لا ينحصر، ولا خلاف في أنه لو قال‏:‏ أنفق على عبدي غانم أو على زوجتي زينب، أو قال‏:‏ غانم حر، وزينب طالق، وله عبدان اسمهما غانم، وزوجتان اسمهما زينب، فتجب المراجعة والاستفهام، لانه أتى باسم مشترك غير مفهوم، فإن كان لفظ العموم فيما وراء أقل الجمع مشتركا فينبغي أن يجب التوقف على العبد إذا أعطى ثلاثة ممن دخل الدار، وينبغي أن يراجع في الباقي، وليس كذلك عند العقلاء كلهم في اللغات كلها، فإن قيل‏:‏ إن سلم لكم ما ذكرتموه فإنما يسلم بسبب القرائن لا بمجرد اللفظ، فإن عرى عن القرائن فلا يسلم، قلنا‏:‏ كل قرينة قدرتموها فعلينا أن نقدر نفيها أو يبقى حكم الاعتراض والنقض كما سبق، فإن غايتهم أن يقولوا‏:‏ إذا قال‏:‏ أنفق على عبيدي وجواري في غيبتي، وكان مطيعا بالانفاق على الجميع لاجل قرينة لحاجة إلى النفقة، أو أعط من دخل داري، فهو بقرينة إكرام الزائر، فهذا وما يجري مجراه إذا قدروه فسبيلنا أن نقدر أضدادها، فإنه لو قال‏:‏ لا تنفق على عبيدي وزوجاتي كان عاصيا بالانفاق مطيعا بالتضييع، ولو قال‏:‏ اضربهم، لم يكن عليه أن يقتصر على ثلاثة، بل إذا ضرب جميعهم عد مطيعا، ولو قال‏:‏ من دخل داري فخذ منه شيئا، بقي العموم، بل نقدر ما لا غرض في نفيه وإثباته، فلو قال‏:‏ من قال من عبيدي جيم فقل له صاد، ومن قال من جواري ألف فأعتقها فامتثل أو عصى، كان ما ذكرناه من سقوط الاعتراض وتوجهه جاريا، بل نعلم قطعا أنه لو ورد من صادق عرف صدقه بالمعجزة، ولم يعش إلا ساعة من نهار، وقال في تلك الساعة‏:‏ من سرق فأقطعوه، ومن زنى فاضربوه والصلاة واجبة على كل عاقل بالغ، وكذلك الزكاة، ومن قتل مسلما فعلية القصاص، ومن كان له ولد فعليه النفقة، ومات عقيب هذا الكلام ولم نعرف له عادة ولا أدركنا من أحواله قرينة ولا صدر منه سوى هذه الالفاظ إشارة ورمزا ولا ظهر في وجهه حالة، لكنا نحكم بهذه الالفاظ ونتبعها، ولا يقال‏:‏ جاء بألفاظ مشتركة مجملة ومات قبل أن يبينها، فلا يمكن العمل بها، ولو قدروا قرينة في نطقه وصورة حركته عند كلامه فليقدر أنه كتب في كتاب وسلمه إلينا وقال‏:‏ اعملوا بما فيه ومات، وإن قدروا قرينة مناسبة بين هذه الجنايات والعقوبات فنقدر أمورا لا مناسبة فيها، كحروف المعجم، فإذا قال‏:‏ من قال لكم ألف فقولوا جيم وأمثاله، فيكون جميع ذلك مفهوما معمولا به، وكل قرينة قدروها فنقدر نفيها ويبقى ما ذكرنا بمجرد اللفظ، وبهذا تبين أن الصحابة إنما تمسكوا بالعمومات بمجرد اللفظ وانتفاء القرائن المخصصة، لا أنهم طلبوا قرينة معممة وتسوية بين أقل الجمع والزيادة، فإن قيل‏:‏ إذا قال‏:‏ من دخل داري فأعطه، فيحسن أن يقال‏:‏ ولو كان كافرا فاسقا، فربما يقول نعم، وربما يقول لا، فلو عم اللفظ فلم حسن الاستفهام‏؟‏ قلنا‏:‏ لا يحسن أن يقال‏:‏ وإن كان طويلا أو أبيض أو محترفا وما جرى مجراه، وإنما حسن السؤال عن الفاسق، لانه يفهم من الاعطاء الاكرام، ويعلم من عادته أنه لا يكرم الفاسق، أو علم من عادة الناس ذلك فتوهم أنه يقتدي بالناس فيه، فلتوهم هذه القرينة المخصصة حسن منه السؤال، ولذلك لم يحسن في سائر الصفات، ولذلك لو لم يراجع وأعطى الفاسق وعاتبه السيد فله أن يقول‏:‏ أمرتني بإعطاء كل داخل وهذا قد دخل فيقول السيد‏:‏ كان ينبغي أن تعرف بعقلك أن هذا إكرام، والفاسق لا يكرم، فيتمسك بقرينة مخصصة، فربما يكون مقبولا، فلو لم يقل هذا ولكن قال‏:‏ كان لفظي مشتركا غير مفهوم، فلم أقدمت قبل السؤال‏؟‏ لم يكن هذا العتاب متوجها قطعا، فإن قيل فقد فرضتم الكلام في أداة الشرط، وقد قال بعمومه من أنكر سائر العمومات، فما الدليل في سائر الصور‏؟‏ قلنا‏:‏ هذا يجري في ‏(‏من‏)‏ و ‏(‏ما‏)‏ و ‏(‏متى‏)‏ و ‏(‏حيث‏)‏ وأي وقت، وأي شخص ونظائره، ويجري أيضا في النكرة في النفي، كقوله‏:‏ ما رأيت أحدا مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ما أنزل الله على بشر من شئ‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 19‏)‏ وكذلك في قولهم‏:‏ ‏(‏كل‏)‏ و ‏(‏جميع‏)‏ و ‏(‏أجمعون‏)‏ بل هو أظهر، وهو النوع الثالث، وكذلك في النوع الرابع وهي صيغ الجموع، كالفقراء والمساكين، وهذا أيضا جار فيه، فإنه إذا قال لعبده‏:‏ أعط الفقراء واقتل المشركين، واقتصر على هذا، وانتفت القرائن جري حكم الطاعة والعصيان، وتوجه الاعتراض وسقوطه كما سبق، وهو جار في كل جمع إلا في بعض الجموع المبنية للتقليل، كما ورد على وزن الافعال كالاثواب، والافعلة كالارغفة، والافعل كالاكلب، والفعلة كالصبية، وقد قال سيبويه‏:‏ جميع هذا للتقليل وما عداه للتكثير، وقيل أيضا جمع السلامة للتقليل، وهذا بعيد، لا سيما فيما ليس فيه جمع مبني للتكثير وجمع القلة أيضا لا يتقدر المراد منه، بل يختلف ذلك بالقرائن والاحوال، إلا أنه ليس موضوعا للاستغراق‏.‏ وأما النوع الخامس‏:‏ وهو الاسم المفرد إذا دخل عليه الالف واللام فهذا فيه نظر، وقد اختلفوا فيه، والصحيح التفصيل، وهو أنه ينقسم إلى ما يتميز فيه لفظ الواحد عن الجنس بالهاء، كالتمرة والتمر، والبرة والبر، فإن عري عن الهاء فهو للاستغراق، فقوله‏:‏ لا تبيعوا البر بالبر، ولا التمر بالتمر يعم كل بر وتمر، وما لا يتميز بالهاء ينقسم إلى ما يتشخص ويتعدد، كالدينار والرجل، حتى يقال‏:‏ دينار واحد ورجل واحد، وإلى ما لا يتشخص واحد منه، كالذهب، إذ لا يقال‏:‏ ذهب واحد فهذا لاستغراق الجنس، أما الدينار والرجل فيشبه أن يكون للواحد والالف واللام فيه للتعريف فقط، وقولهم‏:‏ الدينار أفضل من الدرهم يعرف بقرينة التسعير، ويحتمل أن يقال‏:‏ هو دليل على الاستغراق فإنه لو قال‏:‏ لا يقتل المسلم بالكافر ولا يقتل الرجل بالمرأة فهم ذلك في الجميع فإنه لو قد حيث لا مناسبة فلا يخلو عن الدلالة على الجنس‏.‏ القول في العموم إذا خص هل يصير مجازا في الباقي وهل يبقى حجة وهما نظران‏:‏ أما صيرورته مجازا فقد اختلفوا فيه على أربعة مذاهب‏.‏ فقال قوم‏:‏ يبقى حقيقة، لانه كان متناولا لما بقي حقيقة، فخروج غيره عنه لا يؤثر، وقال قوم‏:‏ يصير مجازا لانه وضع للعموم، فإذا أريد به غير ما وضع له بالقرينة كان مجازا، وإن لم يكن هذا مجازا فلا يبقى للمجاز معنى، ولا يكفي تناوله مع غيره، لانه لا خلاف أنه لورد إلى ما دون أقل الجمع صار مجازا، فإذا قال‏:‏ لا تكلم الناس ثم قال‏:‏ أردت زيدا خاصة كان مجازا، وإن كان هو داخلا فيه‏.‏ وقال قوم‏:‏ هو حقيقة في تناوله مجاز في الاقتصار عليه، وهذا ضعيف، فإنه لورد إلى الواحد كان مجازا مطلقا، لانه تغير عن وضعه في الدلالة، فالسارق مهما صار عبارة عن سارق النصاب خاصة فقد تغير الوضع واستعمل لا على الوجه الذي وضعته العرب، وقد اختار القاضي في التفريع على مذهب أرباب العموم أنه صار مجازا، لكن قال‏:‏ إنما يصير مجازا إذا أخرج منه البعض بدليل منفصل من عقل أو نقل، أما ما خرج بلفظ متصل كالاستثناء فلا يجعله مجازا، بل يصير الكلام بسبب الزيادة المتصلة به كلاما آخر موضوعا لشئ آخر، فإنا نريد الواو والنون في قولنا‏:‏ مسلم، فنقول‏:‏ مسلمون، فيدل على أمر زائد ولا نجعله مجازا، ونزيد الالف واللام على قولنا‏:‏ رجل، فنقول‏:‏ الرجل، فيزيد فائدة أخرى وهي التعريف، لان هذه صارت صيغة أخرى بهذه الزيادة، فجاز أن يدل على معنى آخر، ولا فرق بين أن نزيد حرفا أو كلمة، فإذا قال‏:‏ يقطع السارق إلا من سرق دون النصاب، كان مجموع هذا الكلام موضوعا للدلالة على ما دل عليه، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما‏}‏ ‏(‏العنكبوت‏:‏ 41‏)‏ دل على تسعمائة وخمسين لا على سبيل المجاز، بل الوضع كذلك وضع، وكأن العرب وضعت عن تسعمائة وخمسين عبارتين إحداهما ألف سنة إلا خمسين، والاخرى تسعمائة وخمسون، ويمكن أن يقال‏:‏ ما صار عبارة بالوضع عن هذا القدر بل بقي الالف للالف، والخمسون للخمسين، وإلا للرفع بعد الاثبات، ونحن بعلم الحساب عرفنا أن هذا تسعمائة وخمسون، فإنا إذا وضعنا ألفا ورفعنا خمسين علمنا مقدار الباقي بعلم الحساب، فلا نقول المجموع صار عبارة موضوعة عن هذا العدد وهذا أدق وأحق، لا كزيادة الالف واللام والياء والنون على المسلم، فإن تلك الزيادة لا معنى لها بغير اللفظ الأول‏.‏ فإن قيل‏:‏ لو قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏براءة من الله ورسوله‏}‏، فقال الرسول متصلا به‏:‏ إلا زيدا، فهل يكون هذا كالمتصل الذي لا يجعل لفظ المشركين مجازا في الباقي‏؟‏ قلنا‏:‏ اختلفوا فيه، والظاهر أن هذا من غير المتكلم يجري مجرى الدليل المنفصل من قياس العقل والنقل، ولهذا لو قال زيد، وقال غيره‏:‏ قام، لا يصير خبرا حتى يصدر من الأول قوله قام، لان نظم الكلام إنما يكون من متكلم واحد، وذلك يجعله خبرا، فإن قيل‏:‏ فلو أخرج بالاستثناء عن لفظ المشركين الجميع إلا زيدا فهل يصير لفظ المشركين مجازا‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم لانه للجمع بالاتفاق، والخلاف في أنه مستغرق أو غير مستغرق، فهو عند أرباب العموم عند الاستثناء لجمع غير مستغرق دون الاستثناء لجمع مستغرق‏.‏ وأما النظر الثاني في كونه حجة في الباقي، فقد قال قوم من القائلين بالعموم‏:‏ إنه لا يبقى حجة، بل صار مجملا، وإليه ذهبت القدرية، لانه إذا لم يترك على الوضع فلا يبقى للفهم معتمد سوى، القرينة، وتلك القرينة غير معينة فلا يهتدي إليها، ومن هؤلاء من قال‏:‏ أقل الجمع يبقى لانه مستيقن، واحتج القائلون بكونه مجملا بأن السارق إذا خرج منه سارق ما دون النصاب والسارق من غير الحرز ومن يستحق النفقة وغير ذلك فبم يفهم المراد منه على سبيل الحصر وقد خرج الوضع من أيدينا، ولا قرينة تفصل وتحصر فيبقى مجملا‏؟‏ والصحيح أنه يبقى حجه إلا إذا استثنى منه مجهولا، كما لو قال‏:‏ اقتلوا المشركين إلا رجلا أما إذا استخرج منه معلوم فإنه يبقى دليلا في الباقي، ولاجله تمسك الصحابة بالعمومات وما من عموم‏:‏ إلا وقد تطرق إليه التخصيص، وهذا لان لفظ السارق يتناول كل سارق بالوضع لولا دليل مخصوص، والدليل المخصوص صرف دلالته عن البعض، ولا مسقط لدلالته في الباقي، نعم‏:‏ لا يدل اللفظ على إخراج ما خرج، فافتقر إلى دليل مخرج، وقصوره عنه لا يدل على قصوره عن تناول الباقي، فمن قال‏:‏ أعتق رقبة ثم قال‏:‏ لا تعتق معيبة ولا كافرة، لم يخرج به كلامه الأول عن كونه مفهوما، والرجوع في هذا إلى عادة اللسان وأهل اللغة وعادات الصحابة إذ لم يطرحوا جميع عمومات الكتاب والسنة لتطرق التخصيص إليها، وعلى الجملة‏:‏ كلام الواقفية في العموم المخصص أظهر لا محالة، فإن قيل‏:‏ قد سلمتم أنه صار مجازا، فيفتقر العمل به إلى دليل، إذا المجاز لا يعمل به إلا بدليل‏؟‏ قلنا‏:‏ هو حقيقة في وضعه، والدليل المخصص هو الذي جعله مجازا، أما سقوط دلالة المجاز فلا وجه له لا سيما المجاز المعروف، فإنا نتمسك به بغير دليل زائد، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو جاء أحد منكم من الغائط‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 6‏)‏، ‏(‏النساء‏:‏ 34‏)‏ فإنه وإن كان مجازا فهو معروف، وكذلك التفهيم بالعمومات المخصصة معروف في اللسان ولا يمكن اطراحه‏.‏

الباب الثاني في تمييز ما يمكن دعوى العموم فيه عما لا يمكن

وفيه مسائل‏:‏

مسألة ‏(‏بيان العموم‏)‏

إنما يمكن دعوى العموم فيما ذكره الشارع على سبيل الابتداء، أما ما ذكره في جواب السائل فإنه ينظر، فإن أتى بلفظ مستقل لو ابتدأ به كان عاما كما سئل عن بئر بضاعة، فقال‏:‏ خلق الله الماء طهورا لا ينجسه شئ إلا ما غير طعمه أو لونه أو ريحه وكما سئل عن ماء البحر فقال‏:‏ هو الطهور ماؤه الحل ميتته وأما إذا لم يكن مستقلا نظر، فإن لم يكن لفظ السائل عاما فلا يثبت العموم للجواب، كما لو قال السائل‏:‏ توضأت بماء البحر، فقال‏:‏ يجزيك، أو قال‏:‏ وطئت في نهار رمضان، فقال‏:‏ أعتق رقبة، فهذا لا عموم له، لانه خطاب مع شخص واحد، وإنما يثبت الحكم في حق غيره، بدليل مستأنف من قياس إذا ورد التعبد بالقياس أو تعلق بقوله عليه السلام، حكمي على الواحد حكمي على الجماعة، وذلك بشرط أن يكون حال غيره مثل حاله في كل وصف مؤثر في الحكم حتى لا يفترقا إلا في الشخص، والاحوال التي لا مدخل لها في التفرقة من الطول واللون وأمثاله، والذكورة والانوثة، كالطول واللون في بعض الاحكام كالعتق، ولذلك قلنا‏:‏ حكمه في العبد بالسراية حكم في الامة، وفي باب ولاية النكاح ليس كذلك، إذ عرف من الشرع ترك الالتفات إلى الذكورة والانوثة في العتق والرق، ولم يعرف ذلك في النكاح، ولذلك نقول روي في الصحيح أن أبا بكر رضي الله عنه أم بالناس في مرض النبي صلى الله عليه وسلم، فخرج عليه السلام وهو في أثناء الصلاة فهم بأن يتخلف، فأشار عليه بالمنع ووقف بجانبه، واقتدى أبو بكر بالنبي عليه السلام واستمر الناس على الاقتداء بأبي بكر رضي الله عنه، وصلى الناس بصلاة أبي بكر، وصلى أبو بكر بصلاة النبي عليه السلام وفيه اقتداء الامام بغيره، واقتداء الناس بالمقتدى بغيره، وليس يظهر لنا أن غير رسول الله صلى الله عليه وسلم في معنى النبي عليه السلام وفإن التقدم عليه مع حضوره مستبعد فيما يرجع إلى الامام، وللنبوة فيها تأثير، وهذا فعل خاص لا عموم له، ودعوى الالحاق تحكم مع ظهور الفرق ولا عموم يتعلق به، بل قوله لعبد الرحمن بن عوف‏:‏ البس الحرير ولابي بردة بن نيار في الاضحية بجذعة من الضان تجزيك وإذنه للعرنيين بشرب أبوال الابل وقوله لعمر‏:‏ مره فليراجعها إلا عموم لشئ منه، فيفتقر تعميمه إلى دليل متسأنف من قياس أو غيره أما ما نقل من اقتداء الناس بأبي بكر مع اقتدائه بالنبي عليه السلام فيحتمل أن مقتدي الكل كان بالنبي عليه السلام، وكان أبو بكر سفيرا برفع الصوت بالتكبيرات‏.‏ أما إذا كان لفظ السائل عاما نزل منزلة عموم لفظ الشارع، كما لو سأله سائل عمن أفطر في نهار رمضان فقال‏:‏ أعتق رقبة، كان كما لو قال‏:‏ من أفطر في نهار رمضان أعتق رقبة، لانه يجيب عن السؤال، فلا يكون الجواب إلا مطابقا للسؤال أو أعم منه، فأما أخص منه فلا، أما لو قال السائل‏:‏ أفطر زيد في نهار رمضان، فقال‏:‏ عليه عتق رقبة‏:‏ أو قال‏:‏ طلق ابن عمر زوجته، فقال‏:‏ مره فليراجعها فهذا لا عموم له، فلعله عرف من حاله ما يوجب العتق والمراجعة عليه خاصة، ولا نعرف ما تلك الحال ومن الذي يساويه فيها، ولا يدري أنه أفطر عمدا أو سهوا أو بأكل أو جماع، فإن قيل‏:‏ ترك الاستفصال مع تعارض الاحوال يدل على عموم الحكم، وهذا من كلام الشافعي، قلنا‏:‏ من أين تحقق ذلك، ولعله عليه السلام عرف خصوص الحال فأجاب بناء على معرفته ولم يستفصل، فهذا تقرير عموم بالوهم المجرد‏.‏

مسألة ‏(‏ورود العام على سبب خاص لا يسقط دعوى العموم‏)‏

كقوله ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ حيث مر بشاة ميمونة‏:‏ أيما إهاب دبغ فقد طهر وقال قوم‏:‏ يسقط عمومه، وهو خطأ، نعم‏:‏ يصير احتمال التخصيص أقرب، ويقنع فيه بدليل أخف وأضعف، وقد يعرف بقرينة اختصاصه بالواقعة، كما إذا قيل‏:‏ كلم فلانا في واقعة، فقال‏:‏ والله لا أكلمه أبدا، فإنه يفهم بالقرينة أنه يريد ترك الكلام في تلك الواقعة لا على الاطلاق، والدليل على بقاء العموم أن الحجة في لفظ الشارع لا في السؤال والسبب، ولذلك يجوز أن يكون الجواب معدولا عن سنن السؤال، حتى لو قال السائل‏:‏ أيحل شرب الماء وأكل الطعام والاصطياد‏؟‏ فيقول‏:‏ الاكل واجب والشرب مندوب، والصيد حرام، فيجب اتباع هذه الاحكام وإن كان فيه خطر، ووجوب والسؤال وقع عن الاباحة فقط، وكيف ينكر هذا وأكثر أصول الشرع خرجت على أسباب، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لبئس‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 83‏)‏ نزل في سرقة المجن أو رداء صفوان، ونزلت آية الظهار في سلمة بن صخر، وآية اللعان في هلال بن أمية، وكل ذلك على العموم‏.‏ وشبه المخالفين ثلاث‏:‏ الأولى‏:‏ أنه لو لم يكن للسبب تأثير والنظر إلى اللفظ خاصة فينبغي أن يجوز إخراج السبب بحكم التخصيص عن عموم المسميات، كما لو لم يرد على سبب، قلنا‏:‏ لا خلاف في أن كلامه بيان للواقعة، لكن الكلام في أنه بيان له خاصة أوله ولغيره، واللفظ يعمه ويعم غيره، وتناوله له مقطوع به وتناوله لغيره ظاهر، فلا يجوز أن يسأل عن شئ فيجيب عن غيره، نعم‏:‏ يجوز أن يجيب عنه وعن غيره، ويجوز أيضا أن يجيب عن غيره بما ينبه على محل السؤال، كما قال لعمر‏:‏ أرأيت لو تمضمضت، وقد سأله عن القبلة وقال للخثعمية، أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته‏.‏ الشبهة الثانية‏:‏ إنه لو لم يكن للسبب مدخل لما نقله الراوي، إذ لا فائدة فيه، قلنا‏:‏ فائدته معرفة أسباب التنزيل والسير والقصص واتساع علم الشريعة، وأيضا‏:‏ امتناع إخراج السبب بحكم التخصيص بالاجتهاد، ولذلك غلط أبو حنيفة رحمه الله في إخراج الامة المستفرشة من قوله‏:‏ الولد للفراش، والخبر إنما ورد في وليدة زمعة، إذ قال عبد بن زمعة‏:‏ هو أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه، فقال عليه السلام‏:‏ الولد للفراش وللعاهر الحجر فأثبت للامة فراشا، وأبو حنيفة لم يبلغه السبب، فأخرج الامة من العموم‏.‏ الشبهة الثالثة‏:‏ إنه لولا أن المراد بيان السبب لما أخر البيان إلى وقوع الواقعة، فإن الغرض إذا كان تمهيد قاعدة عامة فلم أخرها إلى وقوع واقعة‏؟‏ قلنا‏:‏ ولم قلتم‏:‏ لا فائدة في تأخيره، والله تعالى أعلم بفائدته، ولم طلبتم لافعال الله فائدة‏؟‏ بل لله تعالى أن ينشئ التكليف في أي وقت شاء، ولا يسأل عمايفعل، ثم نقول‏:‏ لعله علم أن تأخيره إلى الواقعة لطف ومصلحة للعباد، داعية إلى الانقياد، ولا يحصل ذلك بالتقديم والتأخير، ثم نقول‏:‏ يلزم لهذه العلة اختصاص الرجم بما عز، والظهار واللعان، وقطع السرقة بالاشخاص الذين ورد فيهم، لان الله تعالى آخر البيان إلى وقوع وقائعهم، وذلك خلاف الإجماع‏.‏

مسألة ‏(‏العموم للالفاظ دون المعاني‏)‏

المقتضى لا عموم له، وإنما العموم للالفاظ لا للمعاني، فتضمنها من ضرورة الالفاظ، بيانه‏:‏ أن قوله‏:‏ لا صيام لمن لم يبيت الصيام ظاهره ينفي صورة الصوم حسا، لكن وجب رده إلى الحكم، وهو نفي الاجزاء أو الكمال، وقد قيل‏:‏ إنه متردد بينهما، فهو مجمل، وقيل إنه عام لنفي الاجزاء والكمال، وهو غلط، نعم‏:‏ لو قال‏:‏ لا حكم لصوم بغير تبييت، لكن الحكم لفظا عاما في الاجزاء والكمال، أما إذا قال لا صيام، فالحكم غير منطوق به، وإنما أثبت ذلك من طريق الضرورة، وكذلك قوله عليه السلام‏:‏ رفع عن أمتي الخطأ والنسيان معناه حكم الخطأ والنسيان ولا عموم له، ولو قال‏:‏ لا حكم للخطأ لامكن حمله على نفي الاثم والغرم وغير ذلك، لا على العموم في الاجزاء والكمال، لان الاجزاء الصحة إذا انتفيا كان انتفاء الكمال ضرورة، وإنما العموم ما يشتمل على معنيين يمكن انتفاء كل واحد منهما دون الآخر‏.‏

مسألة ‏(‏العام في الفعل المتعدي‏)‏

الفعل المتعدي إلى مفعول اختلفوا في أنه بالاضافة إلى مفعولاته هل يجري مجرى العموم‏؟‏ فقال أصحاب أبي حنيفة‏:‏ لا عموم له، حتى لو قال‏:‏ والله لا آكل، ونوى طعاما بعينه، أو قال‏:‏ إن أكلت فأنت طالق، ونوى طعاما بعينه، لم يقبل، وكذلك إذا نوى بالضرب آلة بعينها، واستدل أصحاب أبي حنيفة بأن هذا من قبيل المقتضى، فلا عموم له، لان الاكل يستدعي مأكولا بالضرورة، لا أن اللفظ تعرض له، فما ليس منطوقا لا عموم له، فالمكان للخروج، والطعام للاكل، والآلة للضرب، كالوقت للفعل، والحال للفاعل، ولو قال‏:‏ أنت طالق، ثم قال‏:‏ أردت به إن دخلت الدار، أو أردت به يوم الجمعة، لم يقبل، وكذلك قالوا‏:‏ لو نوى بقوله‏:‏ أنت طالق عددا، لم يجزه، وجوز أصحاب الشافعي ذلك، والانصاف أن هذا ليس من قبيل المقتضى، ولا هو من قبيل الوقت، والحال فإن اللفظ المعتدي إلى المفعول يدل على المفعول بصيغته ووضعه، فأما الحال والوقت فمن ضرورة وجود الاشياء، لكن لا تعلق بها بالالفاظ، والمقتضى هو ضرورة صدق الكلام، كقوله‏:‏ لا صيام، أو ضرورة وجود المذكور كقوله‏:‏ أعتق عني، فإنه يدل على حصول الملك قبله لا من حيث اللفظ، لكن من حيث كون الملك شرطا لتصور العتق شرعا، أما الاكل فيدل على المأكول والضرب على الآلة والخروج على المكان وتتشابه نسبته إلى الجميع فهو بالعموم أشبه، فإن قيل‏:‏ لا خلاف في أنه لو أمر بالاكل والضرب والخروج كان ممتثلا بكل طعام وبكل آلة وكل مكان ولو علق العتق حصل بالجميع، فهذا يدل على العموم، قلنا‏:‏ ليس ذلك لاجل العموم، ولكن لاجل أن ما علق عليه وجد، والآلة والمكان والمأكول غير متعرض له أصلا، حتى لو تصور هذه الافعال دون الطعام والآلة والمكان والمأكول يحصل الامتثال، وهو كالوقت والحال فإنه إن أكل وهو داخل في الدار أو خارج وراكب أو راجل حنث وكان ممتثلا لا لعموم اللفظ، لكن لحصول الملفوظ في الاحوال كلها، وإنما تظهر فائدة العموم في إرادة بعض هذه الامور، وإلاظهر عندنا جواز نية البعض، وأنه جار مجرى العموم ومفارق للمقتضى كما ذكرنا‏.‏

مسألة ‏(‏العموم في الافعال‏)‏

لا يمكن دعوى العموم في الفعل، لان الفعل لا يقع إلا على وجه معين، فلا يجوز أن يحمل على كل وجه يمكن أن يقع عليه، لان سائر الوجوه متساوية بالنسبة إلى محتملاته، والعموم ما يتساوى بالنسبة إلى دلالة اللفظ عليه، بل الفعل كاللفظ المجمل المتردد بين معان متساوية في صلاح اللفظ، ومثاله ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه صلى بعد غيبوبة الشفق، فقال قائل‏:‏ الشفق شفقان‏:‏ الحمرة والبياض، وأنا أحمله على وقوع صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم بعدهما جميعا، وكذلك صلى رسول الله ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ في الكعبة، فليس لقائل أن يستدل به على جواز الفرض في البيت، مصيرا إلى أن الصلاة تعم النفل والفرض، لانه إنما يعم لفظ الصلاة لا فعل الصلاة، أما الفعل فإما أن يكون فرضا فلا يكون نفلا أو يكون نفلا فلا يكون فرضا‏.‏

مسألة ‏(‏هل الفعل النبي صلى الله عليه وسلم عموم‏؟‏‏)‏

فعل النبي عليه السلام كما لا عموم له بالاضافة إلى أحوال الفعل، فلا عموم له بالاضافة إلى غيره، بل يكون خاصا في حقه إلا أن يقول‏:‏ أريد بالفعل بيان حكم الشرع في حقكم، كما قال‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي بل نزيد ونقول قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي اتق الله‏}‏ ‏(‏الاحزاب‏:‏ 1‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏لئن أشركت ليحبطن عملك‏}‏ ‏(‏الزمر‏:‏ 56‏)‏ مختص به بحكم اللفظ، وإنما يشاركه غيره بدليل لا بموجب هذا اللفظ، كقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 76‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فاصدع بما تؤمر‏}‏ ‏(‏الحجر‏:‏ 49‏)‏‏.‏ وقال قوم‏:‏ ما ثبت في حقه فهو ثابت في حق غيره إلا ما دل الدليل على أنه خاص به، وهذا فاسد، لان الاحكام إذ قسمت إلى خاص وعام فالأصل اتباع موجب الخطاب، فما ثبت بمثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ و ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ و ‏{‏يا عبادي‏}‏ و ‏{‏يا أيها المؤمنون‏}‏ فيتناول النبي إلا ما استثنى بدليل، وما ثبت للنبي كقوله‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي‏}‏ فيختص به إلا ما دل الدليل على الالحاق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي إذا طلقتم النساء‏}‏ ‏(‏الطلاق‏:‏ 1‏)‏ عام، لان ذكر النبي جرى في صدر الكلام تشريفا، وإلا فقوله‏:‏ طلقتم عام في صيغته، وكذلك قوله النبي صلى الله عليه وسلم لابي هريرة‏:‏ افعل، ولابن عمر راجعها، خاص، إنما يشمل الحكم غيره بدليل آخر، مثل قوله‏:‏ حكمي على الواحد حكمي على الجماعة أو ما جرى مجراه‏.‏

مسألة ‏(‏هل النهي يقتضي العموم‏؟‏‏)‏

قول الصحابي‏:‏ نهى النبي عليه السلام عن كذا، كبيع الغرر، ونكاح الشغار وغيره، لا عموم له، لان الحجة في المحكي، لا في قول الحاكي ولفظه، وما رواه الصحابي من حكى النهي يحتمل أن يكون فعلا لا عموم له نهى عنه النبي عليه السلام، ويحتمل أن يكون لفظا خاصا، ويحتمل أن يكون لفظا عاما، فإذا تعارض الاحتمالات لم يكن إثبات العموم بالتوهم، فإذا قال الصحابي‏:‏ نهى عن بيع الرطب بالتمر، فيحتمل أن يكون قد رأى شخصا باع رطبا بتمر، فنهاه، فقال الراوي ما قال، ويحتمل أن يكون قد سمع الرسول عليه السلام ينهي عنه ويقول‏:‏ أنهاكم عن بيع الرطب بالتمر، ويحتمل أن يكون قد سئل عن واقعة معينة فنهى عنها، فالتمسك بعموم هذا تمسك بتوهم العموم لا بلفظ عرف عمومه بالقطع، وهذا على مذهب من يرى هذا حجة في أصل النهي، وقد قال قوم‏:‏ لا بد أن يحكي الصحابي قول الرسول ولفظه، وإلا فربما سمع ما يعتقده نهيا باجتهاده، ولا يكون نهيا، فإن قوله‏:‏ لا تفعل فيه خلاف أنه للنهي أم لا، وكذلك في ألفاظ أخر، وكذلك إذا قال‏:‏ نسخ فلا يحتج به ما لم يقل سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول نسخت آية كذا، لانه ربما يرى ما ليس بنسخ نسخا، وهذا قد ذكرناه في باب الاخبار وهو أصل السنة في القطب الثاني‏.‏

مسألة ‏(‏هل قول الصحابي يقتضي العموم‏)‏

قول الصحابي‏:‏ قضى النبي صلى الله عليه وسلم بالشفعة للجار وبالشاهد واليمين، كقوله نهى، في أنه لا عموم له، لان حكاية، والحجة في المحكي، ولعله حكم في عين أو بخطاب خاص مع شخص، فكيف يتمسك بعمومه، فيقال مثلا‏:‏ يقضي بالشاهد واليمين في البضع، أو في الدم، لان الراوي أطلق، مع أن للراوي أن يطلق هذا إذا رآه قد قضى في مال، أو في بضع، بل لو قال الصحابي‏:‏ سمعته يقول‏:‏ قضيت بالشفعة للجار، فهذا يحتمل الحكاية عن قضاء الجار معروف، ويكون الالف واللام للتعريف، وقوله‏:‏ قضيت، حكاية فعل ماض، فأما لو قال‏:‏ قضيت بأن الشفعة للجار، فهذا أظهر في الدلالة على التعريف للحكم دون الحكاية، ولو قال الراوي‏:‏ قضى النبي عليه السلام بأن الشفعة للجار اختلفوا فيه، فمنهم من جعله عاما، ومنهم من قال‏:‏ يجوز أن يكون قد قضى في واقعة بأن الشفعة للجار، فدعوى العموم فيه حكم بالتوهم‏.‏

مسألة ‏(‏لا عموم لواقعة الحال‏)‏

لا يمكن دعوى العموم في واقعة لشخص معين قضى فيها النبي عليه السلام بحكم وذكر علة حكمه أيضا إذا أمكن اختصاص العلة بصاحب الواقعة، مثاله‏:‏ حكمه في أعرابي محرم وقصت به ناقته‏:‏ لا تخمروا رأسه ولا تقربوه طيبا، فإنه يحشر يوم القيامة ملبيا فإنه يحتمل أن يقال‏:‏ إما لانه وقصت به ناقته محرما لا بمجرد إحرامه، أو لانه علم من نيته أنه كان مخلصا في عبادته، وأنه مات مسلما وغيره لا يعلم موته على الاسلام، فضلا عن الاخلاص، وكذلك قال عليه السلام في قتلي أحد‏:‏ زملوهم بكلومهم ودمائهم فإنهم يحشرون وأوداجهم تشخب دما يجوز أن يكون لقتلى أحد خاصة لعلو درجتهم، أو لعلمه أنهم أخلصوا الله فهم شهداء حقا، ولو صرح بأن ذلك خاصيتهم قبل ذلك فاللفظ خاص والتعميم وهم، والشافعي رحمه الله تعالى عمم هذا الحكم نظرا إلى العلة، وأن ذلك كان بسبب الجهاد والاحرام، وأن العلة حشرهم على هذه الصفات، وعلة حشرهم الجهاد أو الاحرام، وقد وقعت الشركة في العلة، وهذا أسبق إلى الفهم، لكن خلافه وهو الذي اختاره القاضي ممكن، والاحتمال متعارض، والحكم بأحد الاحتمالين، لانه أسبق إلى الفهم فيه نظر، فإن الحكم بالعموم إنما أخذ من العادة، ومن وضع اللسان ولم يثبت ههنا في مثل هذه الصورة لا وضع ولا عادة فلا يكون في معنى العموم‏.‏

مسألة ‏(‏هل للمفهوم عموم‏؟‏‏)‏

من يقول بالمفهوم قد يظن للمفهوم عموما ويتمسك به، وفيه نظر لان العموم لفظ تتشابه دلالالته بالاضافة إلى المسميات، والمتمسك بالمفهوم والفحوى ليس متمسكا بلفظ بل بسكوت، فإذا قال عليه السلام‏:‏ في سائمة الغنم زكاة فنفي الزكاة في المعلوفة ليس بلفظ حتى يعم اللفظ، أو يخص، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تقل لهما أف‏}‏ ‏(‏الاسراء‏:‏ 32‏)‏ دل على تحريم الضرب لا بلفظه المنطوق به حتى يتمسك بعمومه، وقد ذكرنا أن العموم للالفاظ لا للمعاني ولا للافعال‏.‏

مسألة ‏(‏لا يقتضي العطف العموم‏)‏

ظن قوم أن من مقتضيات العموم الاقتران بالعام والعطف عليه، وهو غلط، إذ المختلفات قد تجمع العرب بينهما، فيجوز أن يعطف الواجب على الندب، والعام على الخاص، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والمطلقات يتربصن بأنفسهن‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 822‏)‏ عام، وقوله بعد‏:‏ ‏{‏وبعولتهن أحق بردهن‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 822‏)‏ في ذلك خاص وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلوا من ثمره‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 141‏)‏ إباحة، وقوله بعده‏:‏ ‏{‏وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 141‏)‏ إيجاب، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكاتبوهم‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 33‏)‏ استحباب، وقوله‏:‏ ‏{‏‏(‏24‏)‏ وآتوهم من مال الله الذي آتاكم‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 33‏)‏ إيجاب‏.‏

مسألة ‏(‏هل في المشترك عموم‏؟‏‏)‏

الاسم المشترك بين مسميين لا يمكن دعوى العموم فيه عندنا، خلافا للقاضي والشافعي، لان المشترك لم يوضع للجمع، مثاله‏:‏ القرء للطهر والحيض، والجارية للسفينة والامة، والمشتري للكوكب السعد وقابل البيع، والعرب ما وضعت هذه الالفاظ وضعا يستعمل في مسمياتها إلا على سبيل البدل، أما على سبيل الجمع فلا، نعم‏:‏ نسبة المشترك إلى مسمياته متشابهة، ونسبة العموم إلى آحاد المسميات متشابهة، لكن تشابه نسبة كل واحد من آحاد العموم على الجمع، ونسبة كل واحد من آحاد المشترك على البدل، وتشاب نسبة المفهوم في السكوت عن الجمع لا في الدلالة، وتشابه نسبة الفعل في إمكان وقوعه على كل وجه، إذ الصلاة المعينة إذا تلقيت من فعل النبي عليه السلام أمكن أن تكون فرضا ونفلا وأداء وقضاء، وظهرا وعصرا، والامكان شامل بالاضافة إلى علمنا، أما الواقع في نفسه وفي علم الله تعالى واحد متعين لا يحتمل غيره، فهذه أنواع التشابه، والوهم سابق إلى التسوية بين المتشابهات، وأنواع هذا التشابه متشابهة من وجه، فربما يسبق إلى بعض الاوهام أن العموم كان دليلا لتشابه نسبة اللفظ إلى المسميات والتشابه ههنا موجود فيثبت حكم العموم وهو غفلة عن تفصيل هذا التشابه، وإن تشابه نسبة العموم إلى مسمياته في دلالته على الجمع بخلاف هذه الانواع، احتج القاضي بأنه لو ذكر اللفظ مرتين، وأراد في كل مرة معنى آخر جاز، فأي بعد في أن يقتصر على مرة واحدة، ويريد به كلا المعنيين مع صلاح اللفظ للكل‏؟‏ بخلاف ما إذا قصد بلفظ المؤمنين الدلالة على المؤمنين والمشركين جميعا، فإن لفظ المؤمنين لا يصلح للمشركين بخلاف اللفظ المشترك فنقول‏:‏ إن قصد باللفظ الدلالة على المعنيين جميعا بالمرة الواحدة فهذا ممكن، لكن يكون قد خالف الوضع كما في لفظ المؤمنين فإن العرب وضعت اسم العين للذهب والعضو الباصر على سبيل البدل لا على سبيل الجمع، فإن قيل‏:‏ اللفظ الذي هو حقيقة في شئ مجاز في غيره، هل يطلق لارادة معنييه جميعا مثل النكاح للوطئ والعقد واللمس للجس وللوطئ حتى يحمل قوله‏:‏ ‏{‏ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 22‏)‏ على وطئ الاب وعقده جميعا، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏أو لامستم النساء‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 34‏)‏ على الوطئ والمس جميعا‏؟‏ قلنا‏:‏ هذا عندنا كاللفظ المشترك، وإن كان التعميم فيه أقرب قليلا، وقد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال‏:‏ أحمل آية اللمس على المس والوطئ جميعا، وإنما قلنا‏:‏ إن هذا أقرب، لان المس مقدمة الوطئ، والنكاح أيضا يراد للوطئ، فهو مقدمته، ولاجله استعير للعقد اسم النكاح الذي وضعه للوطئ، واستعير للوطئ اسم اللمس، فلتعلق أحدهما بالآخر، ربما لا يبعد أن يقصدا جميعا باللفظ المذكور مرة واحدة، لكن الاظهر عندنا أن ذلك أيضا على خلاف عادة العرب، فإن قيل‏:‏ فقد قال الله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الله وملائكته يصلون على النبي‏}‏ ‏(‏الاحزاب‏:‏ 65‏)‏، والصلاة من الله مغفرة، ومن الملائكة استغفار، وهما معنيان مختلفان والاسم مشترك، وقد ذكر مرة واحدة وأريد به المعنيان جميعا، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض والشمس القمر والنجوم والجبال والشجر والدواب‏)‏ ‏[‏ الحج‏:‏ 18 ‏]‏ وسجود الناس غير سجود الشجر والدواب، بل هو في الشجر مجاز قلنا‏:‏ هذا يعضد ما ذكره الشافعي رحمه الله، ويفتح هذا الباب في معنيين يتعلق أحدهما بالآخر، فإن طلب المغفرة يتعلق بالمغفرة، لكن الاظهر عندنا أن هذا إنما أطلق على المعنيين بإزاء معنى واحد مشترك بين المعنيين، وهو العناية بأمر الشئ لشرفه وحرمته، والعناية من الله مغفرة، ومن الملائكة إستغفار ودعاء، ومن الامة دعاء وصلوات، وكذلك العذر عن السجود‏.‏

مسألة ‏(‏هل العبد مخاطب بالتكاليف الشرعية‏؟‏‏)‏

ما ورد من الخطاب مضافا إلى الناس والمؤمنين يدخل تحته العبد، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 79‏)‏ وأمثاله، وقال قوم‏:‏ لا يدخل تحته لانه مملوك للآدمي بتمليك الله تعالى‏:‏ فلا يتناوله إلا خطاب خاص به، وهذا هوس لانه لم يخرج عن معظم التكاليف، وخروجه عن بعضها كخروج المريض والحائض والمسافر، وذلك لا يوجب رفع العموم، فلا يجوز إخراجه إلا بدليل خاص‏.‏

مسألة ‏(‏هل الخطاب الشرعي يعم الكافر‏؟‏‏)‏

يدخل الكافر تحت خطاب الناس وكل لفظ عام، لانا بينا أن خطابه بفروع العبادات ممكن، وإنما خرج عن بعضها بدليل خاص، ومن الناس من أنكر ذلك، وهو باطل لما قررناه في أحكام التكاليف‏.‏

مسألة ‏(‏هل تدخل النساء في عموم الخطاب‏؟‏‏)‏

يدخل النساء تحت الحكم المضاف إلى الناس فأما المؤمنون والمسلمون وصيغ جمع الذكر اختلفوا فيه، فقال قوم‏:‏ تدخل النساء تحته، لان الذكور والاناث إذا اجتمعوا غلبت العرب التذكير، واختار القاضي أنها لا تدخل، وهو الاظهر، لان الله تعالى ذكر المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات، فجمع الذكور متميز، نعم‏:‏ إذا اجتمعوا في الحكم وأراد الاخبار تجوز العرب الاقتصار على لفظ التذكير، أما ما ينشأ على سبيل الابتداء ويخصه بلفظ المؤمنين فإلحاق المؤمنات إنما يكون بدليل آخر من قياس، أو كونه في معنى المنصوص أو ما جرى مجراه‏.‏

مسألة ‏(‏هل تدخل الامة عند خطاب الله للنبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏‏)‏

كما لا تدخل الامة تحت خطاب النبي صلى الله عليه وسلم في قوله‏:‏ ‏{‏يا أيها النبي‏}‏ لا يدخل النبي تحت الخطاب الخاص بالامة، أما الخطاب بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا‏}‏ و ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ فيدخل النبي تحته لعموم هذه الالفاظ، وقال قوم‏:‏ لا يدخل، لانه قد خص بالخطاب في أحكام، فلا يلزمه إلا الخطاب الذي يخصه، وهو فاسد، لانه قد خص المسافر والعبد والحائض والمريض بأحكام، ولا يمنع ذلك دخولهم تحت العموم حيث يعم الخطاب، كذلك ههنا‏.‏

مسألة ‏(‏هل للمشافهة عموم‏؟‏‏)‏

المخاطبة شفاها لا يمكن دعوى العموم فيها، بالاضافة إلى جميع الحاضرين، فإذا قال لجميع نسائه الحاضرات‏:‏ طلقتكن، ولجميع عبيده‏:‏ أعتقتكم، فإنما يكون مخاطبا من جملتهم من أقبل عليه بوجهه وقصد خطابه، وذلك يعرف بصورته وشمائله والتفاته ونظره، فقد يحضره جماعة من الغلمان من البالغين والصبيان فيقول‏:‏ اركبوا معي، ويريد به أهل الركوب منهم دون من ليس أهلا له، فلا يتناول خطابه إلا من قصده ولا يعرف قصده إلا بلفظه أو شمائله الظاهرة، فلا يمكن دعوى العموم فيها، فنقول‏:‏ على هذا كل حكم يدل بصيغة المخابة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين أمنوا‏}‏ و ‏{‏يا أيها المؤمنون‏}‏ و ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ فهو خطاب مع الموجودين في عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإثباته في حق من يحدث بعده بدليل زائد دال على أن كل حكم ثبت في زمانه، فهو دائم إلى يوم القيامة على كل مكلف، ولولاه لم يقتض مجرد اللفظ ذلك، ولما ثبت ذلك أفاد مثل هذه الالفاظ فائدة العموم لاقتران الدليل الآخر بها لا بمجرد الخطاب، فإن قيل‏:‏ فإذا كان الخطاب خاصا مع شخص مشافهة أو مع جمع فهل يدل على العموم مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وما أرسلناك إلا كافة للناس‏}‏ ‏(‏سبأ‏:‏ 28‏)‏ وقوله عليه السلام‏:‏ بعثت إلى الناس كافة، وبعثت إلى الاحمر والاسود، وقوله‏:‏ حكمي على لواحد حكمي على الجماعة وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏واتقون يا أولي الالباب‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 791‏)‏ و ‏{‏يا أولي الابصار‏}‏ و ‏{‏يا أيها الناس‏}‏ وأمثاله‏؟‏ قلنا‏:‏ لا، بل عرف الصحابة عموم الحكم الثابت في عصره للاعصار كلها بقرائن كثيرة، وعرفنا ذلك من الصحابة ضرورة، ومجرد هذه الالفاظ ليست قاطعة، فإنه وإن كان مبعوثا إلى الكافة فلا يلزم تساويهم في الاحكام، فهو مبعوث إلى الحر والعبد، والحائض والطاهر والمريض والصحيح، ليعرفهم أحكامهم المختلفة، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لانذركم به ومن بلغ‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 91‏)‏ أي ينذر كل قوم بل كل شخص بحكمه، فيكون شرعه عاما، وقوله‏:‏ حكمي على الواحد حكمي على الجماعة لا يتناول إلا عصره، فإن الجماعة عبارة عن الموجودين فلا يتناول من بعده، فإن قيل‏:‏ فهل يدل على عموم الحكم أنه كان إذا أراد التخصيص خصص وقال‏:‏ تجزئ عنك ولا تجزئ عن أحد بعدك وحلل الحرير لعبد الرحمن بن عوف خاصة، قلنا‏:‏ لا، لانه ذكره حيث قدم عموما أو حيث توهم أنهم يلحقون غيره به للتعبد بالقياس، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خالصة لك من دون المؤمنين‏}‏ ‏(‏الاحزاب‏:‏ 05‏)‏ لا يدل على أن الخطاب معه خطاب مع الامة لمثل ما ذكرناه‏.‏

مسألة ‏(‏التفريق بين العام والمجمل‏)‏

من الصيغ ما يظن عموما، وهي إلى الاجمال أقرب، مثل من يتمسك في إيجاب الوتر بقوله‏:‏ ‏{‏وافعلوا الخير‏}‏ ‏(‏الحج‏:‏ 77‏)‏ مصيرا إلى أن ظاهر الامر الوجوب، والخير اسم عام وإخراج ما قام الدليل على نفي وجوبه لا يمنع التمسك به، وكمن يستدل على منع قتل المسلم بالذمي بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا‏)‏ ‏(‏النساء‏:‏ 141‏)‏ وأن ذلك يفيد منع السلطنة إلا ما دل عليه الدليل من الدية والضمان والشركة وطلب الثمن وغيره، أو يستدل بقوله‏:‏ ‏{‏لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة‏}‏ ‏(‏الحشر‏:‏ 02‏)‏ وأن إيجاب القصاص تسوية، وهذا كله مجمل، ولفظ الخير ولفظ السبيل ولفظ الاستوا إلى الاجمال أقرب، وينضم إليه أن المستثنى من هذه العمومات ليس داخلا تحت الحصر، وليس مضبوطا بضابط واحد ولا بضوابط محصورة، وإن لم ينحصر المستثنى كان المستثني مجهولا وليس من هذا القبيل قوله‏:‏ فيما سقت السماء العشر وقد قال قوم‏:‏ لا يتمسك بعمومه، لان المقصود ذكر الفصل بين العشر ونصف العشر، وهذا فاسد لان صيغة ما صيغة شرط وضع للعموم بخلاف لفظ السبيل والخير والاستواء، نعم‏:‏ تردد الشافعي في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحل الله البيع‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 572‏)‏ في أنه عام أو مجمل من حيث أن الالف واللام احتمل أن يكون فيه للتعريف، ومعناه‏:‏ وأحل الله البيع الذي عرف الشرع بشرطه‏.‏

مسألة ‏(‏هل المخاطب يندرج تحت العموم لمخاطب يندرج تحت الخطاب العام‏)‏

وقال قوم‏:‏ لا يندرج تحت خطابه بدليل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو رب كل شئ‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 164‏)‏، ولا يدخل هو تحته وبدليل قول القائل لغلامه، من دخل الدار فأعطه درهما، فإنه لا يحسن أن يعطي السيد، وهذا فاسد لان الخطاب عام، والقرينة هي التي أخرجت المخاطب مما ذكروه، ويعارضه قوله‏:‏ ‏{‏وهو بكل شئ عليم‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 92‏)‏ وهو عالم بذاته، ويتناوله اللفظ، ومجرد كونه مخاطبا ليس قرينة قاضية بالخروج عن العموم في كل خطاب، بل القرائن فيه تتعارض، والأصل اتباع العموم في اللفظ‏.‏

مسألة ‏(‏فائدة العموم للاسم المفرد‏)‏

اسم الفرد وإن لم يكن على صيغة الجمع يفيد فائدة العموم في ثلاثة مواضع‏:‏ أحدها‏:‏ أن يدخل عليه الالف واللام، كقوله‏:‏ لا تبيعوا البر بالبر‏.‏ والثاني‏:‏ النفي في النكرة لان النكرة في النفي تعم، كقولك‏:‏ ما رأيت رجلا لان النفي لا خصوص له بل هو مطلق فإذا أضيف إلى منكر لم يتخصص بخلاف قوله‏:‏ رأيت رجلا، فإنه إثبات، والاثبات يتخصص في الوجود، فإذا أخبر عنه لم يتصور عمومه، وإذا أضيف إلى مفرد اختص به‏.‏ الثالث‏:‏ أن يضاف إليه أمر أو مصدر، والفعل بعد غير واقع، بل منتظر، كقوله‏:‏ أعتق رقبة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ ‏(‏المجادلة‏:‏ 3‏)‏ فإنه ما من رقبة إلا وهو ممتثل باعتاقها، والاسم متناول للكل، فنزل منزلة العموم، بخلاف قوله‏:‏ أعتقت رقبة، فإنه إخبار عن ماض قد تم وجوده، ولا يدخل في الوجود إلا فعل خاص‏.‏

مسألة ‏(‏أقل عدد الجمع‏)‏

صرف العموم إلى غير الاستغراق جائز، وهو معتاد، أما رده إلى ما دون أقل الجمع فغير جائز، ولا بد من بيان أقل الجمع، وقد اختلفوا فيه، فقال عمر وزيد بن ثابت‏:‏ إنه اثنان، وبه قال مالك وجماعة، وقال ابن عباس والشافعي وأبو حنيفة‏:‏ ثلاثة حتى قال ابن عباس لعثمان حين رد الام من الثلث إلى السدس بأخوين‏:‏ ليس الاخوان أخوة في لغة قومك، فقال‏:‏ حجبها قومك يا غلام، وقال ابن مسعود‏:‏ إذا اقتدى بالامام ثلاثة اصطفوا خلفه، وإذا اقتدى اثنان وقف كل واحد عن جانب وهذا يشعر من مذهبه بأنه يرى أقل الجمع ثلاثة، وليس من حقيقة هذا الخلاف منع جمع الاثنين بلفظ يعمهما، فإن ذلك جائز ومعتاد، لكن الخلاف في أن لفظ الناس والرجال والفقراء وأمثاله يطلق على ثلاثة فما زاد حقيقة، وهل يطلق على الاثنين حقيقة أم لا‏؟‏ واختار القاضي أن أقل الجمع اثنان، واستدل بإجماع أهل اللغة على جواز إطلاق اسم الجمع على اثنين في قولهم‏:‏ فعلتم وفعلنا وتفعلون، وقد ورد به القرآن، قال الله تعالى في قصة موسى وهارون‏:‏ ‏{‏إنا معكم مستمعون‏}‏ ‏(‏الشعراء‏:‏ 51‏)‏ وقال‏:‏ ‏{‏فررتم‏}‏ ‏(‏يوسف‏:‏ 38‏)‏ وهما يوسف وأخوه، وقال‏:‏ ‏{‏فقد صغت قلوبكما‏}‏ ‏(‏التحريم‏:‏ 4‏)‏ ولهما قلبان، وقال‏:‏ ‏{‏وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث‏}‏ ‏(‏الانبياء‏:‏ 87‏)‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وكنا لحكمهم شاهدين‏}‏ ‏(‏الانبياء‏:‏ 87‏)‏ وهما اثنان، وقال‏:‏ ‏{‏وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما‏}‏ ‏(‏الحجرات‏:‏ 9‏)‏ وهما طائفتان، وقال‏:‏ ‏{‏وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب‏}‏ ‏(‏ص‏:‏ 12‏)‏ وهما ملكان، فإن قيل‏:‏ عن كل واحد من هذا جواب، فقوله‏:‏ ‏{‏إنا معكم مستمعون‏}‏ ‏(‏الشعراء‏:‏ 51‏)‏ يعني هارون وموسى وفرعون وقومه وهم جماعة، وقوله‏:‏ ‏{‏قلوبكما‏}‏ ‏(‏التحريم‏:‏ 4‏)‏ لضرورة استثقال الجمع بين اثنتين، مع أن القلوب على وزن الواحد في بعض الالفاظ، وقوله‏:‏ ‏{‏عسى الله يأتيني بهم جميعا‏}‏ ‏(‏يوسف‏:‏ 38‏)‏ أراد به يوسف وأخاه، والاخ الاكبر الذي تخلف عن الاخوة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وكنا لحكمهم شاهدين‏}‏ ‏(‏الانبياء‏:‏ 87‏)‏ أي حكمهما مع الجمع المحكوم عليهم، وقوله‏:‏ ‏{‏وإن طائفتان‏}‏ ‏(‏الحجرات‏:‏ 9‏)‏ كل طائفة جمع، قلنا‏:‏ هذه تعسفات وتكلفات إنما يحوج إليها ضرورة نقل من أهل اللغة في استحالة إطلاق اسم الجمع على الاثنين وإذا لم يكن نقل صريح فيحمل خلافهم على الحقيقة كما ورد، فإن قيل‏:‏ ههنا أدلة أربعة الأول‏:‏ أن الاثنين لو كانا جمعا لكان قولنا فعلا اسم جمع، فليجز إطلاقه على الثلاثة فصاعدا، كقوله‏:‏ فعلوا، فإنه لما كان اسم جمع جاز على الثلاثة فما فوقها، قلنا‏:‏ فعلوا اسم جمع مشترك بين سائر أعداد الجمع، وفعلا اسم جمع خاص، لان الجمع لا يستدعي إلا الانضمام، وذلك يحصل في الاثنين، وهو كالعشرة، فإنه اسم مع، لكن جمع خاص، فلا يصلح لغيره، وكيف ينكر كون الاثنين جمعا‏.‏ ويقول الرجلان‏:‏ نحن فعلنا، فإن قيل‏:‏ قد يقول الواحد ذلك، كقوله‏:‏ ‏{‏إنا أنزلناه في ليلة القدر‏}‏ ‏(‏القدر‏:‏ 1‏)‏ قلنا‏:‏ ذلك مجاز بالاتفاق وهذا ليس بمجاز‏.‏ الثاني‏:‏ قولهم أجمع أهل اللغة على أن الاسماء ثلاثة أضرب‏:‏ توحيد وتثنية وجمع، وهو رجل ورجلان ورجال، فلتكن هذه الثلاثة متباينة، قلنا‏:‏ ما قالوا الرجلان ليس اسم جمع لكن وضعوا البعض أعداد الجمع اسما خاصا كالعشرة، وجعلوا اسم الرجال مشتركا‏.‏ الثالث‏:‏ قولهم فرق في اللسان بين الرجال والرجلين، وما ذكرتموه رفع للفرق‏؟‏ قلنا‏:‏ الفرق أن الرجلين اسم جمع خاص وهو للاثنين، والرجال اسم جمع مشترك لكل جمع من الاثنين والثلاثة، فما زاد‏.‏ الرابع‏:‏ قولهم لو صح هذا لجاز أن يقال‏:‏ رأيت اثنين رجال، كما يقال رأيت ثلاثة رجال، قلنا‏:‏ هذا ممتنع لان العرب لم تستعمله على هذا الوجه، ولا يمكن تعدي عرفهم، وعلى الجملة فمن يرد لفظ الجمع إلى الاثنين ربما يفتقر إلى دليل أظهر ممن يرده إلى الثلاثة، وإذا رده إلى الواحد فقد غير اللفظ النص بقرينة، فإن قيل‏:‏ فقد يقول لامرأته أتخرجين وتكلمين الرجال، وربما يريد رجلا واحدا‏؟‏ قلنا‏:‏ ذلك استعمال لفظ الجمع بدلا عن لفظ الواحد، لتعلق غرض الزوج لجنس الرجال، لا أنه عنى بلفظ الرجال رجلا واحدا، أما إذا أراد رجلين أو ثلاثة فقد ترك اللفظ على حقيقته‏.‏

الباب الثالث في الأدلة التي يخص بها العموم

لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم في جواز تخصيصه بالدليل، إما بدليل العقل أو السمع أو غيرهما، وكيف ينكر ذلك مع الاتفاق على تخصيص قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خالق كل شئ‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 201، الرعد‏:‏ 61، الزمر‏:‏ 62، غافر‏:‏ 62‏)‏ ويحيى إليه ثمرات كل شئ‏}‏ ‏(‏القصص‏:‏ 57‏)‏ و ‏(‏تدمر كل شئ‏)‏ ‏[‏ الاحقاف‏:‏ 25 ‏]‏ و ‏(‏أوتيت من كل شئ‏)‏ ‏[‏ النمل‏:‏ 83 ‏]‏ ‏{‏الزانية والزاني‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 2‏}‏ ‏(‏وورثه أبواه‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 11‏)‏ ‏(‏ويوصيكم الله في أولادكم‏)‏ ‏(‏النساء‏:‏ 11‏)‏ وفيما سقت السماء العشر فإن جميع عمومات الشرع مخصصة بشروط في الأصل والمحل والسبب، وقلما يوجد عام لا يخصص، مثل قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو بكل شئ عليم‏)‏ فإنه باق على العموم‏.‏ والأدلة التي يخص بها العموم أنواع عشرة‏:‏ الأول‏:‏ دليل الحس وبه خصص قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأوتيت من كل شئ‏}‏ ‏(‏النمل‏:‏ 32‏)‏ فإن ما كان في يد سليمان لم يكن في يدها وهو شئ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تدمر كل شئ بأمر ربها‏}‏ ‏(‏الاحقاف‏:‏ 52‏)‏ خرج منه السماء والارض وأمور كثيرة بالحس‏.‏ الثاني‏:‏ دليل العقل، وبه خصص قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خالق كل شئ‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 102‏)‏ الرعد 16، الزمر‏:‏ 62، غافر‏:‏ 62‏)‏ إذ خرج عنه ذاته وصفاته، إذ القديم يستحيل تعلق القدرة به، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ولله على الناس حج البيت‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 79‏)‏ خرج منه الصبي والمجنون، لان العقل قد دل على استحالة تكليف من لا يفهم، فإن قيل كيف يكون العقل مخصصا وهو سابق على أدلة السمع، والمخصص ينبغي أن يكون متأخرا، ولان التخصيص إخراج ما يمكن دخوله تحت اللفظ وخلاف المعقول لا يمكن أن يتناوله اللفظ‏؟‏ قلنا‏:‏ قال قائلون‏:‏ لا يسمى دليل العقل مخصصا لهذا الحال، وهو نزاع في عبارة فإن تسمية الأدلة مخصصة تجوز، فقد بينا أن تخصيص العام محال، لكن الدليل يعرف إرادة المتكلم، وأنه أراد باللفظ الموضوع للعموم معنى خاصا، ودليل العقل يجوز أن يبين لنا أن الله تعالى ما أراد بقوله‏:‏ ‏{‏خالق كل شئ‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 201، الرعد‏:‏ 16، الرمر‏:‏ 62، غافر‏:‏ 62‏)‏ نفسه وذاته، فإنه وإن تقدم دليل العقل فهو موجود أيضا عند نزول اللفظ، وإنما يسمى مخصصا بعد نزول الآية لا قبله، وأما قولهم‏:‏ لا يجوز دخوله تحت اللفظ، فليس كذلك، بل يدخل تحت اللفظ من حيث اللسان، ولكن يكون قائله كاذبا، ولما وجب الصدق في كلام الله تعالى تبين أنه يمتنع دخوله تحت الارادة مع شمول اللفظ له من حيث الوضع‏.‏ الثالث‏:‏ دليل الإجماع، ويخصص به العام، لان الإجماع قاطع لا يمكن الخطأ فيه والعام يتطرق إليه الاحتمال، ولا تقضي الامة في بعض مسميات العموم، بخلاف موجب العموم إلا عن قاطع بلغهم في نسخ اللفظ الذي كان قد أريد به العموم، أو في عدم دخوله تحت الارادة عند ذكر العموم، والإجماع أقوى من النص الخاص، لان النص الخاص محتمل نسخه، والإجماع لا ينسخ، فإنه إنما ينعقد بعد انقطاع الوحي‏.‏ الرابع‏:‏ النص الخاص يخصص اللفظ العام، فقوله‏:‏ فيما سقت السماء العشر يعم ما دون النصاب، وقد خصصه قوله عليه السلام‏:‏ لا زكاة فيما دون خمسة أوسق وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 83‏)‏ يعم كل مال، وخرج ما دون النصاب بقوله‏:‏ لا قطع إلا في ربع دينار فصاعدا وقوله‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ ‏(‏المجادلة‏:‏ 3‏)‏ يعم الكافرة، فلو ورد مرة أخرى ‏{‏فتحرير رقبة مؤمنة‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 29‏)‏ في الظهار بعينة لتبين لنا أن المراد بالرقبة المطلبة العامة هي المؤمنة على الخصوص، وقد ذهب قوم إلى أن الخاص والعام يتعارضان ويتدافعان، فيجوز أن يكون الخاص سابقا، وقد ورد العام بعده لارادة العموم فنسخ الخاص، ويجوز أن يكون العام سابقا، وقد أريد به العموم ثم نسخ باللفظ الخاص بعده، فعموم الرقبة مثلا يقتضي أجزاء الكافرة مهما أريد به العموم، والتقييد بالمؤمنة يقتضي منع أجزاء الكافرة فهما متعارضان، وإذا أمكن النسخ والبيان جميعا فلم يتحكم بحمله على البيان دون النسخ، ولم يقطع بالحكم على العام بالخاص، ولعل العام هو المتأخر الذي أريد به العموم وينسخ به الخاص، وهذا هو الذي اختاره القاضي، والاصح عندنا تقديم الخاص، وإن كان ما ذكره القاضي ممكنا، ولكن تقدير النسخ محتاج إلى الحكم بدخول الكافرة‏.‏ تحت اللفظ ثم خروجه عنه، فهو إثبات وضع ورفع بالتوهم، وإرادة الخاص باللفظ العام غالب معتاد بل هو الاكثر، والنسخ كالنادر، فلا سبيل إلى تقديره بالتوهم، ويكاد يشهد لما ذكرناه من سير الصحابة والتابعين كثير، فإنهم كانوا يسارعون إلى الحكم بالخاص على العام، وما اشتغلوا بطلب التاريخ والتقدم والتأخر‏.‏ الخامس‏:‏ المفهوم بالفحوى كتحريم ضرب الاب، حيث فهم من النهي عن التأفيف، فهو قاطع كالنص، وإن لم يكن مستندا إلى لفظ، ولسنا نريد اللفظ بعينه بل لدلالته، فكل دليل سمعي قاطع، فهو كالنص، والمفهوم عند القائلين به أيضا كالمنطوق، حتى إذا ورد عام في إيجاب الزكاة في الغنم، ثم قال الشارع‏:‏ في سائمة الغنم زكاة، أخرجت المعلوفة من مفهوم هذا اللفظ عن عموم اسم الغنم والنعم‏.‏ السادس‏:‏ فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو دليل على ما سيأتي بشرطه عند ذكر دلالة الافعال، وإنما يكون دليلا إذا عرف من قوله أنه قصد به بيان الاحكام، كقوله عليه السلام‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم فإن لم يتبين أنه أراد به البيان، فإذا ناقض فعله لحكمه الذي حكم به فلا يرفع أصل الحكم بفعله المخالف له لكن قد يدل على التخصيص، ونذكر له ثلاثة أمثلة‏:‏ المثال الأول‏:‏ إنه نهى عن الوصال ثم واصل، فقيل له‏:‏ نهيت عن الوصال ونراك تواصل‏؟‏ فقال‏:‏ إني لست كأحدكم إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني فبين أنه ليس يريد بفعله بيان الحكم، ثم تحريم الوصال إن كان بقوله لا تواصلوا أو نهيتكم عن الوصال فلا يدخل فيه الرسول عليه السلام لانه مخاطب غيره، والمخاطب إنما يدخل تحت خطاب نفسه إذا أثبت الحكم بلفظ عام، كقوله‏:‏ حرم الوصال على كل عبد أو على كل مكلف، أو على كل إنسان، أو كل مؤمن أو ما يجري مجراه، وإن كان بلفظ عام فيكون فعله تخصيصا‏.‏ المثال الثاني‏:‏ أنه نهى عن استقبال القبلة في قضاء الحاجة ثم رآه ابن عمر مستقبلا بيت المقدس على سطح، فيحتمل أنه تخصيص، لانه كان وراء سترة والنهي كان مطلقا، وأريد به ما إذا لم يكن ساتر، ويحتمل أنه كان مستثنى ومخصوصا فهو دليل على خروجه عن العموم إن كان اللفظ المحرم عاما له، ولا يصلح هذا، لان ينسخ به تحريم الاستقبال لانه فعل يكون في خلوة وخفية فلا يصلح لان يراد به البيان، فإن ما أريد به البيان يلزمه إظهاره عند أهل التواتر أن تعبد فيه الخلق بالعلم وإن لم يتعبدوا إلا بالظن والعمل، فلا بد من إظهاره لعدل أو لعدلين‏.‏ المثال الثالث‏:‏ أنه نهى عن كشف العورة ثم كشف فخذه بحضرة أبي بكر وعمر، ثم دخل عثمان رضي الله عنهم فستره، فعجبوا منه فقال‏:‏ ألا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء فهذا لا يرفع النهي، لاحتمال أنه لم يكن داخلا فيه، أو لعله كشفه لعارض وعذر، فإنه حكاية حال، أو أريد بالفخذ ما يقرب منه وليس داخلا في حده أو إباحته خاصة له أو نسخ تحريم كشف العورة، وإذا تعارضت الاحتمالات فلا يرتفع التحريم في حق غيره بالوهم‏.‏ السابع‏:‏ تقرير رسول الله صلى الله عليه وسلم واحدا من أمته على خلاف موجب العموم، وسكوته عليه السلام عليه يحتمل نسخ أصل الحكم، أو تخصيص ذلك الشخص بالنسخ في حقه خاصة له، أو تخصيص وصف وحال ووقت ذلك الشخص ملابس له فيشاركه في الخصوص من شاركه في ذلك المعنى، فإن كان قد ثبت ذلك الحكم في كل وقت وفي كل حال تعين تقرير لكونه نسخا، إما على الجملة، وإما في حقه خاصة، والمستيقن حقه خاصة لكن لو كان من خاصيته لوجب على النبي عليه السلام أن يبين اختصاصه بعد أن عرف أمته أن حكمه في الواحد كحكمه في الجماعة، فيدل من هذا الوجه على النسخ المطلق، ولما أقر عليه السلام أصحابه على ترك زكاة الخيل مع كثرتها في أيديهم دل على سقوط زكاة الخيل، إذ ترك الفرض منكر يجب إنكاره، فإن قيل‏:‏ فلعلهم أخرجوا ولم ينقل إلينا، أو لعله لم يكن في خيلهم سائمة، قلنا‏:‏ العادة تحيل اندراس إخراجهم الزكاة طول أعمارهم والسوم قريب من الامكان، ويجب شرح ما يقرب وقوعه فلو وجب لذكره فهذه سبع مخصصات ووراءها ثلاثة تظن مخصصات، وليست منها فننظمها في سلك المخصصات‏.‏ الثامن‏:‏ عادة المخاطبين فإذا قال لجماعة من أمته‏:‏ حرمت عليكم الطعام والشراب مثلا وكانت عادتهم تناولهم جنسا من الطعام، فلا يقتصر بالنهي على معتادهم بل يدخل فيه لحم السمك والطير، وما لا يعتاد في أرضهم لان الحجة في لفظه، وهو عام وألفاظه غير مبنية على عادة الناس في معاملاتهم، حتى يدخل فيه شرب البول وأكل التراب وابتلاع الحصاة والنواة، وهذا بخلاف لفظ الدابة، فإنها تحمل على ذوات الاربع خاصة لعرف أهل اللسان في تخصيص اللفظ وأكل النواة والحصاة يسمى أكلا في العادة، وإن كان لا يعتاد فعله، ففرق بين أن لا يعتاد الفعل وبين أن يعتاد إطلاق الاسم على الشئ، وعلى الجملة‏:‏ فعادة الناس تؤثر في تعريف مرادهم من ألفاظهم، حتى أن الجالس على المائدة يطلب الماء يفهم منه العذب البارد، لكن لا تؤثر في تغيير خطاب الشارع إياهم‏.‏ التاسع‏:‏ مذهب الصحابي إذا كان بخلاف العموم فيجعل مخصصا عند من يرى قول الصحابي حجة يجب تقليده وقد أفسدناه، وكذلك تخصيص الراوي يرفع العموم عند من يرى أن مذهب الراوي إذا خالف روايته يقدم مذهبه على روايته، وهذا أيضا مما أفسدناه بل الحجة في الحديث ومخالفته وتأويله وتخصيصه يجوز أن تكون عن اجتهاد ونظر لا نرتضيه فلا نترك الحجة بما ليس بحجة بل لو كان اللفظ محتملا وأخذ الراوي بأحد محتملاته واحتمل أن يكون ذلك عن توقيف فلا تجب متابعته ما لم يقل إني عرفته من التوقيف، بدليل أنه لو رواه روايان وأخذ كل واحد باحتمال آخر فلا يمكننا أن نتبعهما أصلا‏.‏ العاشر‏:‏ خروج العام على سبب خاص جعل دليلا على تخصصه عند قوم، وهو غير مرضي عندنا كما سبق تقريره واختتام هذا الكتاب بذكر مسألتين في تخصيص عموم القرآن بخبر الواحد وبالقياس‏.‏

مسألة ‏(‏تخصيص العموم بخبر الواحد‏)‏

خبر الواحد إذا ورد مخصصا لعموم القرآن اتفقوا على جواز التعبد به لتقديم أحدهما على الآخر، لكن اختلفوا في وقوعه على أربعة مذاهب، فقال‏:‏ بتقديم العموم قوم وبتقديم الخبر قوم، وبتقابلهما والتوقف إلى ظهور دليل آخر قوم، وقال قوم‏:‏ إن كان العموم مما دخله التخصيص بدليل قاطع فقد ضعف وصار مجازا، فالخبر أولى منه وإلا فالعموم أولى وإليه ذهب عيسى بن أبان‏.‏ احتج القائلون بترجيح العموم بمسلكين‏:‏ الأول‏:‏ أن عموم الكتاب، مقطوع به، وخبر الواحد مظنون، فكيف يقدم عليه‏؟‏ الاعتراض من أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن دخول أصل محل الخصوص في العموم، وكونه مراد، به مظنون ظنا ضعيفا يستند إلى صيغة العموم وقد أنكره الواقفية وزعموا أنه مجمل، فكيف ينفع كون أصل الكتاب مقطوعاته فيما لا يقطع بكونه مرادا بلفظه‏.‏ الثاني‏:‏ أنه لو كان مقطوعا به للزم تكذيب الراوي قطعا ولا شك في إمكان صدقه، فإن قيل‏:‏ فلو نقل النسخ فصدقه أيضا ممكن ولا يقبل، قلنا‏:‏ لا جرم لا يعلل رده بكون الآية مقطوعا بها، لان دوام حكمها إنما يقطع به بشرط أن الايراد ناسخ فلا يبقى القطع مع وروده، لكن الإجماع منع من نسخ القرآن بخبر الواحد، ولا مانع من التخصيص‏.‏ الثالث‏:‏ أن براءة الذمة قبل ورود السمع مقطوع بها، ثم ترفع بخبر الواحد، لانه مقطوع بها بشرط أن لا يرد سمع، وماء البحر مقطوع بطهارته إذا جعل في كوز، لكن بشرط أن لا يرد سمع بأن يخبر عدل بوقوع النجاسة فيه، وكذلك العموم ظاهر في الاستغراق بشرط أن لا يرد خاص‏.‏ الرابع‏:‏ أن وجوب العمل بخبر الواحد مقطوع به بالإجماع، وإنما الاحتمال في صدق الراوي ولا تكليف علينا في اعتقاد صدقه، فإن سفك الدم وتحليل البضع واجب بقول عدلين قطعا مع أنا لا نقطع بصدقهما، فوجوب العمل بالخبر مقطوع به وكون العموم مستغرقا غير مقطوع به فإن قيل‏:‏ إنما يجب العمل بخبر لا يقابل عموم القرآن‏؟‏ قلنا‏:‏ يقابله أنه إنما يجب العمل بعموم لا يخصصه حديث نص ينقله عدل ولا فصل بين الكلامين‏.‏ المسلك الثاني‏:‏ قولهم إن الحديث إما أن يكون نسخا أو بيانا، والنسخ لا يثبت بخبر الواحد إتفاقا وإن كان بيانا فعال إذا البيان ما يقترن بالمبين وما يعرفه الشارع أهل التواتر حتى تقوم الحجة به قلنا هو بيان ولا يجب اقتران البيان، بل يجوز تأخيره عندنا وما يدريهم أنه وقع متراخيا، فلعله كان مقترنا، والراوي لم يرو اقترانه، كيف ويجوز أن يقول بعد ورود آية السرقة لا قطع إلا في ربع دينار من الحرز وأما قولهم‏:‏ ينبغي أن يلقيه إلى عدد التواتر فتحكم، بل إذا لم يكلفهم العلم، بل العمل جاز تكليفهم بقول عدل واحد، ثم ما يدر بهم فلعله ألقاه إلى عدد التواتر فماتوا قبل النقل أو نسوا، أو هم في الاحياء، لكنا ما لقينا منهم إلا واحدا حجة القائلين بتقديم الخبر أن الصحابة ذهبت إليه، إذ روى أبو هريرة أن المرأة لا تنكح على عمتها وخالتها فخصصوا به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحل لكم ما وراء ذلكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 42‏)‏ وخصصوا عموم آية المواريث برواية أبي هريرة أنه لا يرث القاتل والعبد ولا أهل ملتين ورفعوا عموم آية الوصية بقوله‏:‏ لا وصية لوارث ورفعوا عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى تنكح زوجا غيره‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 32‏)‏ برواية من روى‏:‏ حتى تذوق عسيلتها إلى نظائر لذلك كثيرة لا تحصى‏.‏ الاعتراض‏:‏ إن هذا ليس قاطعا بأنهم رفعوا العموم بمجرد قول الراوي، بل ربما قامت الحجة عندهم على صحة قوله بأمور وقرائن وأدلة سوى مجرد قوله، كما نقل أن أهل قباء تحولوا عن القبلة بخبر واحد، وهو نسخ، لكنهم لعلهم عرفوا صدقه برفع صوته في جوار النبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه، وأن ذلك لا يمكن الكذب فيه‏.‏ حجة القائلين بالتوقف وهو اختيار القاضي أن العموم وحده دليل مقطوع الأصل مظنون الشمول، والخبر وحده مظنون الأصل مقطوع به في اللفظ والمعنى وهما متقابلان، ولا دليل على الترجيح فيتعارضان والرجوع إلى دليل آخر، والمختار أن خبر العدل أولى، لان سكون النفس إلى عدل واحد في الرواية لما هو نص كسكونها إلى عدلين في الشهادة أما اقتضاء آية المواريث الحكم في حق القاتل والكافر ضعيف، وكلام من يدعي إجمال العموم قوي واقع وكلام من ينكر خبر الواحد ولا يجعله حجة في غاية الضعف، ولذلك ترك توريث فاطمة رضي الله عنها بقول أبي بكر‏:‏ نحن معاشر الانبياء لا نورث الحديث فنحن نعلم أن تقدير كذب أبي بكر وكذب كل عدل أبعد في النفس من تقدير كون آية المواريث مسوقة لتقدير المواريث لا للقصد إلى بيان حكم النبي عليه الصلاة والسلام والقاتل والعبد والكافر وهذه النوادر‏.‏

مسألة ‏(‏تعارض القياس مع العموم‏)‏

قياس نص خاص إذا قابل عموم نص آخر، فالذاهبون إلى أن العموم حجة لو انفرد والقياس حجة لو انفرد، اختلفوا فيه على خمسة مذاهب‏:‏ فذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وأبو الحسن الاشعري إلى تقديم القياس على العموم، ذهب الجبائي وابنه وطائفة من المتكلمين والفقهاء إلى تقديم العموم، وذهب القاضي وجماعة إلى التوقف لحصول التعارض، وقال قوم‏:‏ يقدم على العموم جلى القياس دون خفيه، وقال عيسى بن أبان‏:‏ يقدم القياس على عموم دخله التخصيص دون ما لم يدخله‏.‏ حجاج من قدم العموم ثلاث‏:‏ الأولى‏:‏ أن القياس فرع، والعموم أصل، فكيف يقدم فرع على أصل‏؟‏ الاعتراض من وجوه‏:‏ الأول‏:‏ أن القياس فرع نص آخر لا فرع النص المخصوص به، والنص تارة يخصص بنص آخر وتارة بمعقول نص آخر، ولا معنى للقياس إلا معقول النص، وهو الذي يفهم المراد من النص، والله هو الواضع لاضافة الحكم إلى معنى النص، إلا أنه مظنون نص، كما أن العموم وتناوله للمسمى الخاص مظنون نص آخر فهما ظنان في نصين مختلفين، وإذا خصصنا بقياس الارز على البر عموم قوله‏:‏ ‏{‏وأحل الله البيع وحرم الربا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 572‏)‏ لم نخصص الأصل بفرعه‏:‏ فإن الارز فرع، حديث البر لا فرع آية إحلال البيع‏.‏ الثاني‏:‏ أنه يلزم أن لا يخصص القرآن بخبر الواحد لانه فرع، فإنه يثبت بأصل من كتاب وسنة فيكون فرعا له، فقد سلم التخصيص بخبر الواحد من لا يسلم التخصيص بالقياس فهذا لازم لهم، فإن قيل‏:‏ خبر الواحد ثبت بالإجماع لا بالظاهر والنص، قلنا وكون القياس حجة ثبت أيضا بالإجماع، ثم لا مستند للإجماع سوى النص فهو فرع الإجماع والإجماع فرع النص الحجة الثانية‏:‏ أنه إنما يطلب القياس حكم ما ليس منطوقا به، فما هو منطوق به كيف يثبت بالقياس‏؟‏‏.‏ الاعتراض‏:‏ أنه ليس منطوقا به كالنطق بالعين الواحدة، لان زيدا في قوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏ ليس كقوله‏:‏ اقتلوا زيدا، والارز في قوله‏:‏ ‏{‏وأحل الله البيع وحرم الربا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 572‏)‏ ليس كقوله‏:‏ يحل بيع الارز بالارز متفاضلا ومتماثلا، فإذا كان كونه مرادا بآية إحلال البيع مشكوكا فيه كان كونه منطوقا به مشكوكا فيه لان العام إذا أريد به الخاص كان ذلك نطقا بذلك القدر، ولم يكن نطقا بما ليس بمراد، والدليل عليه جواز تخصيصه بدليل العقل القاطع، ودليل العقل لا يجوز أن يقابل النطق الصريح من الشارع، لان الأدلة لا تتعارض، فإن قيل‏:‏ ما أخرجه العقل عرف أنه لم يدخل تحت العموم قلنا‏:‏ تحت لفظه أو تحت الارادة، فإن قلتم تحت اللفظ، فإن الله تعالى شئ وهو داخل تحت اللفظ من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خالق كل شئ‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 201، الرعد‏:‏ 16، الزمر‏:‏ 62، غافر‏:‏ 62‏)‏ وإن قلتم‏:‏ لا يدخل تحت الارادة فكذلك دليل القياس يعرفنا ذلك ولا فرق‏.‏ الحجة الثالثة‏:‏ أن النبي عليه الصلاة والسلام قال لمعاذ‏:‏ بم تحكم‏؟‏ فقال‏:‏ بكتاب الله، قال‏:‏ فإن لم تجد قال‏:‏ بسنة رسول الله قال‏:‏ فإن لم تجد‏؟‏ قال‏:‏ أجتهد رأيي فجعل الاجتهاد مؤخرا، فكيف يقدم على الكتاب‏؟‏ قلنا‏:‏ كونه مذكورا في الكتاب مبني على كونه مرادا بالعموم، وهو مشكوك فيه، فكونه في الكتاب مشكوك فيه، ولذلك جاز لمعاذ ترك العموم بالخبر المتواتر وخبر الواحد، ونص الكتاب لا يترك بالسنة إلا أن تكون السنة بيانا لمعنى الكتاب، والكتاب يبين الكتاب، والسنة تبين السنة تارة بلفظ وتارة بمعقول لفظ، ثم نقول‏:‏ حكم العقل الأصلي في براءة الذمة يترك بخبر الواحد وبقياس خبر الواحد‏:‏ لانه ليس يحكم به العقل مع ورود الخبر فيصير مشكوكا فيه معه فكذلك العموم‏.‏ حجاج القائلين بتقديم القياس اثنتان‏:‏ الأولى‏:‏ أن العموم يحتمل المجاز والخصوص، والاستعمال في غير ما وضع له، والقياس لا يحتمل شيئا من ذلك، ولانه يخصص العموم بالنص الخاص مع إمكان كونه مجازا ومؤولا فالقياس أولى‏.‏ الاعتراض‏:‏ أن احتمال الغلط في القياس ليس بأقل من احتمال ما ذكر في العموم من احتمال الخصوص والمجاز بل ذلك موجود في أصل القياس، وزيادة ضعف ما يختص به من احتمال الخصوص، والمجاز إذ القياس ربما يكون منتزعا من خبر واحد فيتطرق الاحتمال إلى أصله، وربما استنبطه من ليس أهلا للاجتهاد، فظن أنه من أهله، ولا حكم لاجتهاد غير الاهل، والعموم لا يستند إلى اجتهاد وربما يستدل على إثبات العلة بما يظنه دليلا وليس بدليل، وربما لا يستوفي جميع أوصاف الأصل فيشذ عنه وصف داخل في الاعتبار، وربما يغلط في إلحاق الفرع به لفرق دقيق بينهما لم يتنبه له، فمظنة الاحتمال والغلط في القياس أكثر‏.‏ الحجة الثانية‏:‏ قولهم تخصيص العموم بالقياس جمع بين القياس وبين الكتاب، فهو أولى من تعطيل أحدهما أو تعطيلهما وهذا فاسد، لان القدر الذي وقع فيه التقابل ليس فيه جمع، بل هو رفع للعموم وتجريد للعمل بالقياس‏.‏ حجة الواقفية‏:‏ قالوا إذا بطل كلام المرجحين كما سبق، وكل واحد من القياس والعموم دليل لو انفرد وقد تقابلا ولا ترجيح، فهل يبقى إلا التوقف، لان الترجيح إما أن يدرك بعقل أو نقل والعقل إما نظري أو ضروري، والنقل إما تواتر أو آحاد، ولم يتحقق شئ من ذلك، فيجب طلب دليل آخر، فإن قيل‏:‏ هذا يخالف الإجماع، لان الامة مجمعة على تقديم أحدهما وإن اختلفوا في التعيين، ولم يذهب أحد قبل القاضي إلى التوقف، أجاب القاضي‏:‏ بأنهم لم يصرحوا ببطلان التوقف قطعا ولم يجمعوا عليه، لكن كل واحد رأى ترجيحا‏.‏ والإجماع لا يثبت بمثل ذلك، كيف ومن لا يقطع ببطلان مذهب مخالفه في ترجيح القياس كيف يقطع بخطئه إن توقف‏؟‏ حجة من فرق بين جلى القياس وخفيه‏:‏ وهي أن جلي القياس قوي وهو أقوى من العموم والخفي ضعيف، ثم حكي عنهم أنهم فسروا الجلي بقياس العلة، والخفي بقياس الشبه، وعن بعضهم أن الجلي مثل قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ لا يقض القاضي وهو غضبان ‏"‏ وتعليل ذلك بما يدهش العقل عن تمام الفكر حتى يجري في الجائع والحاقن خفي‏.‏ والمختار أن ما ذكروه غير بعيد، فإن العموم يفيد ظنا، والقياس يفيد ظنا، وقد يكون أحدهما أقوى في نفس المجتهد، فيلزمه اتباع الاقوى، والعموم تارة يضعف بأن لا يظهر منه قصد التعميم، ويظهر ذلك بأن يكثر المخرج منه ويتطرق إليه تخصيصات كثيرة، كقوله تعالى‏:‏ ‏(‏وأحل الله البيع‏)‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 572‏)‏ فإن دلالة قوله عليه السلام‏:‏ ‏"‏ لا تبيعوا البر بالبر ‏"‏، على تحريم الارز، والتمر أظهر من دلالة هذا العموم على تحليله، وقد دل الكتاب على تحريم الخمر، وخصص به قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل لا أجد فيما أوحى إلي محرما على طاعم يطعمه‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 541‏)‏ وإذا ظهر منه التعليل بالاسكار فلو لم يرد خبر في تحريم كل مسكر لكان إلحاق النبيذ بالخمر بقياس الاسكار أغلب على الظن من بقائه تحت عموم قوله‏:‏ ‏{‏لا احد فيما أوحى إلى محرما‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 541‏)‏ وهذا ظاهر في هذه الآية، وآية احلال البيع لكثرة ما أخرج منهما ولضعف قصد العموم فيهما، ولذلك جوزه عيسى بن أبان في أمثاله دون ما بقي على العموم، ولكن لا يبعد ذلك عندنا أيضا فيما بقي عاما لانا لا نشك في أن العمومات بالاضافة إلى بعض المسميات تختلف في القوة لاختلافها في ظهور إرادة قصد ذلك المسمى بها، فإن تقابلا وجب تقديم أقوى العمومين، وكذلك أقوى القياسين إذا تقابلا قدمنا أجلاهما وأقواهما، فكذلك العموم والقياس إذا تقابلا، فلا يبعد أن يكون قياس قوي أغلب على الظن من عموم ضعيف أو عموم قوي أغلب على الظن من قياس ضعيف فنقدم الاقوى، وإن تعادلا فيجب التوقف كما قاله القاضي، إذ ليس كون هذا عموما أو كون ذلك قياسا مما يوجب ترجيحا لعينهما، بل لقوة دلالتهما، فمذهب القاضي صحيح بهذا الشرط، فإن قيل‏:‏ فهذا الخلاف الذي في تخصيص بقياس مستنبط من الكتاب إذا خصص به عموم الكتاب، فهل يجري في قياس مستنبط من الاخبار‏؟‏ قلنا‏:‏ نسبة قياس الكتاب إلى عموم الكتاب كنسبة قياس الخبر المتواتر إلى عموم الخبر المتواتر، وكنسبة قياس خبر الواحد إلى عموم خبر الواحد، والخلاف جار في الكل وكذا قياس الخبر المتواتر بالنسبة إلى عموم الكتاب، وقياس نص الكتاب بالاضافة إلى عموم الخبر المتواتر، أما قياس خبر الواحد إذا عارض عموم القرآن فلا يخفي ترجيح الكتاب عند من لا يقدم خبر الواحد على عموم القرآن، أما من يقدم الخبر فيجوز أن يتوقف في قياس الخبر، فإنه ازداد ضعفا وبعدا وما في معنى الأصل، والمعلوم بالنظر الجلي قريب من الأصل، فلا يبعد أن يكون أقوى في النفس في بعض الاحوال من ظن العموم، فالنظر فيه إلى المجتهد، فإن قيل الخلاف في هذه المسألة من جنس الخلاف في القطعيات أو في المجتهدات، قلنا يدل سياق كلام القاضي على أن القول في تقديم خبر الواحد على عموم الكتاب، وفي تقديم القياس على العموم مما يجب القطع بخطأ المخالف فيه، لانه من مسائل الاصول، وعندي أن إلحاق هذا بالمجتهدات أولى فإن الأدلة من سائر الجوانب فيه متقاربة غير بالغة مبلغ القطع‏.‏

الباب الرابع في تعارض العمومين ووقت جواز الحكم بالعموم

وفيه فصول‏:‏

الفصل الأول‏:‏ في التعارض

اعلم أن المهم الأول معرفة محل التعارض، فنقول‏:‏ كل ما دل العقل فيه على أحد الجانبين فليس للتعارض فيه مجال إذ الأدلة العقلية يستحيل نسخها وتكاذبها، فإن ورد دليل سمي على خلاف العقل، فأما لا يكون متواترا فيعلم أنه غير صحيح، وإما أن يكون متواترا فيكون مؤولا ولا يكون متعارضا، وأما نص متواتر لا يحتمل الخطأ والتأويل، وهو على خلاف دليل العقل، فذلك محال، لان دليل العقل لا يقبل النسخ والبصلان، مثال ذلك‏:‏ المؤول في العقليات‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏خالق كل شئ‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 102‏)‏ الرعد‏:‏ 160، الزمر‏:‏ 62، غافر‏:‏ 62‏)‏ إذ خرج بدليل العقل ذات القديم وصفاته، وقوله‏:‏ ‏{‏وهو بكل شئ عليم‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 101، الحديد‏:‏ 3‏)‏ دل العقل على عمومه، ولا يعارضه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قل أتنبئون الله بما لا يعلم‏}‏ ‏(‏يونس‏:‏ 81‏)‏ إذ معناه ما لا يعلم له أصلا، أي يعلم أنه لا أصل له، ولا يعارضه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلوا أخباركم‏}‏ ‏(‏محمد‏:‏ 13‏)‏ إذا معناه أنه يعلم المجاهدة كائنة وحاصلة، وفي الازل لا يوصف علمه بتعلقه بحصول المجاهدة قبل حصولها، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وتخلقون إفكا‏}‏ ‏(‏العنكبوت‏:‏ 71‏)‏ لا يعارض قوله‏:‏ ‏{‏خالق كل شئ‏}‏ لان المعنى به الكذب دون الايجاد، وكذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 011‏)‏ لان معناه‏:‏ تقدر والخلق هو التقدير، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏أحسن الخالقين‏}‏ ‏(‏المؤمنون‏:‏ 41، الصافات‏:‏ 25‏)‏ أي المقدرين، وهكذا أبدا تأويل ما خالف دليل العقل أو خالف دليلا شرعا دل العقل على عمومه‏.‏ أما الشرعيات‏:‏ فإذا تعارض فيها دليلان فأما أن يستحيل الجمع أو يمكن، فإن امتنع الجمع لكونهما متناقضين كقوله مثلا‏:‏ من بدل دينه فاقتلوه من بدل دينه فلا تقتلوه، لا يصح نكاح بغير ولي، يصح نكاح بغير ولي، فمثل هذا لا بد أن يكون أحدهما ناسخا والآخر منسوخا فإن أشكل التاريخ فيطلب الحكم من دليل آخر، ويقدر تدافع النصين، فإن عجزنا عن دليل آخر فنتخير العمل بأيهما شئنا لان الممكنات أربعة‏:‏ العمل بهما وهو متناقض، أو اطراحهما، وهو إخلاء الواقعة عن الحكم وهو متناقض أو استعمال واحد بغير مرجح وهو تحكم، فلا يبقى إلا التخير الذي يجوز ورود التعبدية ابتداء فإن الله تعالى لو كلفنا واحدا بعينه لنصب عليه دليلا، ولجعل لنا إليه سبيلا، إذ لا يجوز تكليف بالمحال، وفي التخيير بين الدليلين المتعارضين مزيد غور سنذكره في كتاب الاجتهاد عند تخير المجتهد وتحيره، أما إذا أمكن الجمع بوجه ما فهو على مراتب‏:‏ المرتبة الأولى‏:‏ عام وخاص، كقوله عليه السلام فيما سقت السماء العشر مع قوله لا صدقة فيما دون خمسة أوسق فقد ذكرنا من مذهب القاضي أن التعارض واقع لامكان كون أحدهما نسخا بتقدير إرادة العموم بالعام، والمختار أن يجعل بيانا ولا يقدر النسخ إلا لضرورة فإن فيه تقدير دخول ما دون النصاب تحت وجوب العشر ثم خروجه منه وذلك لا سبيل إلى إثباته بالتوهم من غير ضرورة‏.‏ المرتبة الثانية‏:‏ وهي قريبة من الأولى أن يكون اللفظ المؤول قويا في الظهور بعيدا عن التأويل لا ينقدح تأويله إلا بقرينة، فكلام القاضي فيه أوجه، ومثاله قوله عليه السلام‏:‏ إنما الربا في النسيئة كما رواه ابن عباس، فإنه كالصريح في نفي ربا الفضل، ورواية عبادة بن الصامت في قوله‏:‏ الحنطة بالحنطة مثلا بمثل صريح في إثبات ربا الفضل، فيمكن أن يكون أحدهما ناسخا للآخر، ويمكن أن يكون قوله‏:‏ إنما الربا في النسيئة أي في مختلفي الجنس، ويكون قد خرج على سؤال خاص عن المختلفين أو حاجة خاصة حتى ينقدح الاحتمال، والجمع بهذا التقدير ممكن، والمختار أنه وإن بعد أولى من تقدير النسخ، وللقاضي أن يقول‏:‏ قطعكم بأنه أراد به الجنسين تحكم لا يدل عليه قاطع، ويخالف ظاهر اللفظ المفيد للظن، والتحكم بتقدير ليس يعضده دليل قطعي ولا ظني لا وجه له، قلنا‏:‏ يحملنا عليه ضرورة الاحتراز عن النسخ، فيقول‏:‏ فما المانع من تقدير النسخ، وليس في إثباته اتركاب محال ولا مخالفة دليل قطعي ولا ظني، وفيما ذكرتم مخالفة صيغة العموم ودلالة اللفظ وهو دليل ظني، فما هو الخوف والحذر من النسخ وإمكانه كإمكان البيان، فليس أحدهما بأولى من الآخر، فإن قلنا البيان أغلب على عادة الرسول عليه السلام من النسخ وهو أكثر وقوعا فله أن يقول‏:‏ وما الدليل على جواز الاخذ بالاحتمال الاكثر وإذا اشتبهت رضيعة بعشر نسوة فالاكثر حلال، وإذا اشتبه إناء نجس بعشر أوان طاهرة فلا ترجيح للاكثر بل لا بد من الاجتهاد والدليل ولا يجوز أن يأخذوا واحدا ويقدر حله أو طهارته، لان جنسه أكثر، لكنا نقول‏:‏ الظن عبارة عن أغلب الاحتمالين، ولكن لا يجوز إتباعه إلا بدليل فخبر الواحد لا يورث إلا غلبة الظن من حيث إن صدق العدل أكثر وأغلب من كذبه، وصيغة العموم تتبع، لان إرادة ما يدل عليه الظاهر أغلب، وأكثر من وقوع غيره والفرق بين الفرع والأصل ممكن غير مقطوع ببطلائه في الاقيسة الظنية، لكن الجمع أغلب على الظن، واتباع الظن في هذه الاصول لا لكونه ظنا، لكن لعمل الصحابة به واتفاقاتهم عليه، فكذا نعلم من سيرة الصحابة إنهم ما اعتقدوا كون غير القرآن منسوخا من أوله إلى آخره، ولم يبق فيه عام لم يخصص إلا قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وهو بكل شئ عليم‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 92‏)‏ وألفاظ نادرة، بل قدروا جملة ذلك بيانا، وورد العام والخاص في الاخبار، ولا يتطرق النسخ إلى الخبر، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأقبل بعضهم على بعض يتلاومون‏}‏ ‏(‏القلم‏:‏ 03‏)‏ وتخصيصا لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏هذا يوم لا ينطقون‏}‏ ‏(‏المرسلات‏:‏ 53‏)‏ وتخصيص قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأوتيت من كل شئ‏}‏ ‏(‏النمل‏:‏ 32‏)‏ و ‏{‏تدمر كل شئ بأمر ربها‏}‏ ‏(‏الاحقاف‏:‏ 52‏)‏ و ‏{‏ويحيى إليه ثمرات كل شئ‏)‏ ‏(‏القصص‏:‏ 75‏)‏ وكانوا لا ينسخون إلا بنص وضرورة، أما بالتوهم فلا، ولعل السبب أن في جعلهما متضادين إسقاطهما ذا لم يظهر التاريخ، وفي جعله بيانا استعمالها، وإذا تخيرنا بين الاستعمال والاسقاط فالاستعمال هو الأصل ولا يجوز الاسقاط إلا لضرورة‏.‏ تنبيه‏:‏ أعلم أن القاضي أيضا إنما يقدر النسخ بشرط أن لا يظهر دلالة على إرادة البيان، مثاله قوله‏:‏ لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، عام يعارضه خصوص قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إهاب دبغ فقد طهر لكن القاضي يقدره نسخا بشرطين‏:‏ أحدهما‏:‏ أن لا ينبت في اللسان اختصاص اسم الاهاب بغير المدبوغ، فقد قيل ما لم يدبغ الجلد يسمى إهابا، فإذا دبغ فأديم وصرم وغيره، فإن صح هذا فلا تعارض بين اللفظين‏.‏ الثاني‏:‏ أنه روي عن ابن عباس أنه عليه السلام مر بشاة لميمونة ميتة فقال‏:‏ ألا أخذوا إهابها فدبغوه وانتفعوا به وكانوا قد تركوها لكونها ميتة ثم كتب‏:‏ لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب، فساق الحديث سياقا يشعر بأنه جرى متصلا، فيكون بيانا ناسخا لان شرط النسخ التراخي‏.‏ المرتبة الثالثة‏:‏ من التعارض أن يتعارض عمومان، فيزيد أحدهما على الآخر من وجه وينقص عنه من وجه، مثاله قوله عليه السلام من بدل دينه فاقتلوه فإنه يعم النساء مع قوله‏:‏ نهيت عن قتل النساء فإنه يعم المرتدات، وكذلك قوله‏:‏ نهيت عن الصلاة بعد العصر فإنه يعم الفائتة أيضا مع قوله‏:‏ من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإنه يعم المستيقظ بعد العصر، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏تعلمون‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 32‏)‏ فإنه يشمل جمع الاختين في ملك اليمين أيضا مع قوله‏:‏ ‏{‏أو ما ملكت أيمانكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 3‏)‏ فإنه يحل الجمع بين الاختين بعمومه فيمكن أن يخصص قوله‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بني الاختين‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 32‏)‏ بجمع الاختين في النكاح دون ملك اليمين لعموم قوله‏:‏ ‏{‏أو ما ملكت أيمانكم‏}‏ فهو على مذهب القاضي تعارض وتدافع بتقدير النسخ، ويشهد له قول علي وعثمان رضي الله عنهما لما سئلا عن هذه المسألة، أعني جمع أختين في ملك اليمين، فقالا‏:‏ حرمتهما آية وحللتهما آية، أما على مذهبنا في حمله على البيان ما أمكن ليس أيضا أحدهما، بأولى من الآخر ما لم يظهر ترجيح، وقد ظهر فنقول‏:‏ حفظ عموم قوله‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بين الاختين‏}‏ أولى لمعنيين‏:‏ أحدهما‏:‏ إنه عموم لم يتطرق إليه تخصيص متفق عليه، فهو أقوى من عموم تطرق إليه التخصيص بالاتفاق إذ قد استثنى عن تحليل ملك اليمن المشتركة والمستبرأة والمجوسية والاخت من الرضاع والنسب وسائر المحرمات أما الجمع بين الاختين فحرام على العموم‏.‏ الثاني‏:‏ أن قوله‏:‏ ‏{‏وأن تجمعوا بين الاختين‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 32‏)‏ سيق بعد ذكر المحرمات وعدها على الاستقصاء إلحاقا لمحرمات تعم الحرائر والاماء، وقوله‏:‏ ‏{‏أو ما ملكت أيمانكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 3‏)‏ ما سيق لبيان المحللات قصدا بل في معرض الثناء على أهل التقوى الحافظين فروجهم عن غير الزوجات والسراري فلا يظهر منه قصد البيان‏.‏ فإن قيل‏:‏ هل يجوز أن يتعارض عمومان ويخلوا عن دليل الترجيح‏؟‏ قلنا‏:‏ قال قوم‏:‏ لا يجوز ذلك، لانه يؤدي إلى التهمة ووقوع الشبهة لتناقض الكلامين، وهو منفر عن الطاعة والاتباع والتصديق، وهذا فاسد بل، ذلك جائز ويكون ذلك مبينا لاهل العصر الأول، وإنما خفي علينا لطول المدة واندراس القرائن والأدلة ويكون ذلك محنة وتكليفا علينا لنطلب الدليل من وجه آخر من ترجيح أو نتخير، ولا تكليف في حقنا إلا بما بلغنا فليس فيه محال، وأما ما ذكروه من التنفير والتهمة فباطل، فإن ذلك قد نفر طائفة من الكفار في ورود النسخ حتى قال تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر‏}‏ ‏(‏النحل‏:‏ 101‏)‏ الآية، ثم ذلك لم يدل على استحالة النسخ‏.‏

الفصل الثاني في جواز إسماع العموم من لم يسمع الخصوص

وقد اختلفوا في جوازه فقيل‏:‏ لا يجوز ذلك، لان فيه الباسا وتجهيلا، ونحن نقول‏:‏ يجب على الشارع أن يذكر دليل الخصوص إما مقترنا وإما متراخيا على ما ذكرناه من تأخير البيان، وليس من ضرورة كل مجتهد بلغه العموم أن يبلغه دليل الخصوص، بل يجوز أن يغفل عنه، ويكون حكم الله عليه العمل بالعموم، وهذا القدر الذي بلغه لا يكلف ما لم يبلغه، ودليل جوازه وقوعه بالإجماع فإن من الأدلة المخصصة ما هي عقلية غامضة عجز عنها الاكثرون إلا الراسخون في العلم وغلطوا فيها، فالالفاظ المتشابهة في القرآن الموهمة للتشبيه بلغت الجميع والأدلة العقلية الغامضة لم ينتبه لها الجميع، ولم يرد الشرع صريحا بنفي التشبيه وقطع الوهم، وذلك سبب للجهل، والدليل عليه وقوع الجهل للمشبهة، فإن قيل‏:‏ العقل الذي يدل على التخصيص عتيد لكل عاقل، فالحوالة عليه ليس بتجهيل، قلنا وأي شئ ينفع كونه عتيدا ولم يزل به جهل الاكثرين وكان يزول بالتصريح، والنص الذي لا يوهم التشبيه أصلا، احتجوا بشبهتين‏:‏ الأولى‏:‏ إنه لو جاز ذلك لجاز أن يسمعهم المنسوخ دون الناسخ، والمستثنى دون الاستثناء‏.‏ قلنا‏:‏ ذلك جائز في النسخ، وعليه العمل بالمنسوخ إلى أن يبلغه الناسخ، وليس عليه إلا تجويز النسخ والتصفح عن دليله، فإذا لم يبلغه فلا تكليف عليه بما لم يبلغه، كما إذا عجز من معرفة التخصيص بعد البحث عمل بالعموم، وأما الاستثناء فيشترط إتصاله، فكيف لا يبلغه‏؟‏ نعم‏:‏ يجوز أن يسمعه الأول فينزعج عن المكان لعارض قبل سماع الاستثناء فلا يسمعه فلا يكون مكلفا بما لم يبلغه‏.‏ الشبهة الثانية‏:‏ قولهم تبليغ العام دون دليل الخصوص تجهيل فإنه يعتقد العموم وهو جهل، قلنا جهل من جهته إن اعتقد جزما عمومه، بل ينبغي أن يعتقد أن ظاهره العموم وهو محتمل للخصوص ومكلف بطلب دليل الخصوص إلى أن يبلغه أو يظهر له انتفاؤه، لانه إن اعتقد أنه عام قطعا أو خاص قطعا أو لا عام ولا خاص، أو هو عام وخاص معا، فكل ذلك جهل، فإذا بطل الكل لم يبق إلا اعتقاد أنه ظاهر في العموم محتمل للخصوص، وبهذا يتبين بطلان مذهب أبي حنيفة حيث قال‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92، المجادلة‏:‏ 3‏)‏ يجب أن يعتقد عمومه قطعا حتى يكون إخراج الكافرة نسخا، وقوله‏:‏ ‏{‏وليطوفوا بالبيت العتيق‏}‏ ‏(‏الحج‏:‏ 92‏)‏ يجب اعتقاد إجزائه قطعا، حتى يكون اشتراط الطهارة بدليل آخر نسخا، وهو خطأ بل يعتقده ظاهرا محتملا، أو يتوقف عن القطع والجزم نفيا وإثباتا، فإنه ليس بقاطع‏.‏

الفصل الثالث في الوقت الذي يجوز للمجتهد الحكم بالعموم فيه

فإن قال قائل‏:‏ إذا لم يجز الحكم بالعموم ما لم يتبين انتفاء دليل الخصوص، فمتى يتبين له ذلك‏:‏ وهل يشترط أن يعلم انتفاء المخصص قطعا أو يظنه ظنا‏؟‏ قلنا‏:‏ لا خلاف في أنه لا يجوز المبادرة إلى الحكم بالعموم قبل البحث عن الأدلة العشرة التي أوردناها في المخصصات، لان العموم دليل بشرط انتفاء المخصص، والشرط بعد لم يظهر، وكذلك كل دليل يمكن أن يعارضه دليل، فهو دليل بشرط السلامة عن المعارضة، فلا بد من معرفة الشرط، وكذلك الجمع بعلة مخيلة بين الفرع والأصل دليل بشرط أن لا ينقدح فرق فعليه أن يبحث عن الفوارق جهده أو ينفيها ثم يحكم بالقياس، وهذا الشرط لا يحصل إلا بالبحث، ولكن المشكل أنه إلى متى يجب البحث فإن المجتهد وإن استقصى أمكن أن يشذ عنه دليل لم يعثر عليه فكيف يحكم مع إمكانه، أو كيف ينحسم سبيل إمكانه، وقد انقسم الناس في هذا على ثلاثة مذاهب‏:‏ فقال قوم‏:‏ يكفيه أن يحصل غلبة الظن بالانتفاء عند الاستقصاء في البحث، كالذي يبحث عن متاع في بيت فيه أمتعة كثيرة فلا يجده، فيغلب على ظنه عدمه، وقائل يقول‏:‏ لا بد من اعتقاد جازم وسكون نفس بأنه لا دليل، أما إذا كان يشعر بجواز دليل يشذ عنه ويحيك في صدره إمكانه، فكيف يحكم بدليل يجوز أن يكون الحكم به حراما‏؟‏ نعم إذا اعتقد جزما وسكنت نفسه إلى الدليل جاز له الحكم كان مخطئا عند الله أو مصيبا، كما لو سكنت نفسه إلى القبلة فصلى إليها، وقال قوم‏:‏ لا بد أن يقطع بانتفاء الأدلة، وإليه ذهب القاضي لان الاعتقاد الجزم من غير دليل قاطع سلامة قلب وجهل، بل العالم الكامل يشعر نفسه بالاحتمال حيث لا قاطع ولا تسكن نفسه، والمشكل على هذا طريق تحصيل القطع بالنفي، وقد ذكر فيه القاضي مسلكين‏:‏ أحدهما‏:‏ إنه إذا بحث في مسألة قتل المسلم بالذمي عن مخصصات قوله‏:‏ لا يقتل مؤمن بكافر مثلا‏:‏ فقال هذه مسألة طال فيها خوض العلماء وكثر بحثهم فيستحيل في العادة أن يشذ عن جميعهم مدركها وهذه المدارك المنقولة عنهم علمت بطلانها، فأقطع بأن لا مخصص لها، وهذا فاسد من وجهين‏:‏ أحدهما‏:‏ إنه حجر على الصحابة أن يتمسكوا بالعموم في كل واقعة لم يكثر الخوض فيها ولم يطل البحث عنها، ولا شك في عملهم مع جواز التخصيص بل مع جواز نسخ لم يبلغهم كما حكموا بصحة المخابرة بدليل عموم إحلال البيع، حتى روى رافع بن خديج النهي عنها‏.‏ الثاني‏:‏ أنه بعد طول الخوض لا يحصل اليقين، بل إن سلم إنه لا يشذ المخصص عن جميع العلماء، فمن أين لقي جميع العلماء، ومن أين عرف أنه بلغه كلام جميعهم، فلعل منهم من تنبه لدليله وما كتبه في تصنيفه ولا نقل عنه، وإن أورده في تصنيفه فلعله لم يبلغه، وعلى الجملة لا يظن بالصحابة فعل المخابرة مع اليقين بانتفاء النهي‏:‏ وكان النهي حاصلا ولم يبلغهم، بل كان الحاصل إما ظنا وإما سكون نفس‏.‏ المسلك الثاني‏:‏ قال القاضي‏:‏ لا يبعد أن يدعي المجتهد اليقين وإن لم يدع الاحاطة بجميع المدارك، إذ يقول‏:‏ لو كان الحكم خاصا لنصب الله تعالى عليه دليلا للمكلفين، ولبلغهم ذلك وما خفي عليهم، وهذا أيضا من الطراز الأول، فإنه‏:‏ لو اجتمعت الامة على شئ أمكن القطع بأن لا دليل يخالفه إذ يستحيل إجماعهم على الخطأ، أما في مسألة الخلاف كيف يتصور ذلك والمختار عندنا، أن تيقن الانتفاء إلى هذا الحد لا يشترط، وأن المبادرة قبل البحث لا تجوز، بل عليه تحصيل علم وظن باستقصاء البحث، أما الظن فبانتفاء الدليل في نفسه، وأما القطع فبانتفائه في حقه بتحقق عجز نفسه عن الوصول إليه بعد بذل غاية وسعه، فيأتي بالبحث الممكن إلى حد يعلم أن بحثه بعد ذلك سعي ضائع، ويحس من نفسه بالعجز يقينا فيكون العجز عن العثور على الدليل في حقه يقينا، وانتفاء الدليل في نفسه مظنون، وهو الظن بالصحابة في المخابرة ونظائرها، وكذلك الواجب في القياس والاستصحاب وكل ما هو مشروط بنفي دليل آخر‏.‏

الباب الخامس في الاستثناء والشرط والتقييد بعد الاطلاق الكلام في الاستثناء

والنظر في حقيقته وحده، ثم في شرطه، ثم في تعقب الجمل المترادفة، فهذه ثلاثة فصول‏.‏

الفصل الأول في حقيقة الاستثناء

وصيغه معرفة، وهي‏:‏ إلا وعدا، وحاشا وسوى، وما جرى مجراها، وأم الباب‏:‏ لا، وحده أنه قول ذو صيغ مخصوصة محصورة دال على أن المذكور فيه لم يرد بالقول الأول، ففيه احتراز عن أدلة التخصيص، لانها قد لا تكون قولا وتكون فعلا وقرينة ودليل عقل فإن كان قولا فلا تنحصر صيغه، واحترزنا بقولنا ذو صيغ محصورة‏:‏ عن قوله‏:‏ رأيت المؤمنين ولم أر زيدا، فإن العرب لا تسميه استثناء وإن أفاد ما يفيده قوله إلا زيدا، ويفارق الاستثناء التخصيص في أنه يشترط اتصاله وأنه يتطرق إلى الظاهر والنص جميعا، إذ يجوز أن يقول‏:‏ عشرة إلا ثلاثة‏:‏ كما يقول‏:‏ اقتلوا المشركين إلا زيدا والتخصيص لا يتطرق إلى النص أصلا، وفيه احتراز عن النسخ إذ هو رفع وقطع، وفرق بين النسخ والاستثناء والتخصيص أن النسخ رفع لما دخل تحت اللفظ والاستثناء يدخل على الكلام، فيمنع أن يدخل تحت اللفظ ما كان يدخل لولاه، والتخصيص يبين كون اللفظ قاصرا عن البعض فالنسخ قطع ورفع، والاستثناء رفع، والتخصيص بيان، وسيأتي لهذا مزيد تحقيق في فصل الشرط إن شاء الله‏.‏

الفصل الثاني في الشروط

وهي ثلاثة‏:‏ الأول‏:‏ الاتصال، فمن قال‏:‏ اضرب المشركين‏:‏ ثم قال بعد ساعة‏:‏ إلا زيدا لم يعد هذا كلاما، بخلاف ما لو قال‏:‏ أردت بالمشركين قوما ما دون قوم، ونقل عن ابن عباس أنه جوز تأخير الاستثناء، ولعله لا يصح عنه النقل، إذ لا يليق ذلك بمنصبه، وأن صح فلعله أراد به إذا نوى الاستثناء أولا ثم أظهر نيته بعده فيدين بينه وبين الله فيما نواه، ومذهبه أن ما يدين فيه العبد فيقبل ظاهرا أيضا فهذا له وجه‏.‏ أما تجويز التأخير لو أجيز عليه دون هذا التأويل، فيرد عليه اتفاق أهل اللغة على خلافه لانه جزء من الكلام يحصل به الاتمام، فإذا انفصل لم يكن إتماما كالشرط وخبر المبتدأ، فإنه لو قال‏:‏ اضرب زيدا إذا قام فهذا شرط، فلو أخر ثم قال‏:‏ بعد شهر، إذا قام لم يفهم هذا الكلام فضلا عن أن يصير شرطا، وكذلك قوله‏:‏ إلا زيدا بعد شهر لا يفهم، وكذلك لو قال زيد، ثم قال بعد شهر‏:‏ قام لم يعد هذا خبرا أصلا، ومن ههنا قال قوم يجوز التأخير لكن بشرط أن يذكر عند قوله‏:‏ إلا زيدا أني أريد الاستثناء حتى يفهم، وهذا أيضا لا يغني فإن هذا لا يسمى استثناء‏.‏ احتجوا بجواز تأخير النسخ وأدلة التخصيص وتأخير البيان فنقول‏:‏ إن جاز القياس في اللغة فينبغي أن يقاس عليه الشرط والخبر، ولا ذاهب إليه لانه لا قياس في اللغات، وكيف يشبه بأدلة التخصيص وقوله‏:‏ إلا زيدا يخرج عن كونه مفهوما، فضلا عن أن يكون إتماما للكلام الأول‏.‏ والشرط الثاني‏:‏ أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، كقوله رأيت الناس إلا زيدا، ولا تقول‏:‏ رأيت الناس إلا حمارا، أو تستثنى جزءا مما دخل تحت اللفظ كقوله‏:‏ رأيت الدار إلا بابها، ورأيت زيدا إلا وجهه، وهذا استثناء من غير الجنس، لان اسم الدار لا ينطلق على الباب، واسم زيد على وجهه، بخلاف قوله‏:‏ مائة ثوب إلا ثوبا، وعن هذا قال قوم‏:‏ ليس مشرط الاستثناء أن يكون من الجنس، قال الشافعي‏:‏ لو قال‏:‏ علي مائة درهم إلا ثوبا صح ويكون معناه‏:‏ إلا قيمة ثوب، ولكن إذا رد إلى القيمة فكأنه تكلف رده إلى الجنس، وقد ورد الاستثناء من غير الجنس، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فسجد الملائكة كلهم أجمعون كيف‏}‏ ‏(‏الحجر‏:‏ 03 - 13‏)‏ ولم يكن من الملائكة، فإنه قال‏:‏ ‏{‏إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه‏}‏ ‏(‏الكهف‏:‏ 05‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 29‏)‏ استثنى الخطأ من العمد، وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فإنهم عدو لي إلا رب العالمين‏}‏ ‏(‏الشعراء‏:‏ 77‏)‏ وقال‏:‏ ‏{‏لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏)‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏وما لاحد عنده من نعمة تجزى إلا ابتغآء وجه ربه الاعلى‏)‏ ‏(‏الليل‏:‏ 91 - 02‏)‏ وهذا الاستثناء ليس فيه معنى التخصيص والاخراج إذ المستثنى ما كان ليدخل تحت اللفظ أصلا، ومن معتاد كلام العرب ما في الدار رجل إلا امرأة، وما له ابن إلا ابنة، وما رأيت أحدا إلا ثورا، وقال شاعرهم‏:‏ وبلدة ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس وقال آخر‏:‏ ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهن فلول من قراع الكتائب وقد تكلف قوم عن هذا كله جوابا فقالوا‏:‏ ليس هذا استثناء حقيقة، بل هو مجاز، وهذا خلاف اللغة، فإن إلا في اللغة للاستثناء والعرب تسمى هذا استثناء ولكن تقول‏:‏ هو استثناء من غير الجنس وأبو جنيفة رحمه الله جوز استثناء المكيل من الموزون وعكسه ولم يجوز استثناء غير المكيل والموزون منهما في الاقارير، وجوزه الشافعي رحمه الله، والأولى التجويز في الاقارير، لانه إذا صار معتادا في كلام العرب وجب قبوله لانتظامه، نعم اسم الاستثناء عليه مجاز أو حقيقة، وهذا فيه نظر، واختار القاضي رحمه الله أنه حقيقة، والاظهر عندي أنه مجاز، لان الاستثناء من الثني، تقول‏:‏ ثنيت زيدا عن رأيه وثنيت العنان، فيشعر الاستثناء بصرف الكلام عن صوبه الذي كان يقتضيه سياقه، فإذا ذكر ما لا دخول له في الكلام الأول لولا الاستثناء أيضا فما صرف الكلام ولا ثناه عن وجه استرساله، فتسميته استثناء تجوز باللفظ عن موضعه، فتكون إلا في هذا الموضع بمعنى لكن‏.‏ الشرط الثالث‏:‏ أن لا يكون مستغرقا، فلو قال‏:‏ لفلان علي عشرة إلا عشرة لزمته العشرة، لانه رفع الاقرار، والاقرار لا يجوز رفعه، وكذلك كل منطوق به لا يرفع، ولكن يتمم بما يجري مجرى الجزء من الكلام، وكما أن الشرط جزء من الكلام، فالاستثناء جزء، وإنما لا يكون رفعا بشرط أن يبقى للكلام معنى، أما استثناء الاكثر فقد اختلفوا فيه، والاكثرون على جوازه‏.‏ قال القاضي رحمه الله‏:‏ وقد نظرنا في مواضع جوازه، والاشبه أن لا يجوز، لان العرب تستقبح استثناء الاكثر وتستمحق قول القائل‏:‏ رأيت ألفا إلا تسعمائة وتسعة وتسعين بل قال كثير من أهل اللغة لا يستحسن استثناء عقد صحيح بأن يقول‏:‏ عندي مائة إلا عشرة، أو عشرة إلا درهم بل مائة إلا خمسة، وعشرة إلا دانقا، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما‏)‏ ‏(‏العنكبوت‏:‏ 41‏)‏ فلو بلغ المائة لقال‏:‏ فلبث فيهم، تسعمائة، ولكن لما كان كسرا استثناه قال‏:‏ ولا وجه لقول من قال‏:‏ لا ندري استقباحهم أطراح لهذا الكلام عن لغتهم، أو هو كراهة واستثقال، لانه إذا ثبت كراهتهم وإنكارهم ثبت أنه ليس من لغتهم، ولو جاز في هذا لجاز في كل ما أنكروه وقبحوه من كلامهم، احتجوا بأنه لما جاز استثناء الاقل، جاز استثناء الاكثر وهذا قياس فاسد كقول القائل إذا جاز استثناء البعض جاز استثناء الكل ولا قياس في اللغة، ثم كيف يقاس ما كرهوه وأنكروه على استحسنوه واحتجوا بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏قم الليل إلا قليلا ئ نصفه أو انقص منه قليلا فالملقيات‏}‏ ‏(‏المزمل‏:‏ 2 - 3 - 4‏)‏ ولا فرق بين استثناء النصف والاكثر، فإنه ليس بأقل، وقال الشاعر‏:‏ أدوا التي نقصت تسعين من مائة ثم ابعثوا حكما بالحق قوالا والجواب‏:‏ أن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قم الليل إلا قليلا نصفه‏}‏ ‏[‏ المزمل‏:‏ 2 - 4 ‏]‏ أي قم نصفه، وليس باستثناء، وقول الشاعر ليس باستثناء، إذ يجوزأن تقول‏:‏ أسقطت تسعين من جملة المائة، هذا ما كره القاضي، والأولى عندنا‏:‏ أن هذا استثناء صحيح وإن كان مستكرها، فإذا قال‏:‏ علي عشرة إلا تسعة فلا يلزمه باتفاق الفقهاء إلا درهم، ولا سبب له إلا أنه استثناء صحيح وإن كان قبيحا، كقوله علي عشرة إلا تسع سدس ربع درهم، فإن هذا قبيح لكن يصح، وإنما المستحسن استثناء الكسر، وأما قوله عشرة إلا أربعة فليس بمستحسن بل ربما يستنكر أيضا، لكن الاستنكار على الاكثر أشد، وكلما ازداد قلة ازداد حسنا‏.‏

الفصل الثالث في تعقب الجمل بالاستثناء

فإذا قال القائل‏:‏ من قذف زيدا فأضر به وأرد‏:‏ شهادته واحكم بفسقه إلا أن يتوب، أو‏:‏ إلا الذين تابوا، ومن دخل الدار وأفحش الكلام وأكل الطعام عاقبه إلا من تاب، فقال قوم‏:‏ يرجع إلى الجميع، وقال قوم‏:‏ يقصر على الاخير، وقال قوم‏:‏ يحتمل كليهما، فيجب التوقف إلى قيام دليل‏.‏ وحجج القائلين بالشمول ثلاث‏:‏ الأولى‏:‏ أنه لا فرق بين أن يقول‏:‏ اضرب الجماعة التي منها قتلة وسراق وزناة إلا من تاب، وبين قوله عاقب من قتل وزنى وسرق إلا من تاب في رجوع الاستثناء إلى الجميع‏.‏ الاعتراض‏:‏ أن هذا قياس، ولا مجال للقياس في اللغة، فلم قلتم‏:‏ أن اللفظ المتفاضل المتعدد كاللفظ المتحد‏.‏ الثانية‏:‏ قولهم أهل اللغة مطبقون على أن تكرار الاستثناء عقيب كل جملة نوع من العى واللكنة، كقوله‏:‏ إن دخل الدار فأضربه إلا أن يتوب، وإن أكل فاضربه إلا أن يتوب، وإن تكلم فاضربه إلا أن يتوب، وهذا ما لا يستنكر الخصم استقباحه، بل يقول‏.‏ ذلك واجب لتعرف شمول الاستثناء‏.‏ الثالثة‏:‏ أنه لو قال‏:‏ والله لا أكلت الطعام ولا دخلت الدار ولا كلمت زيدا إن شاء الله تعالى، يرجع الاستثناء إلى الجميع، وكذلك الشرط عقيب الجمل يرجع إليها، كقوله‏:‏ أعط العلوية والعلماء إن كانوا فقراء، وهذا مما لا تسلمه، الواقفية، بل يقولون‏:‏ هو متردد بين الشمول والاقتصار، والشك كاف في استصحاب الأصل من براءة الذمة في اليمن، ومنع الاعطاء إلا عند الاذن المستيقن، ومن سلم من المخصصة ذلك فهو مشكل عليه إلا أن يجيب بإظهار دليل فقهي يقضي في الشرط خاصة دون الاستثناء، وحجة المخصصة اثنتان‏:‏ الأولى‏:‏ قولهم أن المعممين عمموا لان كل جملة غير مستقلة فصارت جملة واحدة بالواو والعاطفة، ونحن إذا خصصنا بالاخير جعلناها مستقلة، وهذا تقرير علة للخصم واعتراض عليهم، ولعلهم لا يعللون بذلك، ثم علة عدم الاستقلال أنه لو اقتصر عليه لم يغد وهذا لا يندفع بتخصيص الاستثناء به‏.‏ الثانية‏:‏ قولهم إطلاق الكلام الأول معلوم، ودخوله تحت الاستثناء مشكوك فيه، فلا ينبغي أن يخرج منه ما دخل فيه إلا بيقين، وهذا فاسد من أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أنا لا نسلم إطلاق الأول قبل تمام الكلام، وما تم الكلام حتى أردف باستثناء يرجع إليه عند المعمم، ويحتمل الرجوع إليه عند المتوقف‏.‏ الثاني‏:‏ أنه لا يتعين رجوعه إلى الاخير، بل يجوز رجوعه إلى الأول فقط فكيف نسلم اليقين‏.‏ الثالث‏:‏ أنه لا يسلم ما ذكروه في الشرط والصفة ويسلم أكثرهم عموم ذلك، ويلزمهم قصر لفظ الجمع على الاثنين أو الثلاثة لانه المستيقن‏.‏ حجة الواقفية‏:‏ أنه إذا بطل التعميم والتخصيص، لان كل واحد تحكم ورأينا العرب تستعمل كل واحد منهما لا يمكن الحكم بأن أحدهما حقيقة والآخر مجاز، فيجب التوقف لا محالة إلا أن يثبت نقل متواتر من أهل اللغة أنه حقيقة في أحدهما مجاز في الآخرة، وهذا هو الاحق، وإن لم يكن بد من رفع التوقف، فمذهب المعممين أولى، لان الواو ظاهرة في العطف، وذلك يوجب نوعا من الاتحاديين بين المعطوف والمعطوف عليه، لكن الواو محتمل أيضا للابتداء، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏لنبين لكم ونقر في الارحام ما نشاء إلى أجل مسمى‏)‏ ‏[‏ الحج‏:‏ 5 ‏]‏ وقوله عزوجل‏:‏ ‏(‏فإن يشأ اللهه يختم على قلبك ويمح الله‏)‏ ‏[‏ الشورى‏:‏ 24 ‏]‏ والذي يدل على أن التوقف أولى أنه ورد في القرآن الاقسام كلها من الشمول والاقتصار على الاخير والرجوع إلى بعض الجمل السابقة، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏في‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 4‏)‏ فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إلا الذين تابوا‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 5‏)‏ لا يرجع إلى الجلد، ويرجع إلى الفسق، وهل يرجع إلى الشهادة‏؟‏ فيه خلاف، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله إلا أن يصدقوا‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 29‏)‏ يرجع إلى الاخير وهو الدية، لان التصدق لا يؤثر في الاعتاق، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام‏)‏ ‏[‏ المائدة‏:‏ 89 ‏]‏ فقوله‏:‏ ‏(‏فمن لم يجد‏)‏ ‏[‏ المئده‏:‏ 89 ‏]‏ يرجع إلى الخصال الثلاثة، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإذا جاءهم أمر من الامن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الامر منهم لعلمه‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏إلا قليلا‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 83‏)‏ فهذا يبعد حمله على الذي يليه لانه يؤذي إلى أن لا يتبع الشيطان بعض من لم يشمله فضل الله ورحمته، فقيل أنه محمول على قوله‏:‏ ‏(‏لعلمه الذين يستنبطونه منهم‏)‏ ‏(‏النساء‏:‏ 83‏)‏ إلا قليلا منهم لتقصير وإهمال وغلط، وقيل‏:‏ إنه يرجع إلى قوله‏:‏ ‏{‏أذاعوا به‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 83‏)‏ ولا يبعد أن يرجع إلى الاخير، ومعناه‏:‏ ولولا فصل الله عليكم ورحمته ببعثة محمد عليه السلام لاتبعتم الشيطان إلا قليلا قد كان تفضل عليهم بالعصمة من الكفر قبل البعثة، كأويس القرني، وزيد بن عمرو بن نفيل، وقس بن ساعدة وغيرهم ممن تفضل الله عليهم بتوحيده واتباع رسوله قبله‏.‏ القول في دخول الشرط على الكلام اعلم أن الشرط عبارة عما لا يوجد المشروط مع عدمه، لكن لا يلزم أن يوجد عند وجوده، وبه يفارق العلة، إذ العلة يلزم وجودها وجود المعلول، والشرط يلزم من عدمه عدم المشروط، ولا يلزم من وجوده وجوده، والشرط عقلي وشرعي ولغوي، والعقلي‏:‏ كالحياة للعلم، والعلم للارادة، والمحل للحياة، إذ الحياة تنتفي بانتفاء المحل، فإنه لا بد لها من محل، ولا يلزم وجودها بوجود المحل‏.‏ والشرعي كالطهارة للصلاة، والاحصان للرجم‏.‏ واللغوي‏:‏ كقوله إن دخلت الدار فأنت طالق، وإن جئتني أكرمتك، فإن مقتضاه في اللسان باتفاق أهل اللغة اختصاص الاكرام بالمجئ، فإنه إن كان يكرمه دون المجئ لم يكن كلامه اشتراطا، فنزل الشرط منزلة تخصيص العموم ومنزلة الاستثناء إذ لا فرق بين قوله‏:‏ ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏ إلا أن يكونوا أهل عهد، وبين أن يقول‏:‏ اقتلوا المشركين إن كانوا حربيين، وكل واحد من الشرط والاستثناء يدخل على الكلام فيغيره عما كان يقتضيه لولا الشرط والاستثناء حتى يجعله متكلما بالباقي، لا إنه مخرج من كلامه ما دخل فيه فإنه لو دخل فيه لما خرج، نعم‏:‏ كان يقبل القطع في الدوام بطريق النسخ، فأما رفع ما سبق دخوله في الكلام فمحال، فإذا قال‏:‏ أنت طالق إن دخلت الدار، فمعناه‏:‏ أنك عند الدخول طالق، فكأنه لم يتكلم بالطلاق إلا بالاضافة إلى حال الدخول، أما أن نقول‏:‏ تكلم بالطلاق عاما مطلقا دخل أو لم يدخل، ثم أخرج ما قبل الدخول فليس هذا بصحيح‏.‏ فإن قيل‏:‏ قوله ‏{‏فاقتلوا المشركين‏}‏ إلا أهل الذمة، أو إن لم يكونوا ذميين، فلفظ المشركين متناول للجميع، ولاهل الذمة لكن خرج أهل الذمة بإخراجه بالشرط والاستثناء، قلنا‏:‏ هو كذلك لو اقتصر عليه، ولذلك يمتنع الاخراج بالشرط، والاستثناء منفصلا ولو قدر على الاخراج لم يفرق بين المنفصل والمتصل، ولكن إذا لم يقتصر وألحق به ما هو جزء منه وإتمام له غير موضوع الكلام، فجعله كالناطق بالباقي ودفع دخول البعض، ومعنى الدفع أنه كان يدخل لولا الشرط والاستثناء فإذا لحقا قبل الوقوف دفعا، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فويل للمصلين‏}‏ ‏(‏الماعون‏:‏ 4‏)‏ لا حكم له قبل إتمام الكلام، فإذا تم الكلام كان الويل مقصورا على من وجد فيه شرط السهو والرياء، لا أنه دخل فيه كل مصل ثم خرج البعض، فهكذا ينبغي أن يفهم حقيقة الاستثناء والشرط، فاعلموه ترشدوا‏.‏ القول في المطلق والمقيد اعلم أن التقييد اشتراط والمطلق محمول على المقيد إن اتحد الموجب والموجب كما لو قال‏:‏ لا نكاح إلا بولي وشهود وقال‏:‏ لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل فيحمل المطلق على المقيد، فلو قال في كفارة القتل‏:‏ ‏(‏فتحرير رقبة‏)‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏)‏ ثم قال فيها مرة أخرى‏:‏ ‏(‏فتحرير رقبة‏)‏ ‏(‏النساء‏:‏ 29‏)‏ فيكون هذا اشتراطا ينزل عليه الاطلاق، وهذا صحيح، ولكن على مذهب من لا يرى بين الخاص والعام تقابل الناسخ والمنسوخ كما نقلناه عن القاضي والقاضي مع مصيره إلى التعارض نقل الاتفاق عن العلماء على تنزيل المطلق على المقيد عند اتحاد الحكم، أما إذا اختلف الحكم كالظهار والقتل، فقال قوم‏:‏ يحمل المطلق على المقيد من غير حاجة إلى دليل، كما لو اتحدت الواقعة وهذا تحكم محض يخالف وضع اللغة إذ لا يتعرض القتل للظهار فكيف يرفع الاطلاق الذي فيه والاسباب المختلفة تختلف في الاكثر شروط واجباتها، كيف ويلزم من هذا تناقض، فإن الصوم مقيد بالتتابع في الظهار والتفريق في الحج، حيث قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 691‏)‏ ومطلق في اليمين، فليت شعري على أي المقيدين يحمل، فقال قوم‏:‏ لا يحمل على المقيد أصلا، وإن قام دليل القياس لانه نسخ ولا سبيل إلى نسخ الكتاب بالقياس، وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، إذا جعل الزيادة على النص نسخا، وقد بينا فساد هذا في كتاب النسخ، وأن قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فتحرير رقبة‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 92‏)‏ ليس هو نصا في أجزاء الكافرة، بل هو عام يعتقد ظهوره مع تجويز قيام الدليل على خصوصه، أما أن يعتقد عمومه قطعا، فهذا خطأ في اللغة‏.‏ وقال الشافعي رحمه الله‏:‏ إن قام دليل حمل عليه، ولم يكن فيه إلا تخصيص العموم، وهذا هو الطريق الصحيح، فإن قيل‏:‏ إنما يطلب بالقياس حكم مما ليس منطوقا به في كفارة الظهار، ومقتضاها أجزاء الكافرة، قلنا بينا أن كون الكافرة منطوقا بها مشكوك فيه، إذ ليس تناول عموم الرقبة له كالتنصيص على الكافرة، وقد كشفنا الغطاء في مسألة تخصيص عموم القرآن بالقياس‏.‏ هذا تمام القول في العموم والخصوص ولواحقه من الاستثناء والشرط والتقييد، وبه تم الكلام في الفن الأول وهو دلالة اللفظ على معناه من حيث الصيغة والوضع‏.‏

الفن الثاني فيما يقتبس من الالفاظ لا من حيث صيغتها بل من حيث فحواها وإشارتها

وهي خمسة أضرب الضرب

الأول‏:‏ ما يسمى اقتضاء، وهو الذي لا يدل عليه اللفظ ولا يكون منطوقا به ولكن يكون من ضرورة اللفظ إما من حيث لا يمكن كون المتكلم صادقا إلا به، أو من حيث يمتنع وجود الملفوظ شرعا إلا به، أو من حيث يمتنع نبوته عقلا إلا به‏.‏ أما المقتضى الذي هو ضرورة صدق المتكلم فكقوله عليه السلام‏:‏ لا صيام لمن لم يبيت الصيام من الليل فإنه نفى الصوم والصوم لا ينتفي بصورته، فمعناه لا صيام صحيح أو كامل فيكون حكم الصوم هو المنفي لا نفسه، والحكم غير منطوق به، لكن لا بد منه لتحقيق صدق الكلام، فعن هذا قلنا لا عموم له لانه ثبت اقتضاء لا لفظا، وهذا يصح على مذهب من ينكر الاسماء الشرعية ويقول‏:‏ لفظ الصوم باق على مقتضى اللغة، فيفتقر فيه إلى إضمار الحكم، أما من جعله عبارة عن الصوم الشرعي فيكون انتفاؤه بطريق النطق لا بطريق الاقتضاء، بل مثاله‏:‏ لا عمل إلا بنية ورفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما سبقت أمثلته في باب المجمل‏.‏ وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به شرعا، فقول القائل‏:‏ أعتق عبدك عني فإنه يتضمن الملك ويقتضيه ولم ينطق به لكن العتق المنطوق به شرط نفوذه شرعا تقدم الملك، فكان ذلك مقتضى اللفظ وكذلك لو أشار إلى عبد الغير، وقال‏:‏ والله لاعتقن هذا العبد، يلزمه تحصيل الملك فيه إن أراد البرد، وإن لم يتعرض له لضرورة الملتزم، وأما مثال ما ثبت اقتضاء لتصور المنطوق به عقلا، فقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم أمهاتكم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 32‏)‏ فإنه يقتضي إضمار الوطئ، أي حرم عليكم وطئ أمهاتكم لان الامهات عبارة عن الاعيان، والاحكام لا تتعلق بالاعيان، بل لا يعقل تعلقها إلا بأفعال المكلفين، فاقتضى اللفظ فعلا وصار ذلك هو الوطئ من بين سائر الافعال بعرف الاستعمال، وكذلك قوله‏:‏ ‏{‏حرمت عليكم الميتة والدم‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 3‏}‏ ‏(‏أحلت لكم بهيمة الانعام‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 1‏)‏ أي الاكل، ويقرب منه ‏{‏واسأل القرية‏}‏ ‏(‏يوسف‏:‏ 28‏)‏ أي أهل القرية لانه لا بد من الاهل حتى يعقل السؤال فلا بد من إضماره ويجوز أن يلقب هذا بالاضمار دون الاقتضاء‏.‏ والقول في هذا قريب‏.‏ الضرب الثاني ما يؤخذ من إشارة اللفظ لا من اللفظ، ونعني به ما يتسع اللفظ من غير تجريد قصد إليه، فكما أن المتكلم قد يفهم بإشارته وحركته في أثناء كلامه ما لا يدل عليه نفس اللفظ، فيسمى إشارة، فكذلك قد يتبع اللفظ ما لم يقصد به ويبني عليه، ومثال ذلك تمسك العلماء في تقدير أقل الطهر وأكثر الحيض بخمسة عشر يوما بقوله عليه السلام إنهن ناقصات عقل ودين فقيل‏:‏ ما نقصان دينهن فقال‏:‏ تقعد إحداهن في قعر بيتها شطر دهرها لا تصلي ولا تصوم فهذا إنما سيق لبيان نقصان الدين وما وقع المنطق قصدا إلا به لكن حصل به إشارة إلى أكثر الحيض وأقل الطهر، وأنه لا يكون فوق شطر الدهر وهو خمسة عشر يوما من الشهر، إذ لو تصور الزيادة لتعرض لها عند قصد المبالغة في نقصان دينها‏.‏ ومثاله استدلال الشافعي رحمه الله في تنجس الماء القليل بنجاسة لا تغيره بقوله عليه السلام‏:‏ إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في لاناء حتى يغسلها ثلاثا، فإنه لا يدري أين باتت يده إذ قال‏:‏ لولا أن يقين النجاسة ينجس لكان توهمها لا يوجب الاستحباب‏.‏ ومثاله تقدير أقل مدة الحمل بستة أشهر، أخذا من قوله‏:‏ ‏{‏وحمله وفصاله ثلاثون شهرا‏}‏ ‏(‏الاحقاف‏:‏ 51‏)‏ وقد قال في موضع آخر‏:‏ ‏{‏وفصاله في عامين‏}‏ ‏(‏لقمان‏:‏ 41‏)‏ ومثاله المصير إلى من وطئ بالليل في رمضان فأصبح جنبا لم يفسد صومه، لانه قال‏:‏ ‏{‏وكلوا واشربوا حتى يتبين‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 781‏)‏ وقال‏:‏ ‏{‏فالآن باشروهن‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 781‏)‏ ثم مد الرخصة إلى يتبين الخيط الابيض من الخيط الاسود من الفجر، فتشعر الآية بجواز الاكل والشرب والجماع في جميع الليل ومن فعل ذلك في آخر الليل استأخر غسله إلى النهار وإلا وجب إن يحرم الوطئ في آخر جزء من الليل بمقدار ما يتسع للغسل، فهذا وأمثاله مما يكثر ويسمى إشارة اللفظ‏.‏ الضرب الثالث فهم التعليل من إضافة الحكم إلى الوصف المناسب، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 83‏)‏ و ‏{‏الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 2‏)‏ فإنه كما فهم وجوب القطع والجلد على السارق والزاني وهو المنطوق به فهم كون السرقة والزنا علة للحكم، وكونه علة غير منطوق به، لكن يسبق إلى الفهم من فحوى الكلام، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الابرار لفي نعيم ئ وإن الفجار لفي جحيم‏}‏ ‏(‏الانفطار‏:‏ 13 - 14‏)‏ أي لبرهم وفجورهم، وكذلك كل ما خرج مخرج الذم والمدح، والترغيب والترهيب، وكذلك إذا قال‏:‏ ذم الفاجر وامدح المطيع وعظم العالم، فجميع ذلك يفهم منه التعليل من غير نطق به، وهذا قد يسمى إيماء وإشارة، كما يسمى فحوى الكلام ولحنه، وإليك الخيرة في تسميته بعد الوقوف على جنسه وحقيقته‏.‏ الضرب الرابع فهم غير المنطوق به من المنطوق بدلالة سياق الكلام ومقصوده، كفهم تحريم الشتم والقتل والضرب، من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما‏}‏ ‏(‏الاسراء‏:‏ 32‏)‏ وفهم تحريم مال اليتيم وإحراقه وإهلاكه من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 01‏)‏ وفهم ما وراء الذرة والدينار من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏}‏ ‏(‏الزلزلة‏:‏ 7‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك‏}‏ ‏(‏آل عمران‏:‏ 57‏)‏ وكذلك قول القائل‏:‏ ما أكلت له برة، ولا شربت له شربة، ولا أخذت من ماله حبة‏:‏ فإنه يدل على ما وراءه، فإن قيل هذا من قبيل التنبيه بالادنى على الاعلى، قلنا‏:‏ لا حجر في هذه التسمية، لكن يشترط أن يفهم أن مجرد ذكر الادنى لا يحصل هذا التنبيه ما لم يفهم الكلام وما سيق له، فلولا معرفتنا بأن الآية سيقت لتعظيم الوالدين واحترامهما لما فهمنا منع الضرب والقتل من منع التأفيف، إذ قد يقول‏:‏ السلطان إذا أمر بقتل ملك لا تقل له أف لكن اقتله، وقد يقول‏:‏ والله ما أكلت مال فلان، ويكون قد أحرق ماله فلا يحنث، فإن قيل‏:‏ الضرب حرام قياسا على التأفيف، لان التأفيف إنما حرم للايذاء، وهذا الايذاء فوقه، قلنا‏:‏ إن أردت بكونه قياسا أنه محتاج إلى تأمل واستنباط علة فهو خطأ، وإن أردت أنه مسكوت فهم من منطوق فهو صحيح بشرط أن يفهم أنه أسبق إلى الفهم من المنطوق، أو هو معه وليس متأخرا عنه، وهذا قد يسمى مفهوم الموافقة، وقد يسمى فحوى اللفظ ولكل فريق اصطلاح آخر فلا تلتفت إلى الالفاظ واجتهد في إدراك حقيقة هذا الجنس‏.‏ الضرب الخامس هو المفهوم، ومعناه الاستدلال بتخصيص الشئ بالذكر على نفي الحكم عما عداه، ويسمى مفهوما، لانه مفهوم مجرد لا يستند إلى منطوق، وإلا فما دل عليه المنطوق أيضا مفهوم، وربما سمي هذا دليل الخطاب ولا التفات إلى الاسامي، وحقيقته أن تعليق الحكم بأحد، وصفي الشئ هل يدل على نفيه عما يخالفه في الصفة‏؟‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتله منكم متعمدا‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 59‏)‏ وكقوله عليه السلام‏:‏ في سائمة الغنم الزكاة والثيب أحق بنفسها من وليها ومن باع نخلة مؤبرة فثمرتها للبائع فتخصيص العمد والسوم والثيوبة والتأبير بهذه الاحكام هل يدل على نفي الحكم عما عداها‏؟‏ فقال الشافعي وما لك والاكثرون من أصحابهما‏:‏ أنه يدل، وإليه ذهب الاشعري، إذا احتج في إثبات خبر الواحد بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا‏}‏ ‏(‏الحجرات‏:‏ 6‏)‏ قال‏:‏ هذا يدل على أن العدل بخلافه، واحتج في مسألة الرؤية بقوله تعالى‏:‏ ‏{‏كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون‏}‏ ‏(‏المطففين‏:‏ 51‏)‏ قال‏:‏ وهذا يدل على أن المؤمنين بخلافهم، وقال جماعة من المتكلمين ومنهم القاضي وجماعة من حذاق الفقهاء، ومنهم ابن شريح‏:‏ إن ذلك لا دلالة له وهو الاوجه عندنا‏.‏ ويدل عليه مسالك‏.‏ الأول‏:‏ أن إثبات زكاة السائمة مفهوم، أما نفيها عن المعلوفة اقتباسا من مجرد الاثبات لا يعلم إلا بنقل من أهل اللغة متواترا وجار مجرى المتواتر والجاري مجرى المتواتر، كعلمنا بأن قولهم‏:‏ ضروب وقتول وأمثاله للتكثير وأن قولهم‏:‏ عليم وأعلم وقدير وأقدر للمبالغة، أعني الافعل، أما نقل الآحاد فلا يكفي، إذ الحكم على لغة ينزل عليها كلام الله تعالى بقول الآحاد مع جواز الغلط لا سبيل إليه، فإن قيل‏:‏ فمن نفي المفهوم افتقر إلى نقل متواترا أيضا‏؟‏ قلنا‏:‏ لا حاجة إلى حجة، فيما لم يضعوه فإن ذلك لا يناهي، إنما الحجة على من يدعي الوضع‏.‏ الثاني‏:‏ حسن الاستفهام‏.‏ فإن من قال‏:‏ إن ضربك زيد عامدا فاضربه، حسن أن يقول‏:‏ فإن ضربني خاطئا أفأضربه‏؟‏ وإذا قال أخرج الزكاة من ما شيتك السائمة حسن أن يقول‏:‏ هل أخرجها من المعلوفة، وحسن الاستفهام يدل على أن ذلك غير مفهوم، فإنه لا يحسن في المنطوق وحسن في المسكوت عنه، فإن قيل‏:‏ حسن لانه قد لا يراد به النفي مجازا، قلنا‏:‏ الأصل أنه إذا احتمل ذلك كان حقيقة، وإنما يرد إلى المجاز بضرورة دليل ولا دليل‏.‏ المسلك الثالث أنا نجدهم يعلقون الحكم على الصفة تارة مع مساواة المسكوت عنه للمنطوق، وتارة مع المخالفة، فالثبوت للموصوف معلوم منطوق، والنفي عن المسكوت محتمل، فليكن على الوقف إلى البيان بقرينة زائدة، ودليل آخر أما دعوى كونه مجازا عند الموافقة حقيقة عند المخالفة فتحكم بغير دليل يعارضه عكسه من غير ترجيح‏.‏ المسلك الرابع أن الخبر عن ذي الصفة لا ينفي غير الموصوف، فإذا قال‏:‏ قام الاسود، أو خرج أو قعد، لم يدل على نفيه عن الابيض، بل هو سكوت عن الابيض، وإن منع ذلك مانع وقد قيل به لزمه تخصيص اللقب والاسم العلم، حتى يكون قولك‏:‏ رأيت زيدا نفيا للرؤية عن غيره، وإذا قال‏:‏ ركب زيد، دل على نفي الركوب عن غيره، وقد تبع هذا بعضهم، وهو بهت واختراع على اللغات كلها، فإن قولنا‏:‏ رأيت زيدا لا يوجب نفي رؤيته عن ثوب زيد ودابته وخادمه، ولا عن غيره، إذ يلزم أن يكون قوله‏:‏ زيد عالم كفرا، لانه نفي للعلم عن الله وملائكته ورسله، وقوله عيسى نبي الله كفرا لانه نفي النبوة عن محمد عليه السلام وعن غيره من الانبياء‏.‏ فإن قيل‏:‏ هذا قياس الوصف على اللقب ولا قياس في اللغة، قلنا ما قصدنا به إلا ضرب مثال ليتنببه به حتى يعلم أن الصفة لتعريف الموصوف فقط كما أن أسماء الاعلام لتعريف الاشخاص، ولا فرق بين قوله‏:‏ في الغنم زكاة في نفي الزكاة عن البقر والابل، وبين قوله‏:‏ في سائمة الغنم زكاة في نفي الزكاة عن المعلوفة‏.‏ المسلك الخامس أنا كما أنا لا نشك في أن للعرب طريقا إلى الخبر عن مخبر واحد واثنين وثلاثة اقتصارا عليه مع السكوت عن الباقي فلها طريق أيضا في الخبر عن الموصوف بصفة، فتقول، رأيت الظريف، وقام الطويل، ونكحت الثيب، واشتريت السائمة، وبعت النخلة المؤبرة، فلو قال بعد ذلك‏:‏ نكحت البكر أيضا، واشتريت المعلوفة أيضا، لم يكن هذا مناقضا للاول ورفعا له وتكذيبا لنفسه، كما لو قال‏:‏ ما نكحت الثيب وما اشتريت السائمة، ولو فهم النفي كما فهم الاثبات لكان الاثبات بعده تكذيبا ومضادا لما سبق‏.‏ وقد احتج القائلون بالمفهوم بمسالك‏:‏ الأول‏:‏ أن الشافعي رحمه الله من جملة العرب ومن علماء اللغة وقد قال بدليل الخطاب، وكذلك أبو عبيدة من أئمة اللغة، وقد قال في قوله عليه السلام‏:‏ لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته فقال‏:‏ دليله أن من ليس بواجد لا يحل ذلك منه، وفي قوله‏:‏ لان يمتلئ جوف أحدكم قيحا حتى يريه خيرمن أن يمتلئ شعرا فقيل‏:‏ أنه أراد الهجاء والسب، أو هجو الرسول عليه السلام فقال‏:‏ ذلك حرام قليله وكثيره امتلا به الجوف أو قصر، فتخصيصه بالامتلاء يدل على أن ما دونه بخلافه، وأن من لم يتجرد للشعر ليس مرادا بهذا الوعيد، والجواب، أنهما‏:‏ ما إن قالاه عن اجتهاد فلا يجب تقليدهما، وقد صرحا بالاجتهاد إذ قالا‏:‏ لو لم يدل على النفي لما كان للتخصيص بالذكر فائدة، وهذا الاستدلال معرض للاعتراض كما سيأتي، فليس على المجتهد قبول قول من لم يثبت عصمته عن الخطأ فيما يظنه بأهل اللغة أو بالرسول، وإن كان ما قالاه عن نقل فلا يثبت هذا بقول الآحاد، ويعارضه أقوال جماعة أنكروه، وقد قال قوم‏:‏ لا تثبت اللغة بنقل أرباب المذاهب والآراء فإنهم يميلون إلى نصرة مذاهبهم، فلا تحصل الثقة بقولهم‏.‏ المسلك الثاني أن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 08‏)‏ فقال عليه السلام‏:‏ لازيدن على السبعين فهذا يدل على أن حكم ما عدا السبعين بخلافه، والجواب من أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن هذا خبر واحد لا تقوم به الحجة في إثبات اللغة، والاظهر أنه غير صحيح لانه عليه السلام أعرف الخلق بمعاني الكلام، وذكر السبعين جرى مبالغة في اليأس وقطع الطمع عن الغفران، كقول القائل‏:‏ أشفع أو لا تشفع، وإن شفعت لهم سبعين مرة لم أقبل منك شفاعتك‏.‏ الثاني‏:‏ أنه قال‏:‏ لازيدن على السبعين ولم يقل ليغفر لهم، فما كان ذلك لانتظار الغفران، بل لعله كان لاستمالة قلوب الاحياء منهم لما رأى من المصلحة فيهم ولترغيبهم في الدين، لا لانتظار غفران الله تعالى للموتى مع المبالغة في اليأس وقطع الطمع‏.‏ الجواب الثالث‏:‏ أن تخصيص نفي المغفرة بالسبعين أدل على جواز المغفرة بعد السبعين أو على وقوعه، فإن قلتم‏:‏ على وقوعه فهو خلاف الإجماع، وإن قلتم على جوازه فقد كان الجواز ثابتا بالعقل قبل الآية، فانتفى الجواز المقدر بالسبعين والزيادة ثبت جوازها بدليل العقل، لا بالمفهوم‏.‏ المسلك الثالث أن الصحابة قالوا‏:‏ الماء من الماء منسوخ بقول عائشة رضي الله عنها إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل فلو لم يتضمن نفي الماء عن غير الماء لما كان وجوبه بسبب آخر نسخا له، فإنه لم ينسخ وجوبه بالماء، بل انحصاره عليه واختصاصه به، والجواب من أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن هذا نقل آحاد ولا تثبت به اللغة‏.‏ الثاني‏:‏ أنه إنما يصح عن قوم مخصوصين لا عن كافة الصحابة، فيكون ذلك مذهبا لهم بطريق الاجتهاد ولا يجب تقليدهم‏.‏ الثالث‏:‏ أنه يحتمل أنهم فهموا منه أن كل الماء من الماء ففهموا من لفظ الماء المذكور أولا، العموم والاستغراق لجنس استعمال الماء، وفهموا أخيرا، كون خبر التقاء الختانين نسخا لعموم، الأول لا لمفهومه ودليل خطابه، وكل عام أريد به الاستغراق، فالخاص بعده يكون نسخا لبعضه ويتقابلان إن اتحدث الواقعة‏.‏ الرابع‏:‏ أنه نقل عنه عليه السلام أنه قال‏:‏ لا ماء إلا من الماء وهذا تصريح بطرفي النفي والاثبات، كقوله عليه السلام‏:‏ لا نكاح إلا بولي ولا صلاة إلا بطهور وروي أنه أتى باب رجل من الانصار فصاح به فلم يخرج ساعة ثم خرج ورأسه يقطر ماء فقال عليه السلام‏:‏ عجلت عجلت ولم تنزل فلا تغتسل فالماء من الماء وهذا تصريح بالنفي فرأوا خبر التقاء الختانين ناسخا لما فهم من هذه الأدلة‏.‏ الخامس‏:‏ أنه قال في رواية إنما الماء من الماء وقد قال بعض منكري المفوم أن هذا للحصر والنفي والاثبات ولا مفهوم للقب والماء اسم لقب فدل أنه مأخوذ من الحصر الذي دل عليه الالف واللام وقوله‏:‏ إنما ولم يقل أحد من الصحابة أن المنسوخ مفهوم هذا اللفظ فلعل المنسوخ عمومه أو حصره المعلو لا بمجرد التخصيص والكلام في مجرد التخصيص‏.‏ المسلك الرابع قولهم أن يعلى بن أمية قال لعمر رضي الله عنه‏:‏ ما بالنا نقصر وقد أمنا‏؟‏ فقال تعجبت مما تعجبت منه، فسألت النبي عليه الصلاة والسلام فقال‏:‏ هي صدقة تصدق الله بها عليكم أو على عباده، فاقبلوا صدقته وتعجبهما من بطلان مفهوم تخصيص قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن خفتم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 101‏)‏ قلنا‏:‏ لان الأصل الاتمام، واستثنى حالة الخوف، فكان الاتمام واجبا عند عدم الخوف بحكم الأصل لا بالتخصيص‏.‏ المسلك الخامس أن ابن عباس رضي الله عنهما فهم من قوله‏:‏ إنما الربا في النسيئة نفي ربا الفضل، وكذلك عقل من قوله تعالى‏:‏ ‏{‏فإن كان له إخوة فلامه السدس‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 11‏)‏ إنه إن كان له إخوان فلامه الثلث، وكذلك قال الاخوات لا يرثن مع الأولاد‏:‏ لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن امرؤ هلك ليس له ولد وله أخت فلها نصف ما ترك‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 671‏)‏ فإنه لما جعل لها النصف بشرط عدم الولد دل على انتفائه عند وجود الولد، والجواب عن هذا من أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن هذا غايته أن يكون مذهب ابن عباس ولا حجة فيه‏.‏ الثاني‏:‏ أن جميع الصحابة خالفوه في ذلك، فإن دل مذهبه عليه دل مذهبهم على نقيضه‏.‏ الثالث‏:‏ أنه لم يثبت أنه دفع ربا الفضل بمجرد هذا اللفظ بل ربما دفعه بدليل آخر وقرينة أخرى‏.‏ الرابع‏:‏ أنه لعله اعتقد أن البيع أصله على الاباحة بدليل العقل، أو عموم قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وأحل الله البيع وحرم الربا‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 572‏)‏ فإذا كان النهي قاصرا على النسيئة كان الباقي حلالا بالعموم، ودليل العقل لا بالمفهوم‏.‏ الخامس‏:‏ أنه روي أنه قال‏:‏ لا ربا إلا في النسيئة، وهذا نص في النفي والاثبات، وقوله‏:‏ إنما الربا في النسيئة أيضا قد أقربه بعض منكري المفهوم لما فيه من الحصر‏.‏ المسلك السادس أنه إذا قال‏:‏ اشتر لي عبدا أسود، يفهم نفي الابيض، وإذا قال أضربه إذا قام، يفهم المنع إذا لم يقم، قلنا‏:‏ هذا باطل، بل الأصل منع الشراء والضرب إلا فيما أذن والاذن قاصر فبقي الباقي على النفي، وتولد منه درك الفرق بين الابيض والاسود وعماد الفرق إثبات ونفي، ومستندا لنفي الأصل، ومستند الاثبات الاذن القاصر، والذهن إنما ينتبه للفرق عند الاذن القاصر على الاسود فإنه يذكر الابيض، فيسبق إلى الاوهام العامية أن إدراك الذهن هذا الاختصاص، والفرق من الذكر القاصر لا بل هو عند الذكر القاصر لكن أحد طرفي الفرق حصل من الذكر والآخر كان حاصلا في الأصل فيذكره عند التخصيص فكان حصول الفرق عنده لا به، فهذا مزلة القدم، وهو دقيق، ولاجله غلط الاكثرون، ويدل عليه أيضا أنه لو عرض على البيع شاة وبقرة وغانما وسالما وقال‏:‏ اشتر غانما والشاة لسبق إلى الفهم الفرق بين غانم وسالم، وبين البقرة والشاة، واللقب لا مفهوم له بالاتفاق عند كل محصل إذ قوله‏:‏ لا تبيعوا البر بالبر لم يدل على نفي الربا من غير الاشياء الستة بالاتفاق، ولو دل لا نحسم باب القياس، وإن القياس فائدته إبطال التخصيص، وتعدية الحكم من المنصوص إلى غيره، لكن مزلة القدم ما ذكرناه، وهو جار في كل ما يتضمن الاقتطاع من أصل ثابت، كقوله‏:‏ أنت طالق إن دخلت الدار، فإن لم تدخل لم تطلق، لان الأصل عدم الطلاق، لا لتخصيص الدخول، بدليل أنه لو قال‏:‏ إن دخلت فلست بطالق، فلا يقع إذا لم تدخل، لانه ليس الأصل وقوع الطلاق حتى يكون تخصيص النفي بالدخول موجبا للرجوع إلى الأصل عند عدم الدخول، وهذا واضح‏.‏ المسلك الرابع وعليه تعويل الاكثرين، وهو السبب الاعظم في وقوع هذا الوهم، أن تخصيص الشئ بالذكر لا بد أن تكون له فائدة، فإن استوت السائمة والمعلوفة والثيب والبكر، والعمد والخطأ فلم خصص البعض بالذكر والحكم شامل، والحاجة إلى البيان تعم القسمين، فلا داعي له إلى اختصاص الحكم، وإلا صار الكلام لغوا‏؟‏ والجواب من أربعة أوجه‏:‏ الأول‏:‏ أن هذا عكس الواجب، فإنكم جعلتم طلب الفائدة طريقا إلى معرفة وضع اللفظ، وينبغي أن يفهم أولا الوضع، ثم ترتب الفائدة عليه، والعلم بالفائدة ثمرة معرفة الوضع أما أن يكون الوضع تبع معرفة الفائدة فلا‏.‏ الثاني‏:‏ وأن عماد هذا الكلام أصلان‏.‏ أحدهما‏:‏ أنه لا بد من فائدة التخصيص‏.‏ والثاني‏:‏ أنه لا فائدة إلا اختصاص الحكم، والنتيجة أنه الفائدة إذا، ومسلم أنه لا بد من فائدة، لكن الأصل الثاني وهو أنه لا فائدة إلا هذا فغير مسلم، فلعل فيه فائدة فليست الفائدة محصورة في هذا، بل البواعث على التخصيص كثرة واختصاص الحكم أحد البواعث، فإن قيل‏:‏ فلو كان له فائدة أو عليه باعث سوى اختصاص الحكم لعرفناه قلنا ولم قلتم أن كل فائدة ينبغي أن تكون معلومة لكم، فلعلها حاضرة ولم تعثروا عليها، فكأنكم جعلتم عدم علم الفائدة علما بعدم الفائدة، وهذا خطأ فعماد هذا الدليل هو الجهل بفائدة أخرى‏.‏ الثالث‏:‏ وهو قاصمة الظهر على هذا المسلك، أن تخصيص اللقب لا يقول به محصل، فلم لم تطلبوا الفائدة فيه، فإذا خصص الاشياء الستة في الربا، وعمم الحكم في المكيلات والمطعومات كلها، وخصص الغنم بالزكاة مع وجوبها في الابل والبقر، فما سببه مع استواء الحكم‏؟‏ فيقال‏:‏ لعل إليه داعيا من سؤال أو حاجة أو سبب لا نعرفه، فليكن كذلك في تخصيص الوصف‏.‏ الرابع‏:‏ أن في تخصيص الحكم بالصفة الخاصة فوائد‏:‏ الأولى‏:‏ أنه لو استوعب جميع محل الحكم لم يبق للاجتهاد مجال فأراد بتخصيص بعض الالقاب والاوصاف بالذكر أن يعرض المجتهدين لثواب جزيل في الاجتهاد إذ بذلك تتوفر دواعيهم على العلم ويدوم العلم محفوظا بإقبالهم ونشاطهم في الفكر والاستنباط، ولولا هذا لذكر لكل حكم رابطة عامة جامعة لجميع مجاري الحكم، حتى لا يبقى للقياس مجال‏.‏ الثانية‏:‏ أنه لو قال‏:‏ في الغنم زكاة ولم يخصص السائمة لجاز للمجتهد إخراج السائمة عن العموم بالاجتهاد الذي ينقدح له، فخص السائمة بالذكر لتقاس المعلوفة عليها إن رأى أنها في معناها أو لا تلحق بها فتبقى السائمة بمعزل عن محل الاجتهاد، وكذلك لو قال‏:‏ لا تبيعوا الطعام بالطعام، ربما أدى اجتهاد مجتهد إلى إخراج البر والتمر فنص على ما لا وجه لاخراجه، وترك ما هو موكول إلى الاجتهاد، لا سيما ولو ذكر الطعام أو الغنم، وهو لفظ عام، لصار عند الواقفية محتملا للعموم وللبر خاصة أو التمر خاصة وللمعلوفة خاصة، وللسائمة خاصة، فأخرج المخصوص عن محل الوقف والشك، ورد الباقي إلى الاجتهاد لما رأى فيه من اللطف والصلاح‏.‏ الثالثة‏:‏ أن يكون الباعث على التخصيص للاشياء الستة عموم وقوع أو خصوص سؤال أو وقوع واقعة أو اتفاق معاملة فيها خاصة أو غير ذلك من أسباب لا نطلع عليها، فعدم علمنا بذلك لا ينزل بمنزلة علمنا بعدم ذلك، بل نقول‏:‏ لعل إليه داعيا لم نعرفه، فكذلك في الاوصاف‏.‏ المسلك الثامن‏:‏ قولهم إن التعليق بالصفة كالتعليق بالعلة وذلك يوجب الثبوت بثبوت العلة والانتفاء بانتفائها، والجواب‏:‏ أن الخلاف في العلة والصفة واحد فتعليق الحكم بالعلة يوجب ثبوته بثبوتها، أما انتفاؤه بانتفائها فلا، بل يبقى بعد انتفاء العلة على ما يقتضيه الأصل، وكيف ونحن نجوز تعليل الحكم بعلتين، فلو كان إيجاب القتل بالردة نافيا للقتل عند انتفائها لكان إيجاب القصاص نسخا لذلك النفي، بل فائدة ذكر العلة معرفة الرابطة فقط، وليس من فائدته أيضا تعدية العلة من محلها إلى غير محلها، فإن ذلك عرف بورود التعبد بالقياس، ولولاه لكان قوله‏:‏ حرمت عليكم الخمر لشدتها لا يوجب تحريم النبيذ المشتد بل يجوز أن تكون العلة شدة الخمر خاصة إلى أن يرد دليل، وتعبد باتباع العلة وترك الالتفات إلى المحل‏.‏ المسلك التاسع‏:‏ استدلالهم بتخصيصات في الكتاب والسنة خالف الموصوف فيها غير الموصوف بتلك الصفات، وسبيل الجواب عن جميعها إما لبقائها على الأصل أو معرفتها بدليل آخر أو بقرينة، ولو دل ما ذكروه لدلت تخصيصات في الكتاب والسنة لا أثر لها على نقيضه، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن قتله منكم متعمدا‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 59‏)‏ في جزاء الصيد إذ يجب على الخاطئ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏(‏4‏)‏ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 29‏)‏ إذ تجب على العامد عند الشافعي رحمه الله، وقوله‏:‏ ‏{‏فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 101‏)‏ الآية، وقوله في الخلع‏:‏ ‏{‏وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 53‏)‏ وقوله عليه السلام‏:‏ أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها إلى أمثال له لا تحصى‏.‏ القول في درجات دليل الخطاب اعلم أن توهم النفي من الاثبات على مراتب ودرجات، وهي ثمانية‏:‏ الأولى‏:‏ وهي أبعدها، وقد أقر ببطلانها كل محصل من القائلين بالمفهوم وهو مفهوم اللقب، كتخصيص الاشياء الستة في الربا‏.‏ الثانية‏:‏ الاسم المشتق الدال على جنس، كقوله‏:‏ لا تبيعوا الطعام بالطعام وهذا أيضا يظهر إلحاقه باللقب، لان الطعام لقب لجنسه، وإن كان مشتقا مما يطعم، إذ لا تدرك تفرقة بين قوله‏:‏ في الغنم زكاة وفي الماشية زكاة، وإن كانت الماشية مشتقة مثلا‏.‏ الثالثه‏:‏ تخصيص الاوصاف التي تطرأ و تزول، كقوله‏:‏ الثيب أحق بنفسها والسائمة تجب فيها الزكاة، فلاجل أن السوم يطرأ ويزول ربما يتقاضى الذهن طلب سبب التخصيص، وإذا لم يجد حمله على انتفاء الحكم، وهو أيضا ضعيف ومنشؤه الجهل بمعرفة الباعث على التخصيص‏.‏ الرابعة‏:‏ أن يذكر الاسم العام ثم تذكر الصفة الخاصة في معرض الاستدراك والبيان، كما لو قال‏:‏ في الغنم السائمة زكاة، وكقوله‏:‏ من باع نخلة مؤبرة فثمرها للبائع و اقتلوا المشركين الحربيين، فإنه ذكر الغنم والنخلة والمشركين، وهي عامة، فلو كان الحكم يعمها لما أنشأ بعده استدراكا، لكن الصحيح أن مجرد هذا التخصيص من غير قرينة لا مفهوم له فيرجع حاصل الكلام إلى طلب سبب الاستدراك، ويجوز أن يكون له سبب سوى اختصاص الحكم لم نعرفه، ووجه التفاوت بين هذه الصور أن تخصيص اللقب يمكن حمله على أنه لم يحضره ذكر المسكوت عنه، ولذلك ذكر الاشياء الستة، فهذا احتمال وهو الغفلة عن غير المنطوق به، والغفلة البكر عند التعرض للثيب أبعد، لان ذكر الصفة بذكر ضدها يضعف هذا الاحتمال، فصار احتمال المفهوم أظهر، وعند الاستدراك بعد التعميم انقطع هذا الاحتمال بالكلية، فظهر احتمال المفهوم لانحسام أحد الاحتمالات الباعثة على التخصيص، لكن وراء هذه احتمالات داعية إلى التخصيص، وإن لم نعرفها فلا يحتج بما لا يعلم فينظر إلى لفظه، ومن تعرض للغنم السائمة والنخلة المؤبرة فهو ساكت، عن المعلوفة وغير المؤبرة، كما لو قال‏:‏ في السائمة وفي المؤبرة، وكما قال‏:‏ في سائمة الغنم زكاة‏.‏ الخامسة‏:‏ الشرط، وذلك أن يقول‏:‏ إن كان كذا فافعل كذا، وإن جاءكم كريم قوم فأكرموه، وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن، وقد ذهب ابن شريح وجماعة من المنكرين للمفهوم إلى أن هذا يدل على النفي، والذي ذهب إليه القاضي إنكاره وهو الصحيح عندنا على قياس ما سبق، لان الشرط يدل على ثبوت الحكم عند وجود الشرط فقط، فيقصر عن الدلالة على الحكم عند عدم الشرط، أما أن يدل على عدم عنذ العدم فلا‏.‏ وفرق بين أن لا يدل على الوجود فيبقى على ما كان قبل الذكر وبين أن يدل على النفي فيتغير عما كان، والدليل عليه أنه يجوز تعليق الحكم بشرطين، كما يجوز بعلتين، فإذا قال‏:‏ احكم بالمال للمدعي إن كانت له بينة، واحكم له بالمال إن شهد له شاهدان، لا يدل على نفي الحكم بالاقرار واليمين والشاهد، ولا يكون الامر بالحكم بالاقرار والشاهد واليمين نسخا له ورفعا للنص أصلا، ولهذا المعنى جوزناه بخبر الواحد، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن‏}‏ ‏(‏الطلاق‏:‏ 6‏)‏ أنكر أبو حنيفة مفهومه لما ذكرناه، ويجوز أن نوافق الشافعي في هذه المسألة، وإن خالفناه في المفهوم من حيث أن انقطاع ملك النكاح يوجب سقوط النفقة إلا ما استثنى، والحامل هي المستثنى، فيبقى الحائل على أصل النفي، وانتفت نفقتها إلا بالشرط، لكن بانتفاء النكاح الذي كان علة النفقة‏.‏ السادسة‏:‏ قوله عليه السلام‏:‏ إنما الماء من الماء وإنما الشفعة فيما لم يقسم وإنما الولاء لمن أعتق وإنما الربا بالنسيئة إنما الاعمال بالنيات وهذا قد أصر أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم على إنكاره وقالوا إنه إثبات فقط، ولا يدل على الحصر، وأقر القاضي بأنه ظاهر في الحصر محتمل للتأكيد، إذ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما الله إله واحد‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 171‏)‏ و ‏{‏إنما يخشى الله من عباده العلماء‏}‏ ‏(‏فاطر‏:‏ 82‏)‏ يشعر بالحصر، ولكن قد يقول‏:‏ إنما النبي محمد، وإنما العالم في البلد زيد يريد به الكمال والتأكيد، وهذا هو المختار عندنا أيضا، ولكن خصص القاضي هذا بقوله إنما، ولم يطرده في قوله‏:‏ الاعمال بالنيات، والشفعة فيما لم يقسم وتحريمها التكبير، وتحليلها التسليم، والعالم في البلد زيد، وعندنا أن هذا يلحق بقوله‏:‏ إنما وإن كان دونه في القوة لكنه ظاهر في الحصر أيضا، فإنا ندرك التفرقة بين قول القائل، زيد صديقي وبين قوله‏:‏ صديقي زيد، وبين قوله‏:‏ زيد عالم وبين قوله‏:‏ العالم زيد وهذا التحقيق، وهو أن الخبر لا يجوز أن يكون أخص من المبتدأ، بل ينبغي أن يكون أعم منه أو مساويا له، فلا يجوز أن تقول الحيوان إنسان، ويجوز أن تقول‏:‏ الانسان حيون، فإذا جعل زيدا مبتدأ وقال‏:‏ زيد صديقي جاز أن تكون الصداقة أعم من زيد، وزيد أخص من الصديق، لان المبتدأ يجوز أن يكون أخص من الخبر، أما إذا جعل الصديق مبتدأ فقال‏:‏ صديقي زيد، فلو كان له صديق آخر كان المبتدأ أعم من الخبر والخبر أخص، وكان كقوله‏:‏ اللون سواد، والحيوان إنسان، وذلك ممتنع، وإن كان عكسه جائزا‏.‏، فإن قيل‏:‏ يجوز أن يقول‏:‏ صديقي زيد وعمرو أيضا، والولاء لمن أعتق ولمن كاتب، ولمن باع بشرط العتق، ولو كان للحصر لكان هذا نقضا له، قلنا‏:‏ هو للحصر بشرط أن لا يقترن به قبل الفراغ من الكلام ما يغيره، كما أن العشرة لمعناها بشرط أن لا يتصل بها الاستثناء، وقوله‏:‏ ‏{‏اقتلوا المشركين‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 5‏)‏ ظاهر في الجميع بشرط أن لا يقول‏:‏ إلا زيدا‏.‏ السابعة‏:‏ مد الحكم إلى غاية بصيغة إلى وحتى، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏‏(‏2‏)‏ ولا تقربوهن حتى يطهرن‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 222‏}‏ ‏(‏فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره‏}‏ ‏(‏البقرة‏:‏ 032‏)‏ وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى يعطوا الجزية عن يد‏}‏ ‏(‏التوبة‏:‏ 9‏)‏ وقد أصر على إنكار هذا أصحاب أبي حنيفة وبعض المنكرين للمفهوم وقالوا‏:‏ هذا نطق بما قبل الغاية وسكوت عما بعد الغاية، فيبقى على ما كان قبل النطق، وأقر القاضي بهذا، لان قوله تعالى‏:‏ ‏{‏حتى تنكح زوجا غيره‏}‏ و ‏{‏حتى يطهرن‏}‏ ليس كلاما مستقلا، فإن لم يتعلق بقوله‏:‏ ‏{‏ولا تقربوهن‏}‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فلا تحل له‏}‏ فيكون لغوا من الكلام، وإنما صح لما فيه من إضمار، وهو قوله‏:‏ حتى يطهرن فأقربوهن، وحتى تنكح فتحل، ولهذا يقبح الاستفهام إذا قال‏:‏ لا تعط زيدا حتى يقوم، ولو قال‏:‏ أعطه، إذا قام فلا يحسن، إذ معناه، أعطه إذا قام، ولان الغاية نهاية، ونهاية الشئ مقطعة، فإن لم يكن مقطع فلا يكون نهاية، فإنه إذا قال‏:‏ اضربه حتى يتوب، فلا يحسن معه أن يقول‏:‏ وهل أضربه، وإن تاب، وهذا وإن كان له ظهور ما ولكن لا ينفك عن نظر، إذ يحتمل أن يقال‏:‏ كل ماله ابتداء، فغايته مقطع لبدايته فيرجع الحكم بعد الغاية إلى ما كان قبل البداية، فيكون الاثبات مقصورا أو ممدودا إلى الغاية المذكورة، ويكون ما بعد الغاية كما قبل البداية، فإذا هذه الرتبة أضعف في الدلالة على النفي مما قبلها‏.‏ الرتبة الثامنة‏:‏ لا عالم في البلد إلا زيد، وهذا قد أنكره غلاة منكري المفهوم وقالوا‏:‏ هذا نطق بالمستثنى عنه، وسكوت عن المستثنى، فما خرج بقوله إلا فمعناه أنه لم يدخل في الكلام، فصار الكلام مقصورا على الباقي، وهذا ظاهر البطلان، لان هذا صريح في النفي والاثبات، فمن قال‏:‏ لا إله إلا الله، لم يقتصر على النفي، بل أثبت لله تعالى الالوهية ونفاها عن غيره، ومن قال‏:‏ لا عالم إلا زيد، ولا فتى إلا علي، ولا سيف إلا ذو الفقار، فقد نفى وأثبت قطعا وليس كذلك، قوله‏:‏ لا صلاة إلا بطهور ولا نكاح إلا بولي ولا تبيعوا البر بالبر إلا سواء بسواء هذا صيغة الشرط، ومقتضاها نفي المنفى عند انتفاء الشرط، فليس منطوقا به، بل تفسد الصلاة مع الطهارة لسبب آخر، وكذلك‏:‏ النكاح مع الولي والبيع مع المساواة، وهذا على وفق قاعدة المفهوم، فإن إثبات الحكم عند ثبوت وصف لا يدل على إبطاله عند انتفائه، بل يبقى على ما كان قبل النطق، وكذلك نفيه عند انتفاء شئ لا يدل على إثباته عند ثبوت ذلك الشئ، بل يبقى على ما كان قبل النطق، وكذلك نفيه عند انتقاء شئ لا يدل على إثباته عند ثبوت ذلك الشئ بل يبقى على ما كان قبل النطق ويكون المنطوق به النفي عند الانتقاء فقط بخلاف قوله‏:‏ لا إله إلا الله، ولا عالم إلا زيد، لانه إثبات ورد على النفي والاستثناء من النفي إثبات، ومن الاثبات نفي، وقوله لا صلاة ليس فيه تعرض للطهارة بل للصلاة فقط، وقوله‏:‏ إلا بطهور ليس إثباتا للصلاة، بل للطهور الذي لم يتعرض له في الكلام فلا يفهم منه إلا الشرط‏.‏

مسألة ‏(‏مفهوم اللقب‏)‏

القائلون بالمفهوم أقروا بأنه لا مفهوم لقوله‏:‏ ‏{‏وإن خفتم شقاق بينهما‏}‏ ‏(‏النساء‏:‏ 53‏)‏ ولا لقوله‏:‏ إيما امرأة نكحت بغير إذن وليها لان الباعث على التخصيص العادة، لان الخلع لا يجري إلا عند الشقاق، والمرأة لا تنكح نفسها إلا إذا أبى الولي‏.‏ وكذلك القائلون بمفهوم اللقب قالوا‏:‏ لا مفهوم لقوله‏:‏ صبوا عليه ذنوبا من ماء وليستنج بثلاثة أحجار لانه ذكرهما لكونهما غالبين، وإذا كان يسقط المفهوم بمثل هذا الباعث فحيث لم يظهر لنا الباعث احتمل أن يكون ثم باعث لم يظهر لنا، فكيف يبني الحكم على عدم ظهور الباعث لنا، فإن قيل‏:‏ فلو انتفى الباعث المخصص في علم الله تعالى واستوت الحاجة في المذكور والمسكوت واستويا في الذكر ولم يكن أحدهما منسيا، فهل يجوز للنبي عليه السلام أن يخص أحدهما بالذكر‏؟‏ فإن جوزتم فهو نسبة له إلى اللغو والعبث، وكان كقوله‏:‏ يجب الصوم على الطويل والابيض، فقلنا‏:‏ وهل يجب على القصير والاسود‏؟‏ فقال‏:‏ نعم، قلنا‏:‏ فلم خصصت هذا بالذكر‏؟‏ فقال‏:‏ بالتشهي والتحكم، فلا شك أنه ينسب إلى خلاف الجد ويصلح ذلك لان يلقب به ليضحك منه كما يقول القائل‏:‏ اليهودي إذا مات لا يبصر فيكون ذلك هزؤا، فثبت بهذا أن هذا دليل إن لم يكن باعث، فإذا لم يظهر فالأصل عدمه، أما إسقاط دلالته بالتوهم باعث على التخصيص سوى اختصاص الحكم به، فهو رفع للدلالة بالتوهم، قلنا‏:‏ ما ذكرتموه مسلم، وهو أيضا جار في تخصيص اللقب، واليهودي اسم لقب، ويستقبح تخصيصه‏.‏ ولا مفهوم للقب، لان ذلك يحسم سبيل القياس، وإنما أسقط مفهوم اللقب لانه ليس فيه دلالة من حيث اللفظ، بل هو نطق بشئ وسكوت عن شئ، فينبغي أن يقال‏:‏ فلم سكت عن البعض ونطق بالبعض، فنقول‏:‏ لا ندري فإن ذلك يحتمل أن يكون بسبب اختصاص الحكم ويحتمل أن يكون بسبب آخر فلا يثبت الاختصاص بمجرد احتمال ووهم، وكذلك تخصيص الوصف، ولا فرق، فإذا لسنا ندرأ الدليل بالوهم بل الخصم يبني الدليل على الوهم، فإنه ما لم ينتف سائر البواعث لا يتعين باعث اختصاص الحكم وتقدير انتفاء البواعث وهم مجرد، وأما قول القائل‏:‏ اليهودي إذا مات لا يبصر، فليس استقباحه للتخصيص، بل لانه ذكر ما هو جلي، فإنه لو قال‏:‏ الانسان إذا مات لم يبصر، أو الحيوان إذا مات لا يبصر استقبح ئذلك، لانه تعرض لما هو واضح في نفسه، فإن تعرض لمشكل فلا يستقبح التخصيص في كل مقام، كقوله‏:‏ العبد إذا وقع في الحج لزمته الكفارة، فهذا لا يستقبح وإن شاركه الحر، وكقوله‏:‏ الانسان لا يتحرك إلا بالارادة، ولا يريد إلا بعد الادراك، فلا يستقبح وإن كان سائر الحيوان شاركه فيهما‏.‏ هذا تمام التحقيق في المفهوم، وبه تمام النظر في الفن الثاني، وهو اقتباس الحكم من اللفظ لا من حيث صيغته ووضعه، بل من حيث فحواه وإشارته، ولم يبق إلا الفن الثالث وهو اقتباس الحكم من حيث معناه ومعقوله، وهو القياس، والقول فيه طويل‏.‏ ونرى أن نلحق بآخر الفن الثاني القول في فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم وسكوته ووجه دلالته على الاحكام، فإنه قد يظن أنه نازل منزلة القول في الدلالة، ثم بعد الفراغ منه نخوض في الفن الثالث وهو شرح القياس‏.‏

القول في دلالة أفعال النبي عليه السلام وسكوته واستبشاره

وفيه فصول

الفصل الأول في دلالة الفعل

ونقدم عليه مقدمة في عصمة الانبياء، فنقول‏:‏ لما ثبت ببرهان العقل صدق الانبياء وتصديق الله تعالى إياهم بالمعجزات، فكل ما يناقض مدلول المعجزة فهو محال عليهم بدليل العقل، ويناقض مدلول المعجزة جواز الكفر والجهل بالله تعالى وكتمان رسالة الله والكذب والخطأ والغلط فيما يبلغ، والتقصير في التبليغ والجهل بتفاصيل الشرع الذي أمر بالدعوة إليه، أما ما يرجع إلى مقارفة الذنب فيما يخصه ولا يتعلق بالرسالة فلا يدل على عصمتهم عنه، عندنا دليل العقل، بل دليل التوقيف والإجماع، قد دل على عصمتهم عن الكبائر وعصمتهم أيضا عما يصغر أقدارهم من القاذورات، كالزنا والسرقة واللواط، أما الصغائر فقد أنكرها جماعة وقالوا‏:‏ الذنوب كلها كبائر، فأوجبوا عصمتهم عنها، والصحيح أن من الذنوب صغائر، وهي التي تكفرها الصلوات الخمس واجتناب الكبائر، كما ورد في الخبر، وكما قررنا حقيقته في كتاب التوبة من كتاب إحياء علوم الدين، فإن قيل‏:‏ لم لم تثبت عصمتهم بدليل العقل، لانهم لو لم يعصموا لنفرت قلوب الخلق عنهم، قلنا‏:‏ لا يجب عندنا عصمتهم من جميع ما ينفر، فقد كانت الحرب سجالا بينه وبين الكفار، وكان ذلك ينفر قلوب قوم عن الايمان، ولم يعصم عنه، وإن ارتاب المبطلون، مع أنه حفظ عن الخط والكتابة كي لا يرتاب المبطلون، وقد ارتاب جماعة بسبب النسخ، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏16‏)‏ وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر‏}‏ ‏(‏النحل‏:‏ 201‏)‏ وجماعة بسبب المتشابهات فقالوا‏:‏ كان يقدر على كشف الغطاء لو كان نبيا لخلص الخلق من كلمات الجهل والخلاف، كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏فيتبعون ما نشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله‏)‏ ‏[‏ آل عمران‏:‏ 7 ‏]‏ وهذا لان نفي المنفرات ليس بشرط دلالة المعجزة، هذا حكم الذنوب أما النسيان والسهو فلا خلاف في عصمتهم بما يتعلق بتبليغ الشرع والرسالة، فإنهم كلفوا تصديقه جزما، ولا يمكن التصديق مع تجويز الغلط، وقد قال قوم‏:‏ يجوز عليه الغلط فيما شرعه بالاجتهاد، لكن لا يقر عليه، وهذا على مذهب من يقول المصيب واحد من المجتهدين، أما من قال‏:‏ كل مجتهد مصيب فلا يتصور الخطأ عنده في اجتهاد غيره فكيف في اجتهاده‏.‏ رجعنا إلى المقصود، وهو أفعاله عليه السلام، فما عرف بقوله أنه تعاطاه بيانا للواجب كقوله عليه السلام‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم أو علم بقرينة الحال أنه إمضاء لحكم نازل، كقطع يد السارق من الكوع، فهذا دليل وبيان، وما عرف أنه خاصيته، فلا يكون دليلا في حق غيره، وأما ما لم يقترن به بيان في نفي ولا إثبات فالصحيح عندنا أنه لا دلالة له، بل هو متردد بين الاباحة والندب والوجوب وبين أن يكون مخصوصا به وبين أن يشاركه غيره فيه، ولا يتعين واحد من هذه الاقسام إلا بدليل زائد، بل يحتمل الحظر أيضا عند من يجوز عليهم الصغائر، وقال قوم أنه على الحظر، وقال قوم على الاباحة، وقال قوم على الندب، وقال قوم على الوجوب إن كان في العبادات وإن كان في العادات فعلى الندب، ويستحب التأسي به، وهذه تحكمات، لان الفعل لا صيغة له وهذه الاحتمالات متعارضة، ونحن نفرد كل واحد بالابطال‏.‏ أما إبطال الحمل على الحظر‏:‏ فهو أن هذا خيال من رأى الافعال قبل ورود الشرع على الحظر، قال‏:‏ وهذا الفعل لم يرد فيه شرع، ولا يتعين بنفسه لاباحة ولا لوجوب، فيبقى على ما كان، فلقد صدق في إبقاء الحكم على ما كان، وأخطأ في قوله بأن الاحكام قبل الشرع على الحظر، وقد أبطلنا ذلك، ويعارضه قول من قال إنها على الاباحة، وهو أقرب من الحظر، ثم يلزم منه تناقض، وهو أن يأتي بفعلين متضادين في وقتين فيؤدي إلى أن يحرم الشئ وضده، وهو تكليف المحال‏.‏ أما إبطال الاباحة‏:‏ فهو أنه إن أراد به أنه أطلق لنا مثل ذلك فهو تحكم لا يدل عليه عقل ولا سمع، وإن أراد به أن الأصل في الافعال نفي الحرج فيبقى على ما كان قبل الشرع، فهو حق، وقد كان كذلك قبل فعله فلا دلالة، إذا لفعله‏.‏ أما إبطال الحمل على الندب‏:‏ فإنه تحكم، إذا لم يحمل على الوجوب لاحتمال كونه ندبا، فلا يحمل على الندب لاحتمال كونه واجبا بل لاحتمال كونه مباحا‏.‏ وقد تمسكوا بشبهتين‏:‏ الأولى‏:‏ أن فعله يحتمل الوجوب و الندب، والندب أقل درجاته فيحمل عليه، قلنا‏:‏ إنما يصح ما ذكروه، لو كان الندب داخلا في الوجوب، ويكون الوجوب ندبا وزيادة، وليس كذلك، إذ يدخل جواز الترك في حد الندب دون حد الوجوب، وأقرب ما قيل فيه الحمل على الندب، لا سيما في العبادات، أما في العادات فلا أقل من حمله على الاباحة، لا بمجرد الفعل، ولكن نعلم أن الصحابة كانوا يعتقدون في كل فعل له أنه جائز ويستدلون به على الجواز، ويدل هذا على نفي الصغائر عنه، وكانوا يتبركون بالاقتداء به في العادات، لكن هذا أيضا ليس بقاطع، إذ يحتمل أن يكون، استدلالهم بذلك مع قرائن حسمت بقية الاحتمالات، وكلامنا في مجرد الافعال دون قرينة، ولا شك في أن ابن عمر لما رآه مستقبل بيت المقدس في قضاء حاجته استدل به على كونه مباحا إذا كان في بناء، لانه كان في البناء ولم يعتقد أنه ينبغي أن يقتدي به فيه، لانه خبنفسه، فلم يكن يقصد إظهاره ليعلم بالقرينة قصده الدعاء إلى الاقتداء، فتبين من هذا أنهم اعتقدوا وأن ما فعله مباح، وهذا يدل على أنهم لم يجوزوا عليه الصغائر وأنهم لم يعتقدوا الاقتداء في كل فعل بل ما يقترن به قرينة تدل على إرادته البيان بالفعل‏.‏ الثانية‏:‏ التمسك بقوله‏:‏ ‏{‏لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة‏}‏ ‏(‏الاحزاب‏:‏ 12‏)‏ فأخبر أن لنا، التأسي، ولم يقل عليكم التأسي فيحمل على الندب لا على الوجوب، قلنا‏:‏ الآية حجة عليكم، لان التأسي به في إيقاع الفعل الذي أوقعه على ما أوقعه فما أوقعه واجبا أو مباحا إذا أوقعناه على وجه الندب لم نكن مقتدين به، كما أنه إذا قصد الندب فأوقعناه واجبا خالفنا التأسي فلا سبيل إلى التأسي به، قبل معرفة قصده ولا يعرف قصده إلا بقوله أو بقرينة ثم نقول‏:‏ إذا انقسمت أفعاله إلى الواجب والندب لم يكن من يحمل الكل على الوجوب متأسيا ومن يجعل الكل أيضا ندبا متأسيا، بل كان النبي عليه السلام يفعل ما لا يدري فمن فعل ما لا يدري على أي وجه فعله لم يكن متأسيا‏.‏ أما أبطال الحمل على الوجوب‏:‏ فإن ذلك لا يعرف بضرورة عقل ولا نظر، ولا بدليل قاطع، فهو تحكم، لان فعله متردد بين الوجوب والندب، وعند من لم يوجب عصمته من الصغائر يحتمل الحظر أيضا، فلم يتحكم بالحمل على الوجوب ولهم شبه‏:‏ الأولى‏:‏ قولهم لا بد من وصف فعله بأنه حق وصواب ومصلحة ولولاه لما أقدم عليه ولا تعيد به، قلنا‏:‏ جملة ذلك مسلم في حقه خاصة ليخرج به عن كونه محظورا، وإنما الكلام في حقنا، وليس يلزم الحكم بأن ما كان في حقه حقا وصوابا ومصلحة كان في حقنا كذلك، بل لعله مصلحة بالاضافة إلى صفة النبوة أو صفة هو يختص بها، ولذلك خالفنا في جملة من الجائزات والواجبات والمحظورات، بل اختلف المقيم والمسافر والحائض والطاهر في الصلوات فلم يمتنع اختلاف النبي والامة‏.‏ الثانية‏:‏ أنه نبي، وتعظيم النبي واجب، والتأسي به تعظيم، قلنا‏:‏ تعظيم الملك في الانقياد له فيما يأمر وينهي لا في التربع إذا تربع، ولا في الجلوس على السرير إذا جلس عليه، فلو نذر الرسول أشياء لم يكن تعظيمه في أن ننذرها مثل ما نذرها، ولو طلق أو باع أو اشترى لم يكن تعظيمه في التشبه به‏.‏ الثالث‏:‏ أنه لو لم يتابع في أفعاله لجاز أن لا يتابع في أقواله، وذلك تصغير لقدره وتنفير للقلوب عنه، قلنا هذا هذيان، فإن المخالفة في القول عصيان له، وهو مبعوث للتبليغ حتى يطاع في أقاويله، لان قوله متعد إلى غيره، وفعله قاصر عليه، وأما التنفير فقد بينا أنه لا التفات إليه ولو كان ترك التشبه به تصغيرا له لكنا تركنا للوصال، وتركنا نكاح تسع بل تركنا دعوى النبوة تصغيرا، فاستبان أن هذه خيالات، وأن التحقيق أن الفعل متردد، كما أن اللفظ المشترك كالقرء متردد، فلا يجوز حمله على أحد الوجوه إلا بدليل زائد‏.‏ الرابعة‏:‏ تمسكهم بآي من الكتاب، كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ونصروا‏}‏ ‏(‏الانعام‏:‏ 351‏)‏ وأنه يعم الاقوال والافعال، وكقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فليحذر الذين يخالفون عن أمره‏}‏ ‏(‏النور‏:‏ 36‏)‏ وقوله‏:‏ ‏{‏وما آتاكم الرسول فخذوه‏}‏ ‏(‏الحشر‏:‏ 7‏)‏ وأمثاله، وجمع ذلك يرجع إلى قبول أقواله، وغايته أن يعم الاقوال والافعال، وتخصيص العموم ممكن، ولذلك لم يجب على الحائض و المريض موافقته مع أنهم مأمورون بالاتباع والطاعة‏.‏ الخامسة‏:‏ وهي أظهرها تمسكهم بفعل الصحابة، وهو أنهم واصلوا الصيام لما واصل وخلعوا نعالهم في الصلاة لما خلع، وأمرهم عام الحديبية بالتحلل بالحلق فتوقفوا، فشكا إلى أم سلمة، فقالت أخرج إليهم واذبح واحلق ففعل، فذبحوا وحلقوا مسارعين، وإنه خلع خاتمه فخلعوا، وبأن عمر كان يقبل الحجر ويقول‏:‏ إني لاعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي عليه السلام يقبلك ما قبلتك وبأنه قال في جواب من سأل أم سلمة عن قلبة الصائم فقال‏:‏ ألا أخبرته أني أقبل وأنا صائم وكذلك الصحابة رضي الله عنهم بأجمعهم اختلفوا في الغسل من التقاء الختانين، فقالت عائشة رضي الله عنها‏:‏ فعلته أنا ورسول الله فاغتسلنا فرجعوا إلى ذلك الجواب من وجوه‏.‏ الأول‏:‏ أن هذه أخبار آحاد، وكما لا يثبت القياس وخبر الواحد إلا بدليل قاطع فكذلك هذا لانه أصل من الاصول‏.‏ الثاني‏:‏ أنهم لم يتبعوه في جميع أفعاله وعباداته، فكيف صار اتباعهم للبعض دليلا ولم تصر مخالفتهم في البعض دليل جواز المخالفة‏.‏ الثالث‏:‏ وهو التحقيق‏:‏ أن أكثر هذه الاخبار تتعلق بالصلاة والحج والصوم والوضوء، وقد كان بين لهم أن شرعه وشرعهم فيه سواء فقال‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي وخذوا عني مناسككم وعلمهم الوضوء وقال‏:‏ هذا وضوئي ووضوء الانبياء من قبلي وأما الوصال فإنهم ظنوا لما أمرهم بالصوم واشتغل معهم به أنه قصد بفعله امتثال الواجب وبيانه، فرد عليهم ظنهم وأنكر عليهم الموافقة، وكذلك في قبلة الصائم ربما كان قد بين لهم مساواة الحكم في المفطرات وأن شرعه شرعهم، وكذلك في الاحداث قد عرفهم مساواة الحكم فيها، ففهموا لا بمجرد حكاية الفعل، كيف وقد نقل أنه عليه السلام قال‏:‏ إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل وأما خلع الخاتم فهو مباح، فلما خلع أحبوا موافقته لا لاعتقادهم وجوب ذلك عليهم، أو توهموا أنه لما ساواهم في سنة التختم فيساويهم في سنة الخلع، فإن قيل‏:‏ الأصل أن ما ثبت في حقه عام إلا ما استثنى قلنا‏:‏ لا بل الأصل أن ما ثبت في حقه فهو خاص إلا ما عممه فإن قيل‏:‏ التعميم أكثر فلينزل عليه، قلنا‏:‏ ولم يجب التنزيل على الاكثر وإذا اشتبهت أخت بعشر أجنبيات، فالاكثر حلال، ولا يجوز الاخذ به، كيف والمباحات أكثر من المندوبات، فلتلحق بها والمندوبات أكثر من الواجبات فلتلحق بها، بل ربما قال القائل‏:‏ المحظورات أكثر من الواجبات فلتنزل عليها‏.‏

الفصل الثاني في شبهات متفرقة في أحكام الافعال الأولى

قال قائل‏:‏ إذا نقل إلينا فعله عليه السلام فما الذي يجب على المجتهد أن يبحث عنه، وما الذي يستحب‏؟‏ قلنا‏:‏ لا يجب إلا أمر واحد، وهو البحث عنه، هل ورد بيانا لخطاب عام أو تنفيذا لحكم لازم عام فيجب علينا اتباعه، أو ليس كذلك فيكون قاصرا عليه فإن لم يقم دليل على كونه بيانا لحكم عام فالبحث عن كونه ندبا في حقه أو واجبا أو مباحا أو محظورا أو قضاء أو أداء موسعا أو مضيقا لا يجب، بل هو زيادة درجة، وفضل في العلم يستحب للعالم أن يعرفه، فإن قيل‏:‏ كم أصناف ما يحتاج إلى البيان سوى الفعل‏؟‏ قلنا‏:‏ ما يتطرق إليه احتمال كالمجمل والمجاز والمنقول عن وضعه والمنقول بتصرف الشرع، والعام المحتمل للخصوص، والظاهر المحتمل للتأويل، ونسخ الحكم بعد استقراره، ومعنى قول‏:‏ افعل أنه للندب أو للوجوب أو أنه على الفور أو التراخي، أو أنه للتكرار أو المرة الواحد، والجمل المعطوفة إذا أعقبت باستثناء وما يجري مجراه مما يتعارض فيه الاحتمال والفعل من جملة ذلك، فإن قيل‏:‏ فإن بين لنا بفعله ندبا فهل يكون فعله واجبا‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم، هو من حيث أنه بيان واجب، لانه تبليغ للشرعه، ومن حيث أنه فعل ندب، وذهب بعض القدرية إلى أن بيان الواجب واجب، وبيان الندب ندب، وبيان المباح مباح، ويلزم على ذلك أن يكون بيان المحظور محظورا، فإذا كان بيان المحظور واجبا فلم لا يكون بيان الندب واجبا، وكذلك بيان المباح، وهي أحكام الله تعالى على عباده والرسول مأمور بالتبليغ وبيانه‏:‏ بالقول أو الفعل، وهو مخير بينهما، فإذا أتى بالفعل فقد أتى بإحدى خصلتي الواجب فيكون فعله، واقعا عن الواجب، فإن قيل‏:‏ وبم يعرف كون فعله بيانا‏؟‏ قلنا‏:‏ إما بصريح قوله وهو ظاهر، أو بقرائن، وهي كثيرة‏.‏ إحداها‏:‏ أن يرد خطاب مجمل ولم يبينه بقوله إلى وقت الحاجة، ثم فعل عند الحاجة والتنفيذ للحكم فعلا صالحا للبيان، فيعلم أنه بيان، إذا لم يكن لكان مؤخرا للبيان عن وقت الحاجة، وذلك محال عقلا عند قوم وسمعا عند آخرين، وكونه غير واقع متفق عليه، لكن كون الفعل متعينا للبيان، يظهر للصحابة، إذ قد علموا عدم البيان بالقول، أما نحن فيجوز أن يكون قد بين بالقول ولم يبلغنا، فيكون الظاهر عندنا أن الفعل بيان، فقطع يد السارق من الكوع وتيممه إلى المرفقين، بيان لقوله عزوجل‏:‏ ‏{‏فاقطعوا أيديهما‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 83‏)‏ ولقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فامسحوا بوجوهكم وأيديكم‏}‏ ‏(‏المائدة‏:‏ 6‏)‏ الثانية‏:‏ أن ينقل فعل غير مفصل، كمسحه رأسه وأذنيه من غير تعرض لكونهما مسحا بماء واحد أو بماء جديد ثم ينقل أنه أخذ لاذنيه ماء جديدا، فهذا في الظاهر يزيل الاحتمال عن الأول، ولكن يحتمل أن الواجب ماء واحد، وأن المستحب ماء جديدا فيكون أحد الفعلين على الاقل، والثاني على الاكمل‏.‏ الثالثة‏:‏ أن يترك ما لزمه فيكون بيانا لكونه منسوخا في حقه، أما في حق غيره فلا يثبت النسخ إلا ببيان الاشتراك في الحكم، نعم لو ترك غيره بين يديه فلم ينكر مع معرفته فيدل على النسخ في حق الغير‏.‏ الرابعة‏:‏ أنه إذا أتى بسارق ثمر أو ما دون النصاب فلم يقطع فيدل على تخصيص الآية، لكن هذا بشرط أن يعلم انتفاء شبهة أخرى تدرأ القطع، لانه لو أتى بسارق سيف فلم يقطعه فلا يتبين لنا سقوط القطع في السيف ولا في الحديد، لكن يبحث عن سببه، فكذلك الثمر وما دون النصاب، وكذلك تركه القنوت والتسمية والتشهد الأول مرة واحدة لا يدل على النسخ، إذ يحمل على نسيان أو على بيان جواز ترك السنة، وإن ترك مرات دل على عدم الوجوب، وكذلك لو ترك الفخذ مكشوفا دل على أنه ليس من العورة‏.‏ الخامسة‏:‏ إذا فعل في الصلاة ما لو لم يكن واجبا لافسد الصلاة دل على الوجوب، كزيادة ركوع في الخسوف، وكحمل أمامة في الصلاة يدل على أن الفعل القليل لا يبطل وأنه فعل قليل هذا مع قوله‏:‏ صلوا كما رأيتموني أصلي يكون بيانا في حقنا‏.‏ السادسة‏:‏ إذا أمر الله تعالى بالصلاة وأخذ الجزية والزكاة مجملا ثم أنشأ الصلاة وابتدأ بأخذ الجزية فيظهر كونه بيانا وتنفيذا، لكن إن لم تكن الحاجة متنجزة بحيث يجوز تأخير البيان فلا يتعين لكونه بيانا، بل يحتمل أن يكون فعلا أمر به خاصة في ذلك الوقت، فإذا لا يصير بيانا للحكم العام إلا بقرينة أخرى‏.‏ السابعة‏:‏ أخذه مالا ممن فعل فعلا أو إيقاعه به ضربا أو نوع عقوبة، فإنه له خاصة ما لم ينبه على أن من فعل ذلك الفعل فعليه مثل ذلك المال، فإنه لا يمتنع، لانه وإن تقدم ذلك الفعل فلا يتعين لكونه موجب أخذ المال، وأنه لا يمتنع وجود سبب آخر هو المقتضى للمال وللعقوبة أما قضاؤه على من فعل فعلا بعقوبة أو مال كقضائه على الاعرابي بإعتاق رقبة فإنه يدل على أنه موجب ذلك الفعل، لان الراوي لا يقول‏:‏ قضى على فلان بكذا لما فعل كذا إلا بعد معرفته بالقرينة، فإن قيل‏:‏ فإذا فعل فعلا وكان بيانا ووقع في زمان ومكان وعلى هيئة فهل يتبع الزمان والمكان والهيئة‏؟‏ فيقال‏:‏ أما الهيئة والكيفية فنعم، وأما الزمان والمكان فهو كتغيم السماء وصحوها، ولا مدخل له في الاحكام إلا أن يكون الزمان والمكان لائقا به بدليل دل عليه كاختصاص الحج بعرفات والبيت، واختصاص الصلوات بأوقات، لانه لو اتبع المكان للزم مراعاة تلك الرواية بعينها، ووجب مراعاة ذلك الوقت، وقد انقضى ولا يمكن إعادته وما بعده من الاوقات ليس مثلا، فيجب إعادة الفعل في الزمان الماضي وهو محال، وقد قال قوم إن تكرر فعله في مكان واحد وزمان واحد دل على الاختصاص وإلا فلا، وهو فاسد لما سبق ذكره، فإن قيل، إن كان فعله بيانا فتقريره على الفعل وسكوته عليه وتركه الانكار واستبشاره بالفعل أو مدحه له، هل يدل على الجواز وهل يكون بيانا‏؟‏ قلنا‏:‏ نعم، سكوته مع المعرفة وتركه الانكار دليل على الجواز إذ لا يجوز له ترك الانكار لو كان حراما، ولا يجوز له الاستبشار بالباطل، فيكون دليلا على الجواز كما نقل في قاعدة القيافة، وإنما تسقط دلالته عند من يحمل ذلك على المعصية، ويجوز عليه الصغيرة، ونحن نعلم إتفاق الصحابة على إنكار ذلك وإحالته، فإن قيل‏:‏ لعله، منع من الانكار مانع، كعلمه بأنه لم يبلغه التحريم فلذلك فعله، أو بلغه الانكار مرة فلم ينجح فيه فلم يعاوده‏.‏ قلنا‏:‏ ليس هذا مانعا لان من لم يبلغه التحريم فيلزمه تبليغه ونهيه حتى لا يعود ومن بلغه، ولم ينجح فيه فيلزمه إعادته وتكراره كيلا يتوهم نسخ التحريم، فإن قيل‏:‏ فلم لم يجب عليه أن يطوف صبيحة كل سبت وأحد على اليهود والنصارى إذا اجتمعوا في كنائسهم وبيعهم‏؟‏ قلنا‏:‏ لانه علم أنهم مصرون مع تبليغه وعلم الخلق أنه مصر على تكفيرهم دائما، فلم يكن ذلك مما يوهم النسخ، بخلاف فعل يجري بين يديه مرة واحدة أو مرات، فإن السكوت عنه يوهم النسخ‏.‏

الفصل الثالث في تعارض الفعلين

فنقول‏:‏ معنى التعارض التناقض، فإن وقع في الخبر أوجب كون واحد منهما كذبا، ولذلك لا يجوز التعارض في الاخبار من الله تعالى ورسوله، وإن وقع في الامر والنهي والاحكام فيتناقض فيرفع الاخير الأول ويكون نسخا، وهذا متصور، وإذا عرفت أن التعارض هو التناقض، فلا يتصور التعارض في الفعل، لانه لا بد من فرض الفعلين في زمانين أو في شخصين، فيمكن الجمع بين وجوب أحدهما وتحريم الآخر فلا تعارض، فإن قيل‏:‏ فالقول أيضا لا يتناقض إذ يوجد القولان في حالتين، وإنما يتناقض حكمهما، فكذلك يتناقض حكم الفعلين، قلنا‏:‏ إنما يتناقض حكم القولين، لان القول الأول اقتضى حكما دائما، فيقطع القول الثاني دوامه، والفعل لا يدل أصلا على حكم ولا على دوام حكم، نعم‏:‏ لو أشعرنا الشارع بأنه يريد بمباشرة فعل بيان دوام وجوبه ثم ترك ذلك الفعل بعده كان ذلك نسخا وقطعا لدوام حكم ظهر بالفعل مع تقدم الاشعار، فهذا القدر ممكن، وأما التعارض بين القول والفعل فممكن بأن يقول قولا يوجب على أمته فعلا دائما وأشعرهم بأن حكمه فيه حكمهم ابتداء ونسخا، ثم فعل خلافه أو سكت على خلافه، كان الاخير نسخا، وإن أشكل التاريخ وجب طلبه وإلا فهو متعارض، كما روي أنه قال في السارق‏:‏ وإن سرق خامسة فاقتلوه ثم أتى بمن سرق خامسة فلم يقتله، فهذا إن تأخر فهو نسخ القول والفعل، وإن تأخر القول فهو نسخ ما دل عليه‏:‏ الفعل، وقد قال قوم‏:‏ إذا تعارضا وأشكل التاريخ يقدم القول، لان القول بيان بنفسه بخلاف الفعل، فإن الفعل يتصور أن يخصه، والقول يتعدى إلى غيره، ولان القول يتأكد بالتكرار بخلاف الفعل، فنقول‏:‏ أما قولكم أن الفعل ليس بيانا بنفسه فمسلم، ولكن كلامنا في فعل صار بيانا لغيره فلا يتأخر عما كان بيانا بنفسه، وأما خصوص الفعل فمسلم أيضا، ولكن كلامنا في فعل لا يمكن حمله على خاصيته، وأما تأكيد القول بالتكرار إن عني به أنه إذا تواتر أفاد العلم، فهذا مسلم إذا توتر من أشخاص، فليس ذلك تكرارا وتكراره من شخص واحد لا أثر له كتكرار الفعل، هذا تمام الكلام في الافعال الملحقة بالاقوال، وبيان ما فيها من البيان والاجمال، ولنشتغل بعدها بالفن الثالث من القطب وهو المرسوم لبيان كيفية دلالة الالفاظ على المدلولات بمعقولها ومعناها، وهو الذي يسمى قياسا فلنخض في شرح كتاب القياس مستعينين بالله عزوجل‏.‏